في معركة الوعي، لا تكتفي جماعة الإخوان الإرهابية باختلاق الوقائع من الصفر فحسب، وإنما تتجه إلى سلاح أكثر مراوغة وهو التلاعب بالحقائق نفسها؛ تنتقي منها ما يخدم روايتها، وتحذف ما يكشف زيفها، وتعيد ترتيب تفاصيلها داخل سياق مصطنع، ثم تغلفها بالأكاذيب والشائعات، لتعيد تقديم الواقعة للمواطن في صورة مشوهة تقلب دلالتها وتطمس حقيقتها.
هذه هي لعبة «إعلام الاجتزاء» التي توظفها الجماعة في معركتها الرقمية ضد الدولة؛ إذ تبدأ العملية من صورة حقيقية أو مقطع فيديو قديم أو تصريح صادر بالفعل، ثم يجري اقتطاعه من سياقه الزمني أو المكاني أو السياسي، وإعادة تقديمه داخل رواية مصطنعة ومضللة، قبل أن تتولى شبكة من الصفحات والحسابات الخاصة باللجان الالكترونية للإخوان لإعادة نشره وتكراره، حتى يتحول المحتوى المتلاعب به إلى رواية متداولة.
ويقوم هذا الأسلوب على إعادة صياغة الواقع وتحريفه بدلًا من اختلاقه؛ فواقعة قديمة تُقدم باعتبارها حدثًا راهنًا، وصورة حقيقية تُستخدم لإسناد ادعاء لا علاقة لها به، بينما يجري حذف التفاصيل التي تكشف السياق الأصلي للواقعة وفبركة المعلومات المتداولة عنها.
ومن هنا تبدأ عملية قلب الحقائق؛ إذ لا يقتصر التلاعب على المادة المنشورة ذاتها، وإنما يمتد إلى العنوان المصاحب لها، والتعليق الذي يفسرها، والتوقيت الذي يعاد طرحها فيه، ثم طريقة توزيعها عبر الحسابات والصفحات، ويمنح ذلك الأسلوب المحتوى المضلل قدرة أكبر على التأثير، لأنه يستند في بعض الأحيان إلى مادة أصلية حقيقية جرى إخراجها من سياقها؛ ولذلك فإن كشف التلاعب لا يتوقف عند التحقق من صحة الصورة أو الفيديو أو التصريح، وإنما يتطلب العودة إلى أصل المادة، وفحص تاريخها ومكانها وسياقها الكامل، ومقارنة ما حدث بالفعل بما تحاول الرواية الجديدة إقناع المواطن بأنه حدث وهو ما يستلزم الاعتماد فيه هنا على المعلومات الرسمية من مصادرها.
تغليف المشهد بالشائعات وإعادة تركيبه
وتلجأ الإرهابية في هذه الآلية إلى إعادة تدوير المادة الأصلية فمقطع فيديو قديم يمكن تقديمه باعتباره حدثًا وقع اليوم، وصورة حقيقية يمكن ربطها بواقعة مختلفة، وتصريح صحيح يمكن اقتطاع جملة منه وإخفاء بقية الحديث، لتخرج النتيجة النهائية برسالة لم يقلها صاحب التصريح ولم تعكسها الواقعة الأصلية.
وهنا تتحول المعركة من «اختلاق الكذب» إلى إعادة تشكيل الحقيقة؛ فالمتلقي لا يرى بالضرورة مادة مزيفة، وإنما يرى مادة تم تغليفها بسياق كاذب.
«لقطة واحدة» لصناعة رواية وهمية كاملة
وتعتمد هذه الآلية على طبيعة المنصات الرقمية التي تمنح الصورة والفيديو القصير قدرة كبيرة على الانتشار، بينما لا تمنح السياق الطويل المساحة نفسها.
ويجري اختيار اللقطة الأكثر قدرة على التلاعب فيها، ثم وضع عنوان حاد عليها، وإعادة ضخها إلى المستخدمين بصورة متكررة..وهنا يتحول الاجتزاء إلى أداة لتوجيه الانتباه فيما يخدم خطابهم المضلل لنشر الشائعات وتزييف الواقع.
«إحياء القديم».. وصفة إخوانية لصناعة أزمة في الحاضر
من أكثر الأساليب التي يمكن أن يتم العمل عليها لخدمة خطاب الجماعة إعادة تدوير المحتوى القديم، خصوصًا المقاطع التي توثق أزمات أو تجمعات أو مشاهد احتجاجية.
يُعاد نشر هذه المقاطع بعناوين حديثة توحي بأنها مشاهد آنية، فتنتقل واقعة من زمنها الأصلي إلى زمن جديد، وتصبح مادة أرشيفية جزءًا من رواية عن الحاضر.
وهنا تكمن إحدى أخطر قواعد «إعلام الاجتزاء» حيث لا تحتاج إلى تزوير الفيديو إذا كان بإمكانك تزوير قصته.
من الاجتزاء وتحويل التصريحات إلى «هندسة الغضب»
الأمر نفسه ينطبق على تصريحات المسؤولين والشخصيات العامة، حيث تقوم استراتيجية الجماعة الإرهابية على انتقاء جملة واحدة من حديث مطول، ثم تداولها منفصلة عن السؤال أو الظروف التي قيلت فيها.
ولا تتوقف العملية عند نشر المحتوى، فاختيار المادة نفسها غالبًا ما يرتبط بقدرتها على إثارة مشاعر محددة: الغضب، الخوف، القلق أو فقدان الثقة.
فالمحتوى الذي يمس الأسعار أو الأمن أو الخدمات أو التعليم أو الصحة يمتلك قدرة أكبر على الانتشار، لأنه يرتبط مباشرة بحياة المواطنين، وعندما يجري تقديم مادة مجتزأة في هذه الملفات لتضخيمها وربطها بادعاءات زائفة، وترديد الشائعات والأكاذيب عنها مستهدفة زعزعة الثقة في مؤسسات الدولة وإشعال الفتن والفوضى.
وبعد إنتاج الرواية، تأتي مرحلة التكرار، تقوم حسابات وصفحات متعددة تابعة للجان الالكترونية للإخوان بإعادة نشر المادة نفسها، أو تداولها بعناوين مختلفة، أو التعليق عليها بما يدعم الرواية المطروحة، فتبدو أمام المستخدم وكأنها قصة تتحدث عنها أعداد كبيرة من الناس.
الذكاء الاصطناعي.. عندما يختلط الحقيقي بالمصطنع
يزداد تحايل الجماعة مع أدوات الذكاء الاصطناعي التي أتاحت إمكانات متقدمة لتعديل الصور والصوت والفيديو وإنتاج مواد تبدو واقعية.
وفي هذه الحالة، يمكن أن تبدأ العملية بمادة حقيقية ثم يجري تعديل جزء منها أو دمجها مع محتوى مصطنع لتحريفها وإخراجها عن سياقها، بتقديم رواية يصعب على المتلقي العادي اكتشاف تفاصيل التلاعب بها.
ضرب الثقة قبل ضرب المؤسسات
وتهدف الجماعة الإرهابية في هذه الممارسات إلى التشكيك المستمر، وهنا تصبح المعركة على الثقة هي الثقة على المؤسسات، في الإعلام، وفي المعلومات الرسمية، وفي قدرة المواطن على التمييز بين الواقعة الحقيقية والرواية المصاحبة لها.
لذلك فإن مواجهة «إعلام الاجتزاء» يستند في مواجهته بقوة إلى وعي المواطن في المقام الأول من خلال الاعتماد على المعلومات الرسمية من مصادرها، والمعرفة بكيفية كشف طريقة صناعتها منذ البداية من خلال إعادة المعلومة إلى سياقها الأصلي، وتوضيح تاريخ الصور والفيديوهات، للتبين من حقيقة التصريحات كاملة، والمواد التي يجري تداولها خارج سياقها.