شهدنا قبل أيام المشاهد الحافلة التي استُقبل بها النجم المصري محمد صلاح في تركيا، وهي مشاهد تتجاوز كونها حدثا رياضيا عابرا لتشكل دلالة ثقافية وسياسية بعيدة المدى.
يقدم صلاح نموذجا حيا للقوة الناعمة التي تتجاوز التأثير المحلي، فصلاح يتعدى دوره كونه مجرد لاعب كرة قدم محترف، إلى اعتباره رمزا يعيد تعريف الصورة الذهنية للمصري في المحافل الدولية، ويتطلب هذا التأثير الاستثنائي قراءة مختلفة تنظر إلى هذه الكفاءات باعتبارها ركائز أساسية للدولة، وتوجب إعادة ربطها بالوطن بشكل أكثر عمقا واستدامة، عبر مشاركتهم المباشرة في الظهور الإعلامي والحملات التوعوية والدعائية القومية، كما حدث سابقا في حملات مكافحة الإدمان والمخدرات التي اشترك فيها صلاح والتي حققت نسب تجاوب وتأثير غير مسبوقة.
إن صلاح هو واحد من هذه النماذج التي لم تكن مجرد نجاحات فردية في المهجر، ولا هي مجرد نجاحات نادرة أو حالات فريدة، لكنها تكرار يحدث في كل المجالات تقريبا بدرجات متفاوتة، وهي جميعها حالات يجب استغلالها سياسيا ودعائيا لتعزيز حضور اسم مصر في دوائر القرار العالمية، وهي النماذج التي تتكرر في مجالات كثيرة علمية وفنية ورياضية، والتي قد لا نعرف عنها إلا ما تيسر من التغطيات الإعلامية حسب ظروف الشهرة والذيوع والانتشار.
لكن الربط بين هذه النماذج، على اختلاف مجالها، يوصلنا إلى حقيقة واحدة، وهي أن الهوية المصرية حين تملك المكون الثقافي والوعي الصلب، تخرج من بين أبنائها سفراء فوق العادة قادرين على الاختراق والتأثير في مجتمعات أخرى، وهنا تقع المسئولية المباشرة على وزارات التعليم والثقافة والشباب، إذ يجب أن تتحول الاستراتيجيات التعليمية والثقافية إلى مشروع قومي يستهدف بناء الإنسان المصري، وتعميق انتمائه وتأهيله ليكون رصيدا وطنيا أينما حل.
تتحرك الشعوب وتُبنى الأمم ليس فقط بما تملكه من بنية تحتية أو مقدرات مادية فحسب، لكنها تتحرك أصلا بما تنتجه من رأس مال بشري يعبر حدودها الجغرافية ليصنع أثرا عابرا للثقافات.
إن المفهوم الحقيقي للقوة الناعمة يستوجب استغلال كل الكفاءات النادرة والناجحة خارج مصر، وجعل "صناعة الإنسان" هو المشروع ذا الأولوية القصوى، فالثقافة ليست ترفا، والهوية ليس مجرد شعار، ويبقى كليهما المحرك الأساسي لاستثمار العقول وتأكيد الهوية الوطنية على خريطة العالم.