أثناء تصوير فيلم «البيه البواب»، جلس النجم الراحل أحمد زكي يستريح أمام إحدى العمارات، أثناء التجهيز لأحد المشاهد، فشاهده أحد السكان ونهره بسبب جلوسه بهذه الطريقة، ولم يكن يتصور أن يكون ذلك هو الفنان الكبير، ومن شدة تقمصه للشخصية، حرص أحمد زكي على الجلوس مع البوابين والتعايش معهم من أجل الاقتراب من الشخصية وتفاصيل عالمها، ثم ظهرت تلك الحالة بصدق واضح أمام المشاهد، ليصبح الفيلم واحدًا من أيقونات السينما المصرية في تلك الفترة.
هكذا، وبنفس النمط الذي قدمه أحمد زكي، عُرف «التقمص» بوصفه رحلة الممثل داخل عقل وجسد الشخصية، حيث يدمج الفنان مشاعره الخاصة بأبعاد الدور النفسية والاجتماعية، ليقدم أداءً صادقًا ومؤثرًا أمام المشاهد. وهي النظرية المسرحية التي ارتبطت بالمخرج الروسي قسطنطين ستانسلافسكي، الذي رأى أن على الممثل ربط مشاعره الخاصة بخبراته الحياتية لخلق حياة داخلية حقيقية للشخصية الخيالية، مؤكدًا أن التقمص ليس مجرد حفظ للنصوص، بل هو تغلغل تحت جلد الشخصية، والوصول إلى دوافعها ومشاعرها، والاستفادة من الذاكرة الشعورية في خلق الإلهام الإبداعي.
وعلى النهج نفسه، لا يزال يسير عدد قليل من الفنانين الذين يحرصون على الدخول إلى تفاصيل الشخصية والتعايش معها، وتقمص أساليب حياتها كافة، حتى وإن لم تظهر بعض تلك التفاصيل في الدور، لكنها تصبح مرجعية للممثل في تجسيد الشخصية وتقديمها بصورة أكثر صدقًا إلى الجمهور. ومن هؤلاء الفنانين النجم الكبير خالد النبوي، الذي يتميز بتعايشه الشديد مع أدواره، وتقديم كل شخصية وكأنه يقف للمرة الأولى أمام الجمهور. وعلى الرغم من كونه في العقد السادس من عمره، ووصوله إلى مرحلة من الاحتراف والخبرة والعالمية لم يصل إليها كثير من الفنانين العرب، فإنه لا يزال يحمل روحًا شابة عاشقة للفن، تتعامل معه باعتباره شغفًا، ولكن بمبدأ احترافي.
ويستعد النجم خالد النبوي هذه الأيام لتقديم مسلسل «طاهر المصري»، الذي يجسد خلال أحداثه شخصية «طاهر المصري»، في عمل يدور داخل عالم كرة القدم النسائية، من خلال قصة اجتماعية إنسانية تتشابك فيها الصراعات النفسية والعائلية.
ونشر النبوي عبر صفحته الرسمية على موقع التواصل الاجتماعي «فيس بوك» مقطع فيديو يظهر فيه أثناء استعراض مهاراته في كرة القدم، وهو ما استدعى نوعًا من النوستالجيا لدى الجمهور، إذ تذكروا شخصية «زيزو» التي قدمها في فيلم «إسماعيلية رايح جاي». وجاءت التعليقات مستعينة بمشاهد من هذا العمل الشهير، فيما رشحه آخرون لتقديم فيلم عن أسطورة كرة القدم العالمية كريستيانو رونالدو.
ونشر النبوي الفيديو الأخير معلقًا: «عشان أدرب لازم أكون بلعب». وعلى الرغم من بساطة التعليق، فإنه يحمل فلسفة تبدو حاضرة داخل تجربة خالد النبوي، وربما سار عليها منذ بداياته، بدءًا من مشاركته في فيلم «القاهرة منورة بأهلها» مع المخرج العالمي يوسف شاهين. إذ يعتمد خالد النبوي على فلسفة عميقة في «التعايش مع الشخصية»، تبدأ من البحث الداخلي وتفكيك أبعادها النفسية، وصولًا إلى ملامحها الخارجية، حيث يدرس تفاصيل الدور بعناية فائقة، ليعبر عن روح الشخصية وواقعها الإنساني بصدق واقتدار، ويبحث عن الدافع الإنساني والنفسي لكل شخصية يقدمها، بما يضمن له عدم تكرار أدواته الفنية.
وفي المقطع السابق، يبدو خالد النبوي متعايشًا بالفعل مع الدور؛ فهو لا يكتفي باستعراض مهاراته في كرة القدم، وإنما يمارس اللعبة ويقترب من مدربين حقيقيين، حتى يدخل إلى عالم شخصية «طاهر المصري»، صانعًا لها خلفية إنسانية واجتماعية ينطلق منها إلى عالم الشخصية الدرامية. حتى عندما يظهر على الشاشة، يبدو كأنه مدرب حقيقي، واقعي وصادق فيما يقدمه، وليس مجرد شخصية كاريكاتورية كما قُدمت هذه النوعية من الأدوار في أكثر من عمل سابق. وهو نمط سائد لدى النبوي في التعامل مع شخصياته؛ إذ لا يبدأ من الشكل الخارجي للشخصية، وإنما يبحث أولًا عن عالمها الداخلي، ثم يبني ملامحها الخارجية وحركتها وأدواتها وفقًا لهذا العالم.
كذلك يستلهم تفاصيل الهيئة الخارجية وأسلوب الحركة من الواقع المعاش، كما حدث في تعاونه مع أشخاص من بيئات مختلفة لاكتشاف هيبة وروح الشخصيات التاريخية أو الدينية، مثل شخصية الإمام الشافعي. فهو لا يقدم الشخصية من جانب تمثيلي فقط، بل يقرأ عن الشخصية ولها، ويتداخل مع عالمها، حتى يستطيع الولوج إلى روحها واكتساب تفاصيلها أثناء التصوير، وكأنها رحلة إلى عوالم الشخصية، وهي الرحلة نفسها الذي يقوم بها عند تقديم كل شخصية جديدة.
ودخول خالد النبوي إلى عالم الشخصية لا يقتصر على تقديمها أمام الكاميرا، فالأمر يبدو أعمق بكثير، فتجده يتعلم اللغة الأوكرانية عند تقديم شخصية «علي الحلواني» في «الديلر»، ويتعلم الفروسية من أجل تقديم شخصية «طومان باي» في «ممالك النار»، كما يجلس مع أمناء الشرطة استعدادًا لتقديم شخصية «منصور» في «يوم وليلة»، وهي فلسفة تبدو حاضرة في ذهن النبوي في أعماله، وهو ما يتوافق مع ما قاله خالد النبوي نفسه في إحدى لقاءاته التليفزيونية، حيث تحدث عن تفاصيل تقديمه شخصية أمين الشرطة «منصور الذهبي» في «يوم وليلة»، قائلًا: «قعدت معاهم جوا القسم وبرا القسم عشان أعرف بيتعاملوا مع الناس إزاي، وبسببهم ربيت شنبي في الفيلم لأن كتير منهم عنده شنب كبير».
ولعل تلك الشخصية تطلبت استعدادًا من نوع خاص، إذ كانت ابنته في الفيلم من أصحاب متلازمة داون، وقدمتها الطفلة «ميرنا». وعن تجربته معها، قال النبوي: «أول ما شوفتها كنت مرعوب، ومكنتش عارف أعمل إيه، ومكنتش عارف أتعامل معاها إزاي، وواحدة واحدة اتعودنا على بعض». وهي تجربة تكشف أن تعايش النبوي مع الشخصية لم يكن مقصورًا على ملامحها الخارجية أو طبيعة عملها، وإنما امتد إلى العلاقات الإنسانية التي تحيط بها، وطريقة تفاعلها مع العالم من حولها.
وفي كل شخصية من الأدوار سالفة الذكر وغيرها، دخل خالد النبوي إلى عالمها، وتقمصها وتعايش معها، فاكتسب روحها وتلبس تفاصيلها، لكنه أمام الكاميرا يقدمها في النهاية من وجهة نظر خالد النبوي نفسه. فرغم اختلاف أدائه بين كل تلك الأدوار، فإن الرابط الوحيد بينها أنها لا تخرج إلا من خالد النبوي، الذي استطاع أن يكتسب نهجًا ونمطًا تمثيليًا فريدًا، جعلاه صاحب مدرسة أدائية مميزة. فكل شخصية مختلفة في تفاصيلها وعالمها ودوافعها، لكن روح خالد النبوي هي التي تقدمها في النهاية.
وهو ما فسره النبوي نفسه حين تحدث عن تقديم شخصية السلطان المملوكي «طومان باي» في «ممالك النار»، وكيف استعد لها، وما إذا كان يستفيد من تجاربه السابقة أو من تجارب نجوم آخرين عند التحضير للشخصية. وأوضح أنه لم يكتفِ بقراءة سيناريو المسلسل، وإنما عمل على قراءة كل ما يتعلق بالشخصية والفترة الزمنية التي يتناولها العمل، من خلال ما كتبه كبار المؤرخين والكتاب. وأشار إلى أن مشهد إعدام طومان باي كان من أصعب مشاهد «ممالك النار»، كما تحدث عن تأثره بتجربة الفنان المصري العالمي الراحل عمر الشريف، مؤكدًا في الوقت نفسه أنه لم يسر على خطاه، ولا يفكر في الهجرة، كما أعرب عن فخره بالإشادات التي نالها في الولايات المتحدة بعد تجسيده شخصية الرئيس الراحل أنور السادات على المسرح.
وفي النهاية، يبقى خالد النبوي واحدًا من الفنانين القلائل في الوقت الراهن الذين يمتلكون قدرًا كبيرًا من الثقافة والوعي، فهو ممثل صاحب أيديولوجية فنية خاصة، كوّنها من تجارب حياتية واسعة، ومن علاقات وصداقات جمعته بكبار رموز الثقافة المصرية، مثل الحكّاء الكبير خيري شلبي، والكاتب الكبير لويس جريس. ومن هذه الثقافة استطاع أن يكون من أكثر فناني جيله صدقًا في تقديم أدواره، وأكثرهم حفاظًا على نجوميته؛ فحتى عندما يبتعد لبعض الوقت، يبدو أنه يستثمر هذه الفترة في دراسة السوق وأذواق الجمهور، وحين يدخل إلى دور جديد، يبحث عما هو مختلف، راغبًا في تقديم شيء جديد، وترك بصمة أخرى لدى الجمهور.