محمود عبد الراضى

عناق الأفاعي

الجمعة، 07 أغسطس 2026 10:54 ص


في مسرح الحياة اليومي، تتعدد المشاهد لكن الستار لا يسقط عن العرض الأشد إثارة للشفقة؛ ذلك الذي يمارس فيه البعض فن "عناق الأفاعي".

هم أولئك الذين يتقنون رقصة التودد على حبال الكراهية، يلتفون حولك بدفءٍ ظاهر، بينما يضمرون في طيات نفوسهم سمّاً زُعافاً.

يلقونك بالترحاب، ويطوقونك بالأحضان، بينما قلوبهم تعتصر غِلاً، وكأنهم يطبقون المثل القديم: يعطيك من طرف اللسان حلاوة، ويروغ منك كما يروغ الثعلب.

يتوهم أصحاب هذه الأقنعة أن سلوكهم هذا نوع من الذكاء الاجتماعي، أو مهارة في الدبلوماسية النفسية، بينما الحقيقة الناصعة تقول إن ما يمارسونه ليس سوى نفاقٍ صريح، وغشٍّ مُغلّف، وضعفٍ متجذر في الشخصية.

إنها هشاشة نفسية تتستر خلف الابتسامات المزيفة، ومرضٌ يصيب المروءة في مقتلها.

يظنون أنهم الأكثر حيلة ودهاءً، وأن أحداً لا يفك شفرات تلعثمهم الأخلاقي، غافلين عن أن حيلهم أوهن من بيت العنكبوت، وأن زيفهم مفضوح في نظرة عين، أو نبرة صوت، أو هفوة لسان.

إن المأساة الكبرى لهؤلاء لا تكمن في انكشافهم أمام الآخرين فحسب، بل في خسارتهم لأنفسهم أولاً، فمن يغير جلده مع كل لقاء، ينسى في النهاية ملامح وجهه الحقيقي، فالخداع لا يصنع هيبة، والتلون لا يبني قيمة، وما يحسبونه خديعة ناجحة ليس إلا مكيدة يتجرعون هم مرارتها حين ينفض من حولهم الصادقون.

من هنا، تأتي الدعوة إلى نبل الوضوح وشرف الموقف، لا حاجة لك بأن تتصنع وداً لا تجده، ولا أن تهدي عناقاً تحفه الشوك من الداخل.

كن جلياً كالشمس، أو صامتاً كالجبل؛ فالحياد الصادق أنبل بألف مرة من الشغف المزيف.

احترم نفسك أولاً كي يجبرك العالم على احترامك، واعلم أن صدق الخصومة أكثر شرفاً من كذب الصداقة.

الوضوح ليس مجرد فضيلة، بل هو أعلى درجات الشجاعة، وأرقى صور السلام مع الذات والآخرين.

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة