حضارة تضرب بجذورها في أعماق الزمان لتبوح بأسرار البقاء وتكتب على جدران التاريخ قصة أمة تأبى الفناء وتصنع من رحم التحديات معجزات خالدة تبهر العقول وتأسر الألباب؛ فمصر التاريخية ليست حقب زمنية توالت على بقعة جغرافية متميزة حباها الله بموقع فريد فحسب؛ إنها دون مبالغة روح نابضة تسري في شرايين الإنسانية قاطبة، لتقدم للعالم أنموذجًا متفردًا في التوازن الجيوسياسي ونبع العطاء الذي لا ينضب.
يشكل الإرث الثقافي والحضاري الغائر في القدم ضمير الأمة المصرية؛ فتسلك سبيلها نحو بناء مستقبل مشرق يستلهم من عبقرية الأجداد طاقة بناءة تدفع الأبناء نحو مواصلة مسيرة الإعمار، والرؤية الشاملة لمكانة وطننا الغلي بما يفرض علينا إدراك ماهيته كمركز للسلام وجسر يربط بين ماضٍ مشرق وحاضر تتضح ملامح الغد المشرق في منطقة باتت تموج بالصراعات وتتلاطم فيها أمواج النزاعات التي لم تزد الدولة المصرية إلا رسوخًا وشموخًا كالجبال الرواسي التي لا تنال منها عاتيات الرياح ولا مكائد المغرضين.
أضحت رعاية المقدرات التاريخية وصيانتها تمثل ضرورة حتمية تتجاوز فكرة الحفاظ على الحجر لتمتد إلى الاستثمار في البشر وبناء الوعي القويم الذي يعصم المجتمعات من الانزلاق في متاهات التغريب وفقدان الهوية؛ فهذه الرعاية الدؤوبة تضمن بقاء الشخصية الوطنية متماسكة في وجه رياح التغيير وتيارات العولمة الجارفة وتخلق سياجًا من الانتماء والولاء في نفوس الأجيال تلو الأخرى التي تتسلم الراية، والوعي الرشيد بأهمية هذا التراث الثمين يدفع عجلة التنمية بخطى متسارعة ويفتح آفاقا ممتدة للاستثمار السياحي والثقافي، بما ينعكس إيجابًا على الاقتصاد الوطني ويجعل من البلاد قبلة للباحثين والزائرين وعشاق التاريخ من كافة أرجاء المعمورة، وصون هذا الإرث الحضاري يمنح الدولة قوة ناعمة تعزز حضورها المؤثر على الساحة الدولية، وتبرهن على قدرتها الفائقة في إدارة مواردها بحكمة تفوق التصورات؛ فيصبح التراث أداة فاعلة من أدوات الدبلوماسية الثقافية التي تبني جسورًا من التواصل الإنساني والمحبة الخالصة بين الشعوب.
القيادة السياسية الرشيدة ممثلة في فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي أدركت قيمة هذا الإرث الحضاري المتفرد ووجهت جهود العمل الوطني نحو إعادة صياغة الواقع بما يليق بمكانة المحروسة وتاريخها التليد؛ ففلسفة التجديد في عهد الجمهورية الجديدة ارتكزت على رؤية استراتيجية طموحة تدمج بين الأصالة والمعاصرة وتحرص على إبراز رونق المناطق التاريخية وحمايتها من طمس المعالم أو زحف العشوائيات الذي كاد أن يخنق أنفاس التاريخ في حقب مضت، وهذه الجهود الرئاسية الحثيثة لم تقتصر على التوجيه وإصدار القرارات، بل امتدت لتشمل المتابعة الدؤوبة وتذليل العقبات وتوفير الموارد المالية والبشرية اللازمة لإنجاز مشروعات قومية عملاقة، أعادت صياغة الخريطة الثقافية والسياحية للبلاد وفق أحدث المعايير العالمية، كما جعلت الإرادة السياسية المصرية من تطوير المناطق الأثرية وإحياء القاهرة التاريخية قضية أمن قومي ترتبط باستعادة الوجه الحضاري المشرق للدولة المصرية، وتأكيد سيادتها على مقدراتها التي لا تقدر بثمن.
جهود وطنية مخلصة تضافرت في ملحمة بناء وتعمير لم تشهدها البلاد من قبل؛ حيث اصطفت كافة مؤسسات الدولة وأطياف المجتمع خلف قيادتها لإنجاز ما اعتبره المتربصون ضربًا من الخيال والمستحيل؛ فالسواعد المصرية الفتية واصلت الليل بالنهار في مواقع العمل المختلفة مسطرة بطولات جديدة في حب الوطن، ومبرهنة على أن النسيج المجتمعي قوي بعقيدته وتلاحمه الذي لا تفصم عراه أراجيف المحبطين وشائعات الحاقدين، ومواجهة التحديات الاقتصادية والضغوطات الإقليمية الخانقة لم تثن عزيمة المصريين عن استكمال مسار التنمية المستدامة؛ فتم نهيئة البنية التحتية القوية التي تخدم هذه المناطق التاريخية، وتيسر سبل الوصول إليها، وهذه الحالة من الاصطفاف الوطني الفريد أسفرت عن طفرة غير مسبوقة في تأهيل الطرق وبناء شبكات النقل الحديثة التي تربط أوصال الدولة وتسهل استكشاف كنوزها الحضارية بكل يسر وأمان، ليقف العالم بأسره حائرًا أمام بلد متفرد في عطاءاته وقدرته الفائقة على تحويل المحن إلى منح والانطلاق نحو آفاق أرحب من التقدم والازدهار.
ذروة هذا الجهد المتواصل والعمل الدؤوب تبرز جلية في مشروع المتحف المصري الكبير الذي يعد منارة للإشعاع الثقافي ومؤسسة علمية بحثية تعزز من التواصل البناء بين تدرجات مراحل التاريخ وتقدم أنموذجًا حيًا لفلسفة استدامة المعرفة التي تعضد الهوية الوطنية وترسخ مكانة مصر كحارسة أمينة على تاريخ البشرية، كما أن المنطقة المحيطة بهذا الصرح العظيم شهدت بدورها عملية تطوير شاملة أعادت تشكيل الهوية البصرية لتعانق هضبة الأهرام الخالدة في مشهد مهيب يربط عظمة الماضي بإشراقة الحاضر ومساعي المستقبل؛ فشبكات الطرق الواسعة والمحاور المرورية الجديدة والخدمات اللوجستية الراقية والحدائق المنسقة المحيطة بالمتحف خلقت بيئة متكاملة تليق باستقبال ضيوف مصر من كافة بقاع الأرض وتليق بجلال الأثر وعظمة الموروث.
هذه الرؤية المتكاملة في التطوير العمراني والسياحي لا تستهدف فقط تنشيط الموارد الاقتصادية، بل تسعى لتقديم تجربة إنسانية متفردة يشعر فيها الزائر بعبق التاريخ يتنفس في فضاء عصري مجهز بأحدث التقنيات وأرقى الخدمات التي تعكس كرم الضيافة المصرية الأصيلة، وعطاء الدولة المصرية سيظل مستمرًا بفضل إرادة شعب كريم وقيادة حكيمة تأبى إلا أن تضع وطنها في المكانة التي يستحقها في طليعة الأمم المتحضرة، لتبقى مصر التاريخية الصامدة الملهمة أبد الدهر درعًا وسيفًا وحضنًا آمنا تتكسر على أعتابه مطامع الغزاة وتزدهر في ربوعه أزهار التنمية والسلام.