مرثا محروس

عفوا الرقم الذى تحاول الاتصال به.. لا أملكه

الأحد، 09 أغسطس 2026 05:28 م


قد يبدو الأمر في البداية مجرد مفاجأة بسيطة: يدخل المواطن إلى خدمة الاستعلام عن خطوط المحمول المسجلة باسمه، فيكتشف أن هناك رقمًا أو أكثر مسجلين باسمه ، رغم أنه لم يشترِ هذه الخطوط، ولم يستخدمها، وربما لم يسمع بها من قبل.

لكن الحقيقة أن الأمر أكبر بكثير من مجرد «خط محمول مجهول».

إن وجود خطوط اتصالات مسجلة باسم شخص دون علمه يفتح الباب أمام سؤال أكثر خطورة: كيف وصلت بيانات المواطن إلى هذا الخط؟ ومن المسؤول عن تسجيله؟ وكيف يمكن أن يُستخدم رقم مسجل قانونيًا باسم شخص لم يطلبه أصلًا؟.

القضية هنا ليست فقط قضية اتصالات، وإنما قضية حماية بيانات شخصية ومسؤولية قانونية وأمن رقمي.

لماذا يمثل الأمر مشكلة حقيقية؟

رقم الهاتف المحمول أصبح اليوم مرتبطًا بعدد كبير من الخدمات الرقمية. فهو قد يكون مرتبطًا بحسابات إلكترونية، وخدمات بنكية، ومحافظ إلكترونية، وتطبيقات، وخدمات حكومية، وحسابات على منصات التواصل الاجتماعي.

ومن هنا، فإن اكتشاف المواطن لخطوط لم يتعاقد عليها يطرح سؤالًا مشروعًا: إذا كان الحضور الشخصي والتوقيع جزءًا من إجراءات التعاقد، فكيف تم تسجيل هذه الخطوط باسمه؟

المشكلة تبدأ عندما يجد المواطن خطًا لا يعرفه أو لم يتعاقد عليه.
وهنا يجب ألا يتحول المواطن من صاحب حق إلى شخص مطالب بإثبات أنه لم يفعل شيئًا.

الأصل أن تكون منظومة التعاقد قادرة على إثبات من تعاقد، ومتى تعاقد، وأين تم التعاقد، وما المستندات التي استُخدمت، ومن الموظف أو منفذ البيع الذي قام بالإجراء.

والأمر ليس افتراضًا نظريًا بالكامل؛ فقد أعلن الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات في إحدى حملات الضبط عن ضبط شرائح محمول كانت تُباع خارج منافذ البيع المعتمدة، إلى جانب صور لبطاقات رقم قومي وعقود بيع وتفعيل شرائح مسجلة ببيانات عملاء.

وهذا يؤكد أن حوكمة عملية بيع وتفعيل الخطوط ليست رفاهية، وإنما ضرورة لحماية المواطنين والسوق معًا.

المواطن يستطيع أن يعرف.. لكن هل يستطيع أن يعرف بسهولة؟

من الخطوات المهمة التي اتخذها الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات إتاحة خدمة «أرقامي» عبر تطبيق My NTRA، والتي تمكن المواطن من معرفة عدد الخطوط المسجلة باسمه لدى شركات المحمول باستخدام الرقم القومي، دون الحاجة إلى الذهاب إلى فروع الشركات لمجرد الاستعلام.

وهذه خطوة مهمة جدًا، لأنها تنقل المواطن من مرحلة «لا أعرف» إلى مرحلة «أستطيع أن أتحقق».

لكن التحدي الحقيقي يبدأ بعد اكتشاف الخط غير المعروف.

المعالجة لا يجب أن تقتصر على مطالبة المواطن بالذهاب إلى الفرع وإلغاء الخط.
نحن نحتاج إلى منظومة تجعل اكتشاف الخط غير المعلوم بداية للتحقيق، وليس نهاية المشكلة.

يجب أن تكون هناك آلية واضحة لمساءلة منفذ البيع إذا ثبت تسجيل خط دون اتباع الإجراءات القانونية.

نحتاج إلى «إشعار فوري» وليس اكتشافًا متأخرًا

من أهم المقترحات التي يمكن أن تطور المنظومة أن يتلقى المواطن إشعارًا فوريًا عند تسجيل خط جديد باستخدام رقمه القومي.

فكما تصل الرسائل عند تنفيذ كثير من المعاملات المالية، من المنطقي أن يعرف المواطن فورًا أن هناك خطًا جديدًا تم تسجيله باسمه.

هذه الخطوة وحدها يمكن أن تقلل بصورة كبيرة من الفترة الزمنية بين حدوث المخالفة واكتشافها.

كما يمكن التفكير في تطوير خدمة «أرقامي» لتتيح للمواطن، إلى جانب معرفة الخطوط المسجلة باسمه، تقديم اعتراض رقمي مباشر على أي خط غير معروف، مع رقم متابعة للشكوى.

وفي الوقت نفسه، لا يمكن أن تتحول مسؤولية حماية المواطن إلى مسؤولية المواطن وحده.

فالمنظومة بأكملها يجب أن تكون مصممة بحيث تقلل فرص إساءة استخدام البيانات حتى لو وصلت صورة من بطاقة المواطن إلى جهة غير مصرح لها.

لا ينبغي أن يستمر أي خط يثبت أن صاحبه ينكر ملكيته له، بعد التحقق من عدم وجود تعاقد صحيح، وألا يتحمل المواطن تبعات خط لم يطلبه.
والأهم من ذلك أن تكون نسبة الاستجابة للشكاوى وسرعة إغلاقها ومحاسبة المخالفين مؤشرات أداء معلنة وقابلة للقياس.

القضية أكبر من «خط مجهول»

في عصر التحول الرقمي، حماية رقم الهاتف أصبحت جزءًا من حماية الهوية الرقمية للمواطن.

ولهذا فإن مواجهة ظاهرة الخطوط المسجلة دون علم أصحابها يجب أن تقوم على ثلاثة محاور متوازية:

أولًا: الوقاية
بتشديد الرقابة على منافذ البيع، والتأكد من الحضور الشخصي والتعاقد الصحيح، ومنع أي تلاعب في بيانات المواطنين.

ثانيًا: الاكتشاف المبكر
من خلال تطوير خدمات الاستعلام والإشعارات الفورية للمواطن عند تسجيل أي خط جديد باسمه.

ثالثًا: المعالجة والمساءلة
بحيث يتم إلغاء أو تصحيح الخط غير المملوك بسرعة، والتحقق من كيفية تسجيله، ومحاسبة أي منفذ أو شخص تثبت مخالفته.

رابعأ: اخطار المواطن فور تسجيل خط جديد باسمه برسالة نصية فورية لتفادى الأمر مستقبلا .

المواطن لا يجب أن يعيش وهو يسأل: «هل هناك خط محمول باسمي لا أعرفه؟»

بل يجب أن تكون الإجابة بسيطة وواضحة: بياناتي ملكي، وأعرف متى وكيف وأين تُستخدم.
وفي النهاية..
فإن حماية المواطن الرقمية ولا تبدأ عندما تقع المشكلة، وإنما تبدا من تصميم منظومة تمنع وقوعها من الأساس.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة