مررت فى «تايم لاين» الفيس بوك على أغنية مُخلّقة بالذكاء الاصطناعى. كانت بلاستيكية باهتة؛ لكنها أثارت فضولى.
ذهبتُ للصفحة الناشرة، وتنقّلت بين تجارب شبيهة، وعلى قدر ما يتجلّى الاصطناع؛ فإنه يثير القلق بشأن المستقبل.
أتحدث عن حالةٍ أفصح صاحبها عن الخلفية الرقمية للمُنتَج، وما تزال الأدوات أقل تطوّرًا، بما لا يكفى لتغييب الأصل وتحقيق الإيهام الكامل.
بينما تختلف المسألة بدرجة أكبر مع النصوص المقروءة، وسيتصاعد الخلاف فى كل الأشكال وصُوَر المحتوى، بمرور الزمن وتحسُّن الحوسبة.
ما زلتُ أكتشف المواد المكتوبة عبر النماذج اللغوية، وتزداد فاعلية قدرتى مع من أعرفهم بشكل خاص؛ إذ لا تتناسب أعمالهم مع خلفياتهم ومعارفهم.
كما لا يُعقَل أن ينام المرء جاهلاً بالمرفوع والمجرور؛ ليصحو بعمامة سيبويه ونحويِّى البصرة والكوفة معًا!
أصبح الذكاء الاصطناعى زميلاً فى غرف الأخبار، وعلى منصات التواصل الاجتماعى. قليلون يقولون، والأكثرية تحتال.
وسيتضاعف حضوره قطعًا، ولا سبيل للاستزادة من منافعه، واتقاء شروره؛ إلا باستيعابه وتنظيم العلاقة معه على أسسٍ واضحة، وبما لا يُذيب الحدود تماما بين الآلى والإنسانى.
لا يستطيع أحدٌ أن يقف أمام الطوفان، فضلا على التوهم بإمكانية أن يمنعه من البداية. إنما القصد أن نضع أطرا واضحة للاقتراب والابتعداد، ولنسبة الأشياء إلى أصلها الحقيقى.
وذلك؛ مع ضرورة التوصل إلى رؤية ناضجة بشأن التقنية الجديدة، من محصول النظر الحاد والبحث العميق، وبما يستفيد بالمتاح كله؛ ليقترب من المأمول، بدون أن يهدر الممكن.
والأصل فى الابتكار أن يحل المشكلات، ويحسن الأحوال، وأن يكون لخدمة الناس فى الحال والاستقبال، لا أن يجور على وجودهم الراهن، أو يهدد بتنحيتهم تماما فى المدى المنظور.
وبوصف الذكاء الاصطناعى أداة؛ فقد وُجِد لنستعمله لا ليستعملنا. بمعنى أن ييسر العسير علينا، ولا يسلبنا اليسير الذى نحسنه ويتعين أن نجوّد مقدرتنا فيه.
وعليه؛ فالفاعلية يجب ألا تقاس بمقدار ما يمكن أن يشطبه من مهام البشر، بل بما يضيفه لهم من معارف، ويعززه فيهم من طاقات. أى أن يكون معاونا وظهيرا، لا بديلا أو قائدا.
فى غضون سنوات قليلة أصبحت البرمجيات تصنع الكثير، وستتمكن فى القريب من أمور أكثر، وإن امتد الخط على استقامته؛ فلن يتعذر عليها شىء.
والبحث هنا ليس فيما تفعله اليوم، ونخشاه منها غدا؛ إنما فيما نستخدمها فيه الآن ولاحقا، وما لن نقبل مطلقا بالتخلى عنه لها، وسنعض عليه بالنواجذ، ونستبقيه لأجل البصمة الآدمية الحيّة بما فيها من حُسن وعوار.
وليس الكلام عن أتمتة المهام العادية، وما يُمكن أن يُنجَز بسرعة ويُسر وتكلفة ضئيلة من المهام، مثل البحث وجمع المعلومات وإدخال البيانات والتدقيق اللغوى والمحاسبة وغيرها؛ إنما عن الإبداعى وما يتطلّب اشتغالاً عقليًّا، ويُميّز البشر عن الآلات.
الإنسانية أثمن ما لدينا، وأهم ما يجب أن نُحافظ عليه ولا نتخلّى عنه. وإنما تتجلّى فى مصفوفة من القدرات والمهارات: التفكير والتدبر، الابتكار والإبداع، والرأى والنزعة النقدية.
ما يفرض أن تظلّ المهن ذات الطابع الخاص بمنأى عن تغوّل الآليين قدر الإمكان، سواء بإعلاء حاجز فاصلٍ بين البرمجيات وبعض المهام، أو بالإلزام الصارم بالإفصاح والإحالة إلى المصدر، دون الخلط بين البشرى الخالص، والرقمى الكامل، وما بينهما من مُنتجات هجينة.
ويجب أن تُنظّم المسألة بتشريع أو إجراءات تنفيذية واضحة، لا تمنع الاعتماد على المُستحدثات؛ إنما تُجبر على ذكر الاستعانة بها صراحة، ونطاقها ونسبتها، والمعلومات الكافية لتقدير الأثر تقريبيا. على أن يُنَص على عقوبات أو غرامات؛ حال الإخفاء أو الإنكار والتدليس.
والباعث على ذلك؛ أن يكون التصريح قيدًا على التمادى فى الاستسهال وتوليد النصوص رقميًّا، لصالح إزاحة اللمسة البشرية تمامًا لصالح النماذج اللغوية.
ثم أن يُوضح للمُتلقى أنه يستهلك مُنتجًا من أخلاط النصوص السابقة؛ لا من مشاهدة حيّة أو تجربة تخص صاحبها على التحديد.
والأهم؛ أن ذلك سيضمن أن تستمر بعض الأعمال بين الناس، ولا تخفت أو تنتهى، وأن يهتمّ مُمارسوها بمواصلة التعلّم والتحسين وصَقل المهارات، والتنافس فيما بينهم ومع جحافل الآليين ومن يتستّرون بأجسادهم المعدنية الباردة.
قرأت مؤخرا نتائج دراسة لمؤسسة «كومون سينس ميديا» الأمريكية، تعرض صورة سلبية ومُزعجة بشأن أثر الذكاء الاصطناعى على التعليم، وأخطر ما فيه أنه يمس الكفاءة العقلية، ويُقلّص الفائدة، ويُحجّم التفكير النقدى التحليلى بصورة واضحة.
وإلى ذلك؛ فالخلاصة أنه لا يساعد على التعلم، ويُعزز الاستسهال، ويُنحّى بعض مهاراتهم مع الوقت، بمنطق نظرية التطوّر، وأن ما لا يُستخدَم قد يَضمُر ويتلاشى.
إنه التمييز بين الأصالة والانتحال، وحماية اللمسة الإنسانية الطازجة، وإعلاء المُنتج الجيد على «الكيتش» المنحول، وما يتولّد عن قوالب تتشابه لدرجة التطابق، وتفتقد الروح والعاطفة.
سبق أن حدث الموقف ذاته، عندما انتقل البشر من عصر الصناعات اليدوية إلى الماكينات. تغيّرت سلسلة الإنتاج والقيمة تمامًا، وتبدّلت علاقات العمل والطبقات؛ إنما كان الفاصل واضحًا لطابعه المادى، بينما يبدو غامضًا اليوم فى المعنوى وغير الملموس.
وكما لا تتساوى قطعة منسوجة بأنامل وعرق عامل، وبخبرته العملية والفنية؛ فالنصوص أيضًا يُحكَم عليها بالمثل؛ ولو رأى غير العالمين أو الناظرون من السطح أفضلية للمُلفّق على الأصيل!
لقد فشا الأمر فى كل المجالات تقريبًا، صحفيون وروائيون ونقاد وكُتّاب رأى. نصوص مسرحية وأعمال درامية تُكتَب بالتطبيقات المُستجدّة، ودراسات نقدية ومقالات ورسائل علمية.
يحق للقارئ أن يعرف بوضوح كامل مكوّنات الطبخة التى يتناولها، ولربّ العمل أن يُكاشَف بالحقيقة، ويُقرّ ذلك أو يأباه؛ إنما لا يدفع مُقابل مُنتَج غير ما أراده، ولشخص لا يستحق الأجر الذى يتقاضاه!
عاش الإنسان يسعى للاكتمال والمثالية، ويتوهّم البعض اليوم أنهم حصّلوه بالأدوات الرقمية الخادعة؛ لكنهم مسخوا حضورهم وتنازلوا عن حضورهم الإنسانى. وعمّا قريب سيكون النقص أثمن من الكمال!
إغراء ينجذب له السطحيّون؛ كالفراشات تطير للضوء فتحترق بالنار. قدراتهم المحدودة ستتضاءل أكثر؛ إلى أن تُفقَد تمامًا، وسينزلقون فى إدمانهم إلى أن يصبح العلاج مُستحيلاً. فيما على الجانب الآخر فريق يُحافظ على آدميته؛ سيزداد حضورًا وتعلو قيمته مع الزمن.
وليس النقص المقصود أن نُخطئ فى اللغة، أو نتخلّى عن الجمال، والتجويد فيه لأبعد نقطة ممكنة. إنما أن نتقولب ونصير نُسخًا مُبتذلة عن أصلٍ باهت.
قفزت السينما إلى شخصية «السايبورج»، كإنسان مُعزّز بالآلة والتكنولوجيا. غير أن الذكاء الاصطناعى يأخذ ما لديه أصلا، ولا يمنحه ما فى الأفلام الخيالية.
الناقصون بشر لا آلات، يجتهدون فيصيبون ويُخطئون، تعلو قاماتهم مع الأيام، وتزدهر لياقتهم قبل أن تشيخ. يتحرّكون فى الزمن، ويتحرّك من خلالهم، وليسوا تماثيل من الشمع.
سيكون النقص بضاعة الإنسان الأصلية، صعبة التقليد؛ وما لا يقدر أن تبيعه التطبيقات لضحاياها الذين وُلِدوا بشرًا، واختاروا بإرادتهم الحُرّة أن يُستعبَدوا، وأن يكونوا مُجرّد روبوتات بيولوجية.