من أجمل ما قيل في الثقة بالله ذلك البيت الذي ظل يتردد على ألسنة الناس عبر مئات السنين:"فكم لله من لطفٍ خفيٍّ يدقُّ خفاه عن فهمِ الذكيِّ، وكم يُسرٍ أتى من بعد عسرٍ ففرَّج كربة القلب الشجي، وكم أمرٍ تساءُ به صباحًا فتأتيك المسرَّة بالعشي، إذا ضاقت بك الأحوال يومًا فثق بالواحد الفرد العلي، ولا تجزع إذا ما ناب خطبٌ فكم لله من لطفٍ خفي."
هذه الكلمات ليست مجرد أبيات شعر بليغة، بل هي خلاصة تجربة إنسانية تتكرر مع كل واحد منا، فهي تذكرنا بأن ما نعجز عن فهمه اليوم، قد يكون غدًا أعظم أسباب الخير في حياتنا.
فنحن بطبيعتنا نحكم على الأحداث من لحظتها، فإذا تعطلت مصلحة اعتبرناها خسارة، وإذا أغلق باب ظننا أن الدنيا قد ضاقت بما رحبت، وإذا تأخر حلم تسلل إلينا اليأس، وربما ظننا أن الدعاء لم يستجب، لكن الأيام وحدها تكشف لنا أن كثيرًا مما بكينا عليه كان في حقيقته نجاة، وأن أشياء سعينا إليها بكل قوتنا، لو تحققت، ربما كانت سببًا في شقائنا.
كم من شيء تمنيناه بكل قلوبنا ولم يتحقق، فحزنّا عليه طويلًا، ثم أدركنا مع مرور الأيام أن الله كان يدخر لنا خيرًا أعظم؟ وكم من علاقة انتهت وظننا أنها نهاية الحياة، ثم أدركنا أنها كانت بداية لطمأنينة افتقدناها طويلًا؟ وكم من أمر تأخر فاستثقلناه، ثم تبين لنا أن الله اختار له التوقيت الأنسب.
هنا يتجلى معنى اللطف الخفي، أن يدبر الله أمرك من حيث لا تشعر، وأن يمنع عنك شيئًا تحبه لأنه يعلم ما لا تعلم، وأن يؤخر عنك رزقًا حتى تتهيأ له، أو يصرف عنك شخصًا كنت تتمسك به لأنه يرى ما لا تراه.
المشكلة أننا لا نرى إلا الجزء الظاهر من المشهد، بينما يعلم الله سبحانه وتعالى بدايته ونهايته، وما خفي منه وما ظهر، ولذلك قال تعالى: ﴿وَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾، إنها آية تختصر معنى الرضا والثقة، وتدعونا إلى ألا نتعجل الحكم على ما نمر به.
غير أن الإيمان باللطف الخفي لا يعني الاستسلام أو التوقف عن السعي، بل يعني أن نبذل كل ما في وسعنا، ثم نرضى بما يختاره الله لنا، لأننا نوقن أن اختياره أرحم من اختيارنا لأنفسنا، وأن حكمته أوسع من رؤيتنا المحدودة.
وفي زمن تتسارع فيه الأحداث، وتتزايد فيه الضغوط النفسية، وتصبح المقارنات اليومية عبئًا يثقل النفوس، ربما نحتاج إلى استحضار هذا المعنى أكثر من أي وقت مضى، فليس كل تأخير حرمانًا، وليس كل خسارة هزيمة، وليس كل باب يغلق في وجهك نهاية للطريق، بل قد يكون بداية لطريق أفضل لم تكن تراه.
وأحيانًا يكون لطف الله فيما لم يحدث، أكثر مما يكون فيما حدث، فقد يحميك الله من أمر كنت تتمناه، ويصرف عنك شرًا لم تكن تعلم أنه ينتظرك، ثم تكشف لك الأيام أن المنع كان عين العطاء، وأن التأخير كان رحمة، وأن ما ظننته خسارة كان أعظم أبواب النجاة.
لذلك، عندما تضيق بك الدنيا، لا تتعجل إصدار الأحكام على ما تمر به، واترك للزمن فرصة ليكشف لك حكمة الله، فقد يأتي يوم تنظر فيه إلى ما أحزنك، وتبتسم قائلًا: الحمد لله.. لم يحدث كما أردت، بل حدث كما أراد الله، وكان اختياره هو الخير كله.
ولهذا بقي هذا البيت خالدًا في وجدان الناس، تتناقله الأجيال جيلاً بعد جيل، لأنه يختصر حقيقة لا تتغير، وهي أن لطف الله لا يقاس بما نراه بأعيننا، بل بما يدخره لنا من خير قد لا ندركه إلا بعد حين.