من السهل جدًا أن ينتهي المطاف بأي دعوة رسمية تتناول "سلوكيات المواطنين على منصات التواصل الاجتماعي" إلى واحد من مسارين أحاديين: إما الترحيب الشكلي المحافظ الذي يراها خطوة حتمية لحماية قيم المجتمع، أو التوجس التلقائي الذي يرى في كلمة "الأمان" غطاءً مُستترًا للحد من حرية التعبير، لكن النفاذ إلى جوهر البيان الأخير الصادر عن وزارة الدولة للإعلام، وما سبقه من اجتماعات لمجلس الوزراء لبحث أطر التعامل مع المخاطر الرقمية، يتطلب منا خروجًا صريحًا من هذه الثنائية الحادة والتقليدية.
في تقديري، إن السؤال الحقيقي الذي تجب مواجهته اليوم ليس: "هل تتدخل الدولة في الفضاء الرقمي؟"، بل: "كيف يتحول مجتمع يضم عشرات الملايين من مستخدمي المنصات الرقمية من مجرد كتلة استهلاكية تُنتج الضجيج والترندات العابرة، إلى قوة رقمية واعية تُشكل حائط صد أخلاقي وثقافي، وتصنع قوة ناعمة حقيقية للوطن؟".
حين يتحدث البيان عن أن الحضور الرقمي المصري يمثل "رصيدًا وطنيًا غاليًا"، فهو يضع اليد على حقيقة لا يمكن إنكارها. المصريون هم صناع المزاج العام الاجتماعي والترفيهي في المنطقة؛ نكتة واحدة، أو مقطع فيديو يتضمن موهبة عفوية من أقصى الصعيد أو دلتا مصر، قادرة على طواف العالم العربي في ساعات. هذا التواجد الواسع رصيد لا يُقدر بمال. لكن السؤال الأصعب الذي يبرز هنا: هل كل حضور واسع هو بالضرورة "قوة تأكيدية"؟
الواقع يخبرنا أن التواجد بلا وعي قد يتحول إلى عبء؛ فالتحول الشديد نحو السباق المارثوني لحصد "الفرقعة" وتجميع الإعجابات (Likes) أفرز ظواهر مسيئة تمس العصب الأساسي للمجتمع. نحن لا نتحدث هنا عن "حريات التعبير"؛ فالنقد السياسي والاجتماعي الحاد، واختلاف الآراء حول السياسات والقرارات، هي ممارسات صحية ودستورية ومكفولة بالنص والروح. إن المخاطر الحقيقية التي باتت تؤرق كل بيت مصري تكمن في مساحات أخرى تمامًا: إنها ابتزاز المراهقين، والشهوة المرضية لانتهاك حرمة الحياة الخاصة، ونشر وتداول مقاطع صُوّرت دون علم أصحابها، والتشهير بالذمم، وتلفيق التهم عبر تقنيات التزييف العميق (Deepfake)، والتنمر الذي قاد بعض الضحايا إلى أزمات نفسية متفاقمة.
وهنا تحديدًا تكمن أهمية تفكيك الفكرة: "الأمن الرقمي" ليس مفهوماً أمنياً بالمعنى الشرطي الضيق، بل هو "أمن إنساني واجتماعي". أن تكون آمنًا يعني أن تطمئن إلى أن صورتك الشخصية لن تُقتطع من سياقها لتصبح أداة للسخرية، وأن ابنتك لن تتعرض للابتزاز الرقمي، وأن حقك في الخصوصية لا يُستباح لمجرد أن أحدهم يملك هاتفاً به كاميرة وحساباً مجانياً.
لكن المسألة ليست بهذه البساطة؛ إذ لا يمكن لبناء هذا "الفضاء الآمن" أن يكون مهمة حكومية فردية. الدولة، عبر أجهزتها التشريعية والقضائية وقوانينها — مثل قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات وحماية البيانات الشخصية — تملك سلطة ردع الجريمة بعد وقوعها. إلا أن الوقاية وبناء الفضاء الصحي يتطلبان شراكة مجتمعية تتكامل فيها الأدوار:
1. صنّاع المحتوى والمؤثرون: عليهم أن يدركوا أن سعة الانتشار يرافقها قدرٌ مساوٍ من المسؤولية الأخلاقية، وأن التكسب على حساب كشف تفاصيل الأسرار العائلية أو اختلاق الشائعات هو إفلاس أخلاقي قبل أن يكون مخالفة قانونية.
2. المستخدم العادي: إن الامتناع عن إعادة نشر المحتوى المسيء — حتى لو كان بهدف الشجب والإدانة — هو أولى خطوات حصر الضرر. فـ "المشاركة" هي الشريان الذي يغذي الانتهاك.
3. التربية الإعلامية في المدارس والجامعات: التوعية الرقمية يجب أن تصبح مادة أساسية في المناهج، تُعلم الأطفال منذ الصغر كيفية التحقق من المصادر، وحماية بياناتهم، واحترام خصوصية غيرهم.
4. الأسرة: المراقبة الواعية من الآباء لنمط استهلاك أبنائهم، وحمايتهم من الوقوع ضحايا للاحتيال أو الابتزاز.
5. إدارة المنصات العالمية: يقع على عاتق الدولة فتح قنوات تفاوض وتنظيم قانوني صارم مع شركات التكنولوجيا الكبرى لإجبارها على احترام الخصوصية الإقليمية والتفاعل السريع مع بلاغات الكراهية والابتزاز باللغة العربية.
6. المؤسسات الثقافية والإعلامية: بإنتاج محتوى جذاب يُنافس الابتذال، بدلاً من اكتفاء هذه المؤسسات بالوعظ التقليدي الذي لا يقرؤه ولا يشاهده أبناء هذا الجيل.
ربما تكون النقطة الأهم التي يجب التركيز عليها هي التمييز الصارم بين "ضبط الفضاء الرقمي" و"تقييد الحرية". فالمجتمع القوي لا يخاف من الاختلاف، وحرية الرأي والنقد يجب أن تظل خطاً أحمر لا يُقترب منه تحت أي ذريعة تنظيمية. لكن الحقيقة التي يجب أن يعيها الجميع هي أن أكبر عدو لحرية التعبير هو التعدي على حرية الآخرين وكرامتهم؛ فالقذف والتشهير والابتزاز ليست آراءً ليُدفع عنها، بل هي جرائم صريحة يترفع عنها أي فضاء رقمي متحضر.
إن القوة الناعمة الحقيقية لمصر في العصر الرقمي لن تُبنى بالدعاية الرسمية المباشرة، بل بسيادة حالة من الوعي الجمعي؛ حالة تجعل من كل حساب مصري مساحة للتعبير المسؤول، والإبداع، والحوار الرفيع. حينئذٍ فقط، يتحول الحضور الرقمي إلى طاقة بناء قومية، ونموذج إقليمي يُحتذى به في التوازن بين حرية الفرد وأمان المجتمع.