شحاتة زكريا

حين تصبح المهارة أهم من الشهادة

الأحد، 09 أغسطس 2026 08:16 ص


كان يكفي في زمن مضى أن يحمل الشاب شهادة جامعية ليشعر أن نصف الطريق قد قطع. أما اليوم فقد تغير السؤال وتغيرت معه قواعد اللعبة: لم يعد المهم فقط ماذا درست وإنما ماذا تستطيع أن تفعل بما درست؟ هذه ليست دعوة للتقليل من قيمة التعليم ولا انتصارا للمهارة على حساب الشهادة وإنما محاولة لفهم عالم يتغير أمام أعيننا. عالم لم تعد فيه سنوات الدراسة وحدها ضمانا لمستقبل آمن ولم يعد فيه الحصول على مؤهل نهاية الرحلة بل ربما أصبح بداية الاختبار الحقيقي...سوق العمل الجديد لا ينتظر أحدا.


التكنولوجيا تتقدم والذكاء الاصطناعي يدخل إلى مهن كثيرة وطبيعة الوظائف نفسها تتبدل. مهنة تختفي تدريجيا وأخرى تولد ووظيفة كانت تحتاج إلى عشرة أشخاص قد تنجزها اليوم أدوات أكثر سرعة ودقة ، بينما تظهر في المقابل وظائف لم تكن موجودة أصلا قبل سنوات قليلة.. وفي قلب هذا التحول يقف الشباب أمام سؤال صعب: هل ما تعلمناه يكفي لما ينتظرنا؟ الإجابة الصادقة: ليس دائما.


المشكلة ليست أن جامعاتنا تخرّطج أعدادا كبيرة وإنما أن هناك أحيانا مسافة واسعة بين ما يتعلمه الطالب وبين ما يحتاجه الواقع. قد يخرج الشاب حافظا للمعلومات لكنه لا يعرف كيف يستخدمها. وقد يحمل مؤهلا جيدا لكنه يفتقد مهارة التواصل أو العمل الجماعي أو التعامل مع التكنولوجيا أو حل المشكلات.. وهنا تظهر قيمة المهارة.


المعرفة تمنحك الأدوات لكن المهارة تعلمك كيف تستخدمها.
وهذا هو التغيير الذي يجب أن نفهمه قبل أن نفرض على أبنائنا طريقا واحدا للنجاح.. لسنوات طويلة اعتاد المجتمع أن يقيس نجاح أبنائه بعدد الشهادات وأسماء الكليات. أصبح بعض الأسر يتعامل مع اختيار التخصص باعتباره سباقا اجتماعيا أكثر منه قرارا يتعلق بقدرات الابن واحتياجات المستقبل.. لكن الحقيقة أن المجتمع لا يحتاج إلى أطباء ومهندسين وموظفين فقط. يحتاج أيضا إلى فني ماهر ومبرمج مبدع وحرفي متقن ومتخصص في الطاقة وخبير في التكنولوجيا وعامل يعرف قيمة ما يصنعه.

العمل الشريف لا يصبح أقل قيمة لأن صاحبه لا يحمل لقبا كبيرا بل إن اقتصاد الدول لا يبنى بالمكاتب وحدها. المصانع تحتاج إلى الأيدي الماهرة والمشروعات تحتاج إلى الفنيين والتكنولوجيا تحتاج إلى عقول تعرف كيف تحول الفكرة إلى منتج وسوق العمل يحتاج إلى إنسان يستطيع أن يقدم شيئا حقيقيا.. ومن هنا يجب أن يتغير نظرنا إلى التعليم الفني والتدريب المهني.. ليس من العدل أن نعامل التعليم الفني باعتباره طريقا اضطراريا لمن لم يحصل على مجموع يؤهله للجامعة. هذه النظرة القديمة لا تتناسب مع عالم يبحث عن المهارة والإنتاج.. نحتاج إلى أن نقول لأبنائنا بوضوح: ليست قيمة الإنسان في اسم الكلية التي تخرج فيها وإنما في قيمة ما يقدمه بعد التخرج.. لكن المسؤولية لا تقع على الشباب وحدهم.. فالجامعة مطالبة بأن تقترب أكثر من سوق العمل والشركات مطالبة بأن تفتح أبواب التدريب الحقيقي والدولة مطالبة بأن تجعل بناء المهارات جزءا أساسيا من سياسات التعليم والتشغيل.. ولا يمكن أن نطلب من شاب حديث التخرج أن يمتلك خبرة سنوات ثم نغلق أمامه أبواب التجربة.. كيف سيكتسب الخبرة إذا لم نعطه فرصة؟
وكيف نطالبه بالإبداع إذا كانت أول وظيفة يدخل إليها تضعه في خانة الموظف الذي ينفذ فقط؟ الشاب يحتاج إلى بيئة تعلمه، وتدربه، وتسمح له بالخطأ والتجربة ثم تحاسبه على قدرته على التطور.. وفي المقابل على الشباب أنفسهم أن يدركوا أن زمن انتظار الوظيفة بالشهادة فقط يتراجع.


لم يعد كافيا أن يقول الشاب: نا خريج كذا.. السؤال الأهم أصبح: ماذا تعرف؟ ماذا تستطيع؟ وما الذي يمكنك أن تتعلمه غدا وهنا تأتي واحدة من أهم مهارات المستقبل: القدرة على التعلم المستمر. فالإنسان الذي يعرف كيف يتعلم يستطيع أن يواكب التغيير حتى لو تغيرت وظيفته. أما من يكتفي بما تعلمه في الجامعة فقد يجد نفسه بعد سنوات أمام سوق عمل جديد لا يعرف كيف يتعامل معه.. والذكاء الاصطناعي جعل هذه الحقيقة أكثر وضوحا.. فالمنافسة القادمة لن تكون بالضرورة بين الإنسان والآلة وإنما بين إنسان يعرف كيف يستخدم الآلة وإنسان يرفض تعلمها. التكنولوجيا يمكن أن تكون تهديدا لمن يتوقف لكنها يمكن أن تصبح فرصة هائلة لمن يتعلم.. وهنا يجب ألا نخيف أبناءنا من المستقبل بل نعدهم له.. نريد شابا يعرف لغته ويفهم تخصصه ويجيد استخدام التكنولوجيا ويعرف كيف يتواصل ويملك القدرة على التفكير النقدي ويتعلم من الخطأ ولا يخجل من تطوير نفسه.. نريد أن ننتقل من ثقافة ما هي شهادتك؟ إلى ثقافة أكثر عدلا وواقعية: ما الذي تستطيع أن تضيفه؟
فالشهادة مهمة وستظل مهمة والعلم لا يمكن الاستغناء عنه لكن الشهادة وحدها لم تعد كافية.. الشهادة قد تفتح لك الباب لكن المهارة هي التي تجعلك جديرا بالبقاء داخله.. وهذا هو التحدي الحقيقي أمام التعليم وسوق العمل والأسرة والشباب معا: أن نخرج إنسانا لا يحمل ورقة فقط وإنما يحمل قدرة.
قدرة على العمل.وقدرة على التعلم.وقدرة على التكيف.
وقدرة على صناعة الفرصة حين لا يجدها جاهزة.. فالمستقبل لن يكون للأكثر شهادات بالضرورة ولا للأكثر حديثا عن النجاح وإنما لمن يستطيع أن يحول ما تعلمه إلى قيمة وما يملكه من موهبة إلى عمل وما يواجهه من تحديات إلى فرصة.. وفي النهاية لا يسألنا المستقبل كم شهادة حملنا بل ماذا صنعنا بها.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة