بعد عشرين عامًا على رحيل الأديب العالمي نجيب محفوظ، لم تعد استعادة تجربته مجرد احتفاء بذكرى أديب نوبل، وإنما باتت مناسبة لإعادة التفكير في إرثه باعتباره مشروعا ثقافيا وطنيا قادرا على مخاطبة المستقبل.
خلال الأيام الماضية، تشرفت بالمشاركة، في هذه الذكرى، ضمن نقاشات مهمة حول نجيب محفوظ وأدبه، منها الندوة التي نظمتها مكتبات مصر بحضور الأمين العام السفير رضا الطايفي، تحت عنوان «عالم نجيب محفوظ»، والتي شاركت فيها مع الكاتبين أماني القصاص وأحمد بيومي، في تناول زوايا أخرى من عالمه.
وحالفني الحظ بأن أكون – أيضًا – ضيفًا، بدعوة من الأستاذ أحمد المسلماني، رئيس الهيئة الوطنية للإعلام، في جلسة حوارية شيقة بعنوان «من الحارة إلى الخلود»، نظمها مركز ماسبيرو للدراسات برئاسة الدكتور محمد عبده بدوي، والتي ناقشت جوانب متعددة من تجربة محفوظ وعلاقته بالوطنية المصرية، ودوره في تسجيل تحولات المجتمع المصري عبر القرن العشرين.
في هذه الجلسة، أكد المشاركون أن محفوظ كان ابنًا أصيلًا لفكرة «الوطنية المصرية»، وأن مفهوم «مصر للمصريين» لم يبدأ مع ثورة 1919 فقط، وإنما تمتد جذوره إلى مراحل أسبق، تصل إلى عهد الخديوي سعيد حين أصدر لائحته بأحقية المصريين في تملك الأرض، وكيف بدأت تتبلور مطالب تمثيل المصريين والدفاع عن حقوقهم.
وسط هذه التحولات، تشكل وعي محفوظ وجيله، وهو ما انعكس في أعماله التي لم تكن مجرد روايات، بل وثائق أدبية حية للتاريخ الاجتماعي والفكري المصري. وهو ما تبرزه رواياته، ومنها «السمان والخريف»، كنموذج لقدرة محفوظ على تحويل الأحداث التاريخية، ومنها أجواء ما بعد حريق القاهرة عام 1952، إلى تجربة إنسانية تتجاوز مجرد تسجيل الواقعة.
كما عكست «القاهرة الجديدة» – على سبيل المثال – الصراعات الفكرية التي شهدتها الجامعة المصرية في ثلاثينيات القرن الماضي، بينما تحولت «الحارة» في عالم محفوظ من مكان شعبي إلى رمز واسع لأسئلة الإنسان والوجود، وصولًا إلى الجدل الذي أثارته «أولاد حارتنا».
وعظمة هذه الجلسة، على وجه التحديد، أنها جاءت بمشاركة الكاتب والروائي الكبير إبراهيم عبد المجيد، والناقد الدكتور محمد بدوي، والكاتب الصحفي محمد شعير، وعكست الجوانب الروحية والنقدية والصحفية في تجربة محفوظ، إلى جانب مسيرته التي جعلت من الرواية «ديوانًا» للمجتمع المصري بتفاعلاته.
ولم تخلُ المناقشات من استعادة المفارقة المؤلمة التي عاشها محفوظ في سنواته الأخيرة، حين طُلب منه إثبات أنه «على قيد الحياة» ليسترد معاشه، بينما أثبت التاريخ أن الكاتب لا يموت ما دامت أعماله تُقرأ وتعيش.
وتطرق النقاش إلى ضرورة تجاوز الاحتفاء السنوي بمحفوظ، والعمل على تحويل إرثه إلى مشروع ثقافي قومي، يبدأ بإدراج أعماله المختارة في المناهج التعليمية، وإنشاء معهد دولي يحمل اسمه، وإحياء حركة ترجمة الأدب المصري، وإعادة تقديم أعماله في إنتاجات درامية أصيلة.
وهنا تبرز قضية مهمة، وهي أهمية رقمنة تراثه وتقديمه للأجيال الجديدة عبر التطبيقات والمنصات الرقمية والبودكاست والفيديوهات القصيرة، إلى جانب تطوير دور متحف نجيب محفوظ وتحويله إلى مركز دائم للدراسات والإبداع والسياحة الثقافية.
محفوظ لم يكن مجرد روائي يرصد الحارة المصرية، بل كان شاهدًا على تحولات الوطن، وجعل من أدبه جسرًا بين التاريخ والإنسان. ولذلك، فإن أفضل احتفاء به بعد عشرين عامًا من رحيله ليس أن نتذكره فقط، وإنما أن نعيد توظيف إرثه في بناء وعي جديد بمصر والإنسان والمجتمع.
جاء محفوظ مع صيحات «مصر للمصريين» قولًا وعملًا، وبقي حتى اليوم واحدًا من أكثر الأصوات تعبيرًا عن أحلام هذا الوطن وذاكرته وطموحاته.
نجيب محفوظ.. هو بحق مشروع قومي للمستقبل.
Sherifaref2020@gmail.com