صلاح الجنيدي

قالها ابني... ثم سكتُّ

الجمعة، 07 أغسطس 2026 12:00 ص


هناك كلمات تُقال، ثم تمضي مع الريح...

وهناك كلمات تُقال، فتظل تتردد في أعماقك، كأنها لم تكن صوتًا خرج من فم قائلها، بل سؤالًا خرج من قلب الحياة نفسها.
كان ذلك اليوم.
جلست مع ابني الأصغر، المهندس أمير، نتبادل حديثًا هادئًا عن الناس، وعن تبدل طبائعهم، وعن تلك القسوة التي تسللت إلى بعض النفوس، حتى أصبح كثيرون لا يرون في حسن الخلق إلا ضعفًا، ولا يفسرون الاحترام إلا على أنه تنازل، ولا يفهمون التواضع إلا باعتباره قابلية للاستغلال.
وفجأة...
نظر إليَّ، وقال في هدوء:
"مشكلتنا... هي التواضع."
ساد بيننا صمت قصير...
لكنه فتح في داخلي أبوابًا واسعة من التأمل.
لم أشأ أن أجيبه.
ليس لأنني لم أملك جوابًا، بل لأن بعض الكلمات لا تحتاج إلى رد، وإنما تحتاج إلى رحلة.
وظلت عبارته ترافقني طوال اليوم...
حتى وجدتني أسأل نفسي:
أحقًا أصبح التواضع مشكلة؟
أليس هو الخلق الذي ربَّى الله عليه أنبياءه؟
أليس هو زينة العلماء، وسمة الحكماء، وعنوان النفوس التي بلغت من الثقة بنفسها أنها لم تعد بحاجة إلى التعالي على أحد؟
فمتى اختلت الموازين حتى صار بعض الناس لا يحترمون إلا الغليظ، ولا يهابون إلا المتكبر، ولا يوقرون إلا من يرفع صوته؟
لقد علمتني الحياة، قبل أن تعلمني الكتب، أن الرجال لا تكبر بمناصبها، ولا بأموالها، ولا بما يسبق أسماءها من ألقاب.
كبرت في عيني رجالٌ لأنهم كانوا متواضعين.
وصغر في عيني آخرون لأنهم ظنوا أن الكبر يزيدهم قامة.
ورأيت، مع مرور السنين، أن السنابل الممتلئة تنحني، وأن الغصون المثمرة تميل، وأن البحر كلما ازداد عمقًا ازداد هدوءًا.
ولم أرَ في حياتي شجرةً أثقلها الثمر، فارتفعت على الأشجار.
بل كانت تنحني في صمت...
وكأن الطبيعة كلها تهمس لنا:
إن الامتلاء الحقيقي يولد التواضع، لا الغرور.
ولذلك لم يكن غريبًا أن يكون التواضع خُلُق الأنبياء.
فقد وصف الله عباده الصالحين بقوله:
﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾.
ولم يقل: هوانًا.
بين الكلمتين فرق تصنعه العقيدة.
الهون وقار، وسكينة، وثقة.
أما الهوان فذل، والإسلام لم يدعُ إليه يومًا.
ونهى سبحانه عن الكبر، لأن المتكبر لا يرتفع على الناس، بل يحاول أن يخفي نقصًا في داخله.
أما الواثق بنفسه، فلا يحتاج إلى أن يقف على أكتاف الآخرين ليبدو أطول منهم.
ورسول الله ﷺ، وهو سيد ولد آدم، لم يحتج يومًا إلى الكبر ليعرف الناس قدره.
كان عظيمًا لأنه كان متواضعًا.
وكان قريبًا من الناس لأنه كان قريبًا من الله.
وهكذا تكون العظمة.
لكن الذي يحزنني أن بعض الناس لم يعودوا يقرأون الأخلاق بلغتها الصحيحة.
أصبح الأدب عندهم ضعفًا.
والحلم عجزًا.
والحياء ترددًا.
والتواضع هزيمة.
وهنا لا تكون المشكلة في الأخلاق...
بل في العيون التي تنظر إليها.
إن من لا يعرف قيمة الجواهر، قد يظنها حجارة.
ولا يضير الجواهر أن يجهلها الجاهلون.
لقد تعلمنا في بيوتنا أن التواضع لا يناقض الكرامة.
بل إن الكرامة هي التي تحفظ التواضع من أن يتحول إلى هوان.
وأن الإنسان يستطيع أن يخفض جناحه للناس، دون أن يخفض هامته لأحد.
وأن يعفو، دون أن يفرط في حقه.
وأن يحترم الجميع، دون أن يسمح لأحد أن يمس كرامته.
هذه هي المعادلة التي يصعب على كثيرين فهمها.
تواضعٌ بلا مهانة... وعزةٌ بلا كبر.
ولعلها من أجمل ما علمتنا إياه الرسالات السماوية.
وبعد رحلة طويلة مع تلك العبارة القصيرة، أدركت أن ابني لم يكن يعترض على التواضع...
بل كان يتألم من زمنٍ أساء فهم التواضع.
وكان السؤال الحقيقي ليس:
هل نغيِّر أخلاقنا؟
بل:
هل يجوز أن نتخلى عن خُلُقٍ كان سمة الأنبياء، لأن بعض الناس لم يعودوا يحسنون قراءته؟
وكان الجواب في أعماقي واضحًا...
لا.
فإذا خسر الإنسان خُلُقه، فما الذي يبقى له؟
إلى ابني الحبيب... المهندس أمير
لقد قلت لي اليوم:
"مشكلتنا... هي التواضع."
وظلت كلماتك ترافقني حتى ولدت هذه المقالة.
وأنا أقول لك:
ليست مشكلتنا التواضع يا بني...
بل مشكلتنا أن بعض الناس لم يعودوا يعرفون قيمة التواضع.
ستجد في حياتك من يظن أدبك ضعفًا، ومن يفسر احترامك للناس على أنه تنازل.
فلا تغيِّر أخلاقك إرضاءً لمن لم يفهمها.
كن متواضعًا...
ولكن لا تكن ذليلًا.
وكن عزيز النفس...
ولكن لا تكن متكبرًا.
فما رأيت في رحلة العمر خُلُقًا زيَّن صاحبه مثل التواضع، ولا رأيت الكبر يزيد صاحبه إلا فقرًا إلى نفسه.
وإذا شاء الله، ومضت الأيام، وغاب صوتي، وبقيت هذه الكلمات، فاذكرني بدعوة صادقة، وقل:
رحم الله أبي...
لقد علمني أن المال يذهب، والمنصب ينتهي، ويبقى الخُلُق الطيب هو الإرث الذي لا تقدر الأيام على انتزاعه.
وإذا رأيت أبناءك يومًا يلتفون حولك، يسألون في براءة:
"يا أبي... ماذا ورثتَ من جدِّنا؟"
فابتسم...
وقل لهم:
"ورثت من أبي يقينًا..."
أن التواضع لا يُنقص الرجال...
بل يكشف معادنهم.
وأنه لم يكن يومًا خُلُق الضعفاء...
بل كان... وسيبقى... سمة الكبار... وسمة الأنبياء.

__

* رئيس مجلس إدارة هيئة الأوقاف المصرية الأسبق

* مدير عام المشروعات والتصميمات بوزارة الأوقاف المصرية سابقًا

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة