
صورة تعبيرية مصنوعة رقميًا بالذكاء الاصطناعي
20
كان ذلك اليوم عجيبًا صاخبًا. كانت بغداد كلها تتحدث عن المحاكمة، ويدلي كل رجل وامرأة بدلوه في أمرها، بين تخمين وتأويل ويقين. وكلما مررت بمكان بلغني شيء من أحاديثهم؛ فمنهم من يجزم بأن الحلاج قد هلك لا محالة، ومنهم من يحسن الظن بالحكم، ويرى أنه لن يتجاوز الجلد أمام الناس، ليرتدع ويعود إلى رشده، كما يزعمون.
كانت الأسواق تضج بالحركة، والناس يسرعون في قضاء حوائجهم، وكل واحد منهم يريد أن يفرغ قبل الموعد، ليلحق بساحة القصر ويشهد المحاكمة. وحتى القصر لم يكن أقل صخبًا من الأسواق؛ حركة لا تهدأ، ولغط في كل ناحية، وأحاديث تدور بين كبار رجال الدولة والعلماء حول كيفية إدارة المحاكمة، وإلى أي مصير ستنتهي. فالأحاديث التي تدور خلف الأبواب المغلقة هي التي تحدد المصير، وترسم خطواته خطوةً بعد أخرى.
وفي إحدى الغرف المطلة على الساحة، كانت السيدة تجلس تحيط بها جواريها. وكانت قد أرسلت في استدعاء ثُمَل لتراقب معها المحاكمة من غرفتها. وما إن حضرت حتى أشارت السيدة إلى الجواري بالانصراف، فتقدمت ثُمَل وأدت التحية. وكان الشغف يبدو واضحًا في عينيها، حتى ليخيل للناظر أنها لم تنم ليلتها من فرط الترقب.
أذنت لها السيدة بالجلوس، ثم نهضت واتجهت نحو النافذة، فقامت ثُمَل ولحقت بها. ألقت السيدة نظرة على العبيد وهم ينظمون الساحة، ويهيئون موضع القضاة، ويقيمون الحواجز بين العامة والخاصة، بحيث لا يحجب عنهم شيء من أمر المحاكمة.
وكان قد أُعدَّ قفص من الحديد فوق ربوة مرتفعة، ليُوضَع فيه الحلاج فيراه الجميع. وعلى بعد أمتار قليلة نُصبت مقاعد القضاة الثلاثة، كلٌّ بحسب مذهبه، بينما اصطف إلى يسار القفص مجلس فسيح للخليفة، وحاشيته من الوزراء، وكبار قادة الجيش، ورجال الدولة.
قالت السيدة، وهي تتأمل المشهد: كل شيء أُعد بإتقان. ترى من الذي خطط لهذا النسق العجيب؟ أجابت ثُمَل: لعله الوزير؛ فهو يبغض الحلاج، ولا أدري من أين جاء بكل هذه الكراهية لرجل لم يؤذِ أحدًا. قالت السيدة: إنهم يرونه خطرًا على الدولة. له مريدون وأتباع، ويخشون أن تغريه كثرتهم، فيخرج عليهم ويثير الناس، فتكون نهايتهم على يديه. ثم إن ثورة الزنج، منذ سنوات، جعلتهم يخافون كل تجمع، ويرتابون في كل حشد قد يصبح يومًا شوكة في ظهورهم. قالت ثُمَل: ولكننا لم نسمع يومًا أنه طلب حكمًا أو سعى إلى زعامة. كل ما كان يعنيه أرواح الناس، وأن يهبها شيئًا من السكينة وراحة الضمير. ابتسمت السيدة وقالت: صدقتِ. وسوف نرى، بعد ساعات قليلة، إلى أي مصير ستؤول الأمور.
كنتُ والشِّبلي قد التقينا منذ الصباح الباكر. ذهبنا إلى البيت، وأخذنا جميع كتب الشيخ التي كنا قد أرسلناها من قبل إلى النُّسَّاخ لينسخوا منها عددًا من النسخ، حتى إذا جرت الأمور على غير ما كنا نرجو، بقي تراث الشيخ محفوظًا. أخفينا عددًا من تلك النسخ عند بعض الثقات من مريدي الشيخ، وأوصينا بعضهم أن يحمل بعضها إلى الأمصار الشرقية، حيث يكثر مريدوه وأتباعه هناك، لعلها تجد من يحفظها وينقلها إلى من يأتي بعدنا. وتركنا في الحجرة بعض النسخ، إلى جانب أوراق وكتب قديمة، حتى لا يثير اختفاء الكتب كلها شكوك أحد. خرجنا بعد ذلك إلى شوارع بغداد نرقب ما سيكون. سرنا حتى بلغنا ضفة النهر، فاستدعينا ذكريات الأيام التي صحبنا فيها الشيخ إلى موضعه المحبب، حيث كان يحدثنا عن الله، وعن النفس، وعن الطريق ثم انصرفنا إلى المسجد الجامع لنشهد صلاة الجمعة، وبعدها نتوجه، كسائر الناس، إلى ساحة القصر، لنرى ماذا سيكون من أمره.
في صباح ذلك اليوم المشهود، فتح السجّان باب الزنزانة على الشيخ، ووضع أمامه طعامًا طيبًا، وماءً باردًا، وبعض الفاكهة، ثم سأله: ألك حاجة أخرى يا شيخ؟ لم تمتد يد الشيخ إلى الطعام، واكتفى بأن ارتشف من الماء قطرات، ثم أخذ يناجي نفسه بصوتٍ مسموع: إنها ساحات عشقٍ يلقي فيها الإنسان بنفسه، فيستظل بظل الجمال، إنه الذوبان؛ حين تتلاشى الماديات، فلا يبقى إلا ما يمكث في النفس، يمد جذوره فيها ليحيا إلى الأبد. هناك... لا نهاية للعشق، ولا حد للشعور. كل لحظة بداية، وكل زمن ولادة جديدة لا تعرف الانتهاء. إذا سكنت المحبة القلب، فلا موضع للكراهية، ولا طريق إلا إليها. تتدفق في العروق، وتنساب في ثنايا الروح، فتتعاظم الأشياء؛ لأنها منه وإليه. فإذا حل في القلب، لم يبق فيه غيره. ترتفع به، وتسمو، وتصعد... حتى تذوب فيه. فلم تكن شيئًا، حتى صرت به شيئًا. وحين يحضر النور، لا يبقى للظلام أثر؛ يتبدد، ويتلاشى، كأنه لم يكن. هكذا هو الحب إذا حضر؛ يمحو ما سواه.
وكان الحارس يصغي إلى كلماته من خلف الباب المغلق وقضبان السجن. قال فيما بعد. كان كلام الحلاج يصيب القلب في مقتل؛ يوقظه من غفلته، ويهزه من سكونه. لم تكن كلماته تُسمع فحسب، بل كانت تُحس؛ تبلغ الأعماق قبل أن تبلغ الآذان. كانت تعبر المسافات في لحظات، فتوقظ في النفوس شوقًا دفينًا، وتبعث فيها حياة كادت تنطفئ. لم يكن يريد من الناس إلا أن ينبه قلوبهم، ويوقظ بصائرهم، ويحرر أرواحهم من أسر الجسد ووهم القوة الزائفة. كان يضرب على أوتار القلوب، فتستجيب له قلوب، وتعجز أخرى عن السماع؛ لأن بينها وبين النور سدودًا بنتها السنون، وأقامتها الشهوات والطمع. أما هو، فظل يطرق تلك الأبواب برفق، وينفض عنها غبار السنين، لعل قلبًا يفتح نافذته للنور، أو روحًا تعود إلى الحياة.
صلينا الجمعة، ولم نسمع كلمةً مما كان يقوله الخطيب. وأظن أن الناس جميعًا، في مساجد بغداد المختلفة، لم يسمعوا في ذلك اليوم ما قيل على المنابر. كانت العقول مشغولةً بأمر الحلاج؛ قلوبٌ حزينة، وقلوبٌ أخرى تطالب بالقصاص لدين الله أنهى الإمام الصلاة، فتدافعت الجموع نحو الأبواب. زحامٌ من الأجساد، وفوق كل جسد رأس يحمل عقلًا يجمع بين الشرق والغرب، وأرواحًا متباينة متباعدة، وإن التصقت اللحوم والعظام. كنت أمسك بيد الشبلي، فضاعت مني في لحظة التدافع الرهيبة. كدت أن أنزلق فتطأني الأقدام، غير أن رجلًا التقطني وأعانني على النهوض. خرجت بعد أن اعتصرني الزحام، فوجدت الشبلي يقف على مرمى البصر بعيدًا عن موضع التدافع، فأشار إليَّ، وانطلقنا مع الجميع، كأننا نسير إلى مراسم دفن أحد الأئمة الكبار.
قلت للشبلي: أتظن أن تكون هناك محاكمة عادلة قد تنصف الشيخ؟ قال: علماء الشريعة والفقه يحرصون على سلامة الدين، فلا تظن بهم جورًا حين يصدرون أحكامًا قد لا تراها أنت عادلة. لقد حدَّث الشيخ الناس بما لا ينبغي أن يحدثهم به؛ فهم لا يدركون ما يرمي إليه، ويرونه خروجًا على الدين. أما الشيخ فتنتابه حالاتٌ روحانية يذوب فيها فيمن يحب ويهوى. ولعل الفريقين، كلٌّ من زاويته، يرى نفسه على حق. وأحسب أن الشيخ يعلم في قرارة نفسه أن ما يتعرض له أمرٌ كان يتوقعه، ولم يكن جديدًا عليه أو مما يفاجئه؛ فهو يعلم أن الطريق الذي اختاره لا يستطيع أن يتخلى عنه، مهما كانت النتيجة.
قلت: إذن سيحكمون عليه؟ قال:لا بد أن يحكموا عليه؛ فقد باح بما لا ينبغي أن يبوح به، وتكلم بأحوالٍ ما كان ينبغي أن يعلنها على الملأ
قلت: أتظن أنه كان يعلم منذ البداية بهذا المصير؟ قال: بل كان على يقين منه، ولم يبالِ بما سيكون. كان قلب الشيخ وروحه هما اللذين يقودانه. إنها يقظة الروح في غياب الجسد.
كانت الأصوات من حولنا تعلو، وتخوض فيما نخوض فيه. تسارعت الأقدام كما تسارعت الأحاديث؛ بين من يتوقع السجن، ومن يرجح القتل، ومن يرى النفي إلى خارج البلاد. وكلها، في نظرنا، لا تنصف الشيخ. حتى مريدو الشيخ، وكثيرٌ منهم، لم يكونوا يأملون في نجاته. وكان ذلك ظاهرًا على وجوههم؛ حزنًا وأسى. فعلى الرغم من سرعتهم، كانوا كأنهم يجرون أقدامهم جرًّا. وكلما اجتزنا شارعًا من شوارع بغداد ازداد عدد الناس. أيقنت أن الساحة الكبيرة أمام القصر لن تسع هذه الجموع كلها. حتى النساء خرجن ليشهدن المحاكمة، وكذلك الأطفال. بدت بغداد كلها وكأنها قد اجتمعت لترى ما سيحدث.
21
اقتربنا من الساحة، فإذا بها تغص بالناس. كان الجند يقفون في كل مكان حاملين السلاح؛ بعضهم ينظم حركة الجماهير حتى لا يقع التدافع، وبعضهم يرابط في أماكنه حول الساحة ومن شرفات القصر المطلة على الميدان ظهرت الجواري والعبيد يتابعون المشهد. وكانت السيدة تجلس في مجلسها، تحيط بها جواريها، وإلى جوارها ثُمل على مقعد أصغر، يتأملن الجموع في صمت مشوب بالترقب.
لم يكن القضاة قد خرجوا بعد، ولم يُؤتَ بالحلاج إلى القفص، كما ظلت مقاعد الخليفة ورجال الدولة خالية. كان الجو حارًا بسبب الزحام، على الرغم من أن الفصل لم يكن صيفًا شديد القيظ. وكان بعض السقاة يتجولون بين الناس يسقونهم الماء، بينما استمرت الأصوات ترتفع بالنقاش حول مصير الشيخ. تقدمت أنا والشبلي حتى بلغنا الصف الأول خلف الحاجز الفاصل بين الجماهير ومنصة القضاة ورجال الدولة.
كان الجميع ينتظر، على أحر من الجمر، خروج الشيخ مكبلًا بقيوده. إنه مشهدٌ مهيب؛ يهز القلوب جميعًا، سواء قلوب مريديه ومحبيه، أم قلوب مبغضيه وخصومه.
خرج القضاة يمشون في وقار، فاتجهت الأنظار إليهم تترقب. جلسوا في مجالسهم، وبعد دقائق خرج الخليفة، يتبعه كبار رجال الدولة: الوزير، وقائد الجيش، والقواد، والمقربون من صُنّاع القرار. كانت لهم جميعًا مهابة؛ فنادرًا ما كانوا يظهرون أمام عامة الناس. حدقت الأبصار لتتأمل تلك الهيبة التي تكسو الحاشية. أشار قائد الحرس إلى بعض الجنود أن يأتوا بالشيخ. فهم الناس تلك الإشارة، فتشخصت الأبصار نحو الجنود. كنت أنا والشبلي قد انخلعت قلوبنا ونحن ننتظر قدوم الشيخ في أغلاله.
ظهر بهيئته المعهودة، تحيط به الجنود من ثلاث جهات؛ عن يمينه اثنان، وعن شماله اثنان، وخلفه ثلاثة. ورغم القيود التي تكبل يديه ورجليه، كانت خطواته تعرف إلى أين تمضي، كأنها تسير إلى موعد اختارته بنفسها. شعرت، وأنا أنظر إليه تارة، وإلى وجوه الناس المشدوهة تارة أخرى، ثم إلى الشبلي وعينيه اللتين تحملان الأسى والجلد، أن الشيخ قادم ليحاكم الناس جميعًا، لا ليحاكموه هم. كانت نظراته نافذة، ثاقبة، تكاد تخلع القلوب من الصدور. ليس هذا رجلًا مدانًا أبدًا. لم تكن في عينيه ذرة استجداء أو استعطاف، بل كانت نظرة عطف عليهم، وشفقة على أحوالهم، كأنه يرى ما لا يرونه.
كانت لحظات صمتٍ كأن الكون كله دخل فيها حدادًا وأسفًا. حتى صوت الأنفاس لم يكن يُسمع، والناس كأن على رؤوسهم الطير. الخليفة، والحاشية، والقضاة... الجميع صامت. حتى الطيور في السماء بدت وكأنها توقفت عن التحليق. كان الشيخ قادمًا من محبسه ليلقي أحكامه على الجميع. إنه القاضي العادل الذي يهز القلوب، ويستنفر الروح الإنسانية لتعرف موضعها الصحيح من الحياة. كانت خطواته تكاد تشق الأرض من فرط ثباتها. لم تكن لحظات تمر، بل كان تاريخ العشق كله يمشي على قدميه.
رفعته أيدي الجنود إلى القفص الحديدي، كأنهم يرفعون ملكًا إلى عرش ملكه. فُتح باب القفص، وأُدخل الشيخ، لكنني كنت أرى العالم كله هو السجين، وأنه حر طليق داخل قفصه. كانت وقفت الشيخ كجبل، تحيط به هالة من نور تفيض على المكان. وظلت الأنظار معلقة بطلعته، وصمته، ووقاره الذي كان يقتحم القلوب. وعلى وجوه الجميع، من مريديه وغيرهم، خيم عليها حزن عميق وضباب. ورأيت النساء في شرفات القصر، والخدم والعبيد، وقد بدت على وجوههم جميعًا أمارات الحزن. لقد أحبه الجميع، فهو الذي أرشد قلوبهم إلى المعرفة والحق والحياة. أما السيدة الأم، فكان يبدو على وجهها ضيق شديد مما يجري. وكان ثُمَل لا يكاد يتمالك نفسه، وعيناه تذرفان الدموع؛ فقد كان الشيخ بالنسبة إليه أبًا روحيًا.
وقف الشيخ في منتصف القفص الحديدي، وتقدم جنديان فربطا يديه إلى أطرافه فوق الصليب.
أشار الخليفة إلى القضاة أن يبدؤوا المحاكمة. فارتفعت أصوات بعض الجنود تعلن بدءها. وكان الناس لا يزالون في ذهول، كأنهم أُخذوا بسِنة من النوم، أو سُكرت أبصارهم من هول المشهد. فلما دوّى النداء أفاقوا جميعًا، وانتبهوا إلى القضاة ومنصتهم، التي بدا عليها الارتباك، وفي قلوب أصحابها خوف يحاولون إخفاءه.
فتح كبير القضاة كتابه، وأخذ ينظر مرة إلى الشيخ، ومرة إلى الكتاب بين يديه. وكانت نظرات الخليفة تتنقل بين القفص والقضاة، وكذلك الوزير. أما الحيرة فكانت تبدو على وجوه الجميع، وكأنهم يشكون في جدوى هذه المحاكمة، ومع ذلك كانوا حريصين على أن تنتهي إلى نتيجة واحدة سلفًا. وظلت العيون معلقة بمنصة القضاء، تترقب كل كلمة تخرج من أفواه القضاة، كأن مصير الزمن كله قد صار معلقًا بحرف ينطقون به.
22
أتتح القاضي المحاكمة بقوله تعالى إذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل..ووجه حديثه إلى الشيخ قائلا: يا حسين بن الحلاج، ألست أنت القائل: رأيت ربي بعين قلبي. ماذ تقصد من قول هذا؟
قال الشيخ في هدوء: إن الله لا يُرى بالعين، وإنما يُرى بالقرب. فإذا قام في أعماق القلب، أبصر القلب به. أليست للقلوب عيون ترى ما لا تراه الأبصار؟ فإذا أبصر القلب، احتجبت العيون، فلم يعد يرى إلا المحبوب. بدا في حديث الشيخ أنه لم يقصد من المعاني، التي أختلقها مبغضوه أي معنى يرمونه به. ويستندون عليه لتكفيره.
قال قاضٍ آخر: وما قولك في شعرك: مزجت روحك في روحي .. كما تمزج الخمرة بالماء الزلال.. فإذا مسك شيء مسني .. فإذا أنت أنا في كل حال. أليس هذا دليلًا على قولك بالحلول؟ قال الحلاج: وأين أنا إذا أهلكني العشق، فلم يبق مني إلا أثره؟ لم يترك لي ولا لغيري مكانًا. أبصر بنوره، وأهتدي بهداه، فيحملني حيث يشاء.
وقال ثالث قضٍاتهم: ألم تقل أنا الحق؟ والحق من أسماء الله الحسنى، فكيف تنسبه إلى نفسك؟ أوتدعي الألوهية بقولك؟ رفع الحلاج رأسه، وقال بصوت خافت، لكنه ثابت إذا حضرت بين يدي العلي، غاب عني شعوري بنفسي، فلم أعد أرى غيره. فإذا غاب العبد عن نفسه، لم يبق إلا الحق.
تعالت أصوات بعض الطلبة زنديق... يستحق القتل إنه يفسد على الناس دينهم إنه دخيل علينا ألم تروا أتباعه القادمين من المشرق البعيد، الذين يقولون بالنور والظلمة، وبقوتين تتصارعان؟ أشار الخليفة إلى قائد الحرس أن يُسكت الناس، ويترك الأمر للقضاة. لم يهتز الشيخ لما سمع. لم يكن في وجهه رهبة ولا خوف، وإنما سكينة رجل عرف إلى أين يمضي. كان يقول ما يراه حقًا، غير عابئ بما يثور حوله من اتهام أو سوء فهم.
أما الوزير، فكانت نظراته إلى القضاة تقول دون كلام: أسرعوا... انتهوا من الأمر ولم يغب ذلك عن الشيخ. حدث نفسه في همس: وما يضرني أن أموت، وقد عرفت الطريق، وبلغت روحي ما بلغت؟ إن كانوا يرونني مارقًا، فقد ملكتني الطمأنينة منذ اللحظة التي أيقنت فيها بما عرفت. هناك يدرك الإنسان النور، وينبعث منه، ثم يذوب فيه. كان نقطةً، ثم صار أفقًا لا تحده حدود. ذلك النور الذي أفنيت عمري في طلبه، حتى إذا بلغته، وجدت معرفةً ليست معرفة العقل، بل معرفةً أوسع من الكلمات، وأغزر من أن يحملها إلا قلب أعد نفسه للفناء.
قال كبير القضاة: إنك يا حسين تثير الفتن، وتفسد عقائد الناس بما تقول، وتدعي ما هو كفر صريح. تجاوزت الإفساد إلى ادعاء الألوهية، والقول بالحلول والاتحاد. وقد استحققت بذلك العقوبة التي تردعك وتردع كل من يسلك سبيلك.إنه حكم الله فيك، لكل من خالف دينه، واستهان بعقيدته. أو سعى في الأرض يفسد فيها. وقد حكمنا عليك بالرجم والحرق والقتل، لتكون عبرة لمن تسول له نفسه في محاربة دين الله، أو النيل منه، أو إنكار ما هو معلوم منه بالضرورة، وقد تعديت كل هذا إلى ما هو أشنع، وادعيت ما هو أقبح،ونسبت لنفسك ما هو حق لله وحده.
ارتفعت همهمات المريدين، وخرجت من بينهم كلمات تستنكر ما سمعوه، لكن أحدًا لم يستطع أن يميز قائلها رفع الحلاج يده إليهم إشارة صامتة، يأمرهم بالكف عن الكلام كان يعلم أن ما يجري إنما هو قدر الله، وأن هؤلاء ليسوا إلا أدوات تمضي بها الإرادة إلى غايتها وساد المجلس صمت ثقيل.
لم يبدُ على الشيخ أي خوف، ولم تهتز ملامحه. كأنه كان ينتظر تلك اللحظة منذ زمن بعيد، أو كأنها موعدٌ مضروب بينه وبين ربه. نعم للموت رهبةٌ تهز قلب كل إنسان؛ ترتعد لها الفرائص حين يشعر المرء أنه لم يعد يفصل بينه وبين نهايته إلا خطوات قليلة، وربما استولى عليه الهلع حتى يفقد اتزانه. أما الشيخ، فكان على يقين بمصيره، بل كان يرى فيه بداية لقاء طالما اشتاق إليه.
كنتُ أنا والشبلي أشد الناس هلعًا حين نطق القضاة بالحكم. وقع علينا كالصاعقة، وأصاب قلوب محبيه ومريديه في مقتل. أما السيدة شغف فقد بهتت ملامحها، وانخرطت ثمل في بكاء مرير، حتى وقف الجواري والعبيد مذهولين لا يكادون يصدقون ما يسمعون.
وعلى الجانب الآخر علت وجوه كارهي الشيخ وحاسديه أمارات الرضا، وردد بعض طلاب الفقه والشريعة أن هذا هو القصاص العادل لمن خالف الشريعة وأفسد في دين الله، وجاء بما لا يليق بجلالها. ارتسمت على وجه الوزير ابتسامة خاطفة كشفت ما في قلبه، لكنه سرعان ما أخفاها. أما الخليفة فتجهم قليلًا، وكأن ثقل الدولة كله استقر فوق كتفيه.
ازدادت أعداد الجنود، وأخذ الناس يتراجعون إلى الخلف. كان بعض خصوم الشيخ يخفون في أيديهم وثيابهم أحجار، وكأنهم كانوا يستعدون للمشاركة فيما سيقع بعد قليل. تقدم الجنود، وشددوا القيود في يدي الشيخ ورجليه، ثم أوثقوه إلى خشبة الصلب. اندفعت الجموع ترجم الشيخ بالحجارة.
وكان الشيخ يقف كالصخرة، لا يشكو ولا يتوجع، وكأن الحجارة كانت تقع على جسده ولا تبلغ روحه. كنا نحن أتباعه نشعر بألم كل حجر أكثر مما يشعر به هو؛ كانت تسقط عليه بردًا، وتسقط علينا جمرًا يشوي القلوب. عندها صاح الشبلي بصوت بلغ مسمع الشيخ: ألم أنهك عن العالمين؟ لقد أدركت ما لم يدركه الناس، ولكنهم كانوا أفقه؛ عرفوا أن ما يراه الخاصة لا يُلقى إلى العامة، فلكل مقام مقال، ولكل عقل طاقته على الاحتمال. لقد حذرناك فلم تنته، وناشدناك فلم تتراجع... فانظر أين أنت الآن؟
كان الشبلي يعلم أن كلمة واحدة قد تودي بصاحبها، وأن البوح بأسرار القلوب قد يكون طريقًا إلى الهلاك. لكنه كان يعلم أيضًا أن الشيخ لم يكن غافلًا عن مصيره؛ بل كان أكثر الناس علمًا بما ينتظره. كان يرى أن الموت ليس نهاية الطريق، بل بدايته
رفع الحلاج بصره إلى الشبلي، وأشار إليه إشارة هادئة، كأنها تقول: لم أندم. كانت الحجارة تتوالى على جسده؛ أصابت وجهه وصدره، وسال الدم على ملامحه، بينما ارتفعت أصوات الناس في حماسة عمياء، كأنهم يواجهون شيطانًا يريدون القضاء عليه أما عيناه، فلم تكونا تبحثان عن رحمة، بل كانتا تحملان رحمةً لهم. كانوا لا يعلمون ما يفعلون.
كأنه كان يقول في صمته: أغفر لكم... أغفر لكم حجارتكم، وأغفر لكم دمي الذي تسفكونه، فإنكم لا تعرفون ساد صمت ثقيل للحظات، وكأن التردد تسلل إلى بعض القلوب. لكن صوتًا غاضبًا انطلق من بين الجموع، فأيقظ فيهم قسوتهم، فعادت الحجارة تتساقط من جديد في تلك اللحظة أخرج الشبلي وردةً كان يخفيها في ثيابه، همس لها بكلمات لم يسمعها أحد، ثم ألقاها نحو الشيخ سقطت الوردة على صدر الشيخ، ثم هوت على الأرض أمام عيني الحلاج، والتقت النظرتان.
ارتجف الشيخ وقال بصوت خافت لم تؤلمني حجارتهم. فهم لا يعلمون. لكن وردتك يا شبلي آلمتني، لأنها جاءت من قلبٍ يعرف. تراجع الشبلي، وانفجر باكيًا وظل الحلاج واقفًا أمام قسوة البشر، يردد كلمات الحب والمناجاة. كانت كلماته تسكن بعض النفوس لحظات، ثم تعود القلوب إلى غلظتها، وكأنها تخشى أن تصغي لصوت الرحمة.
وكان بين الجموع مريدون للحلاج لا يملكون إلا الدموع. بدت آثار العذاب على وجوههم، وكانت أرواحهم تحترق وهم يسمعون كلماته الأخيرة تتسلل من بين الألم، ثم تقدم الحرس انهالت فوق جسده سياطهم فكان سقوطها فوق ظهورنا يسبقل ظهر الشيخ، وألمها مضاعف. الشيخ غارق في حال أخرى؛ لا يشعر بحرارة العذاب بقدر ما يشعر بحرارة القرب، كأن روحه سبقت جسده إلى الموعد الذي طال انتظاره.
احتشد الناس بالقرب منه، وخلفهم وقف آخرون يشاهدون المشهد، وكل فريق يظن أنه يتقرب إلى الله بما يرى، جمع الجنود الأخشاب حول جسده، وأضرمت النار. ارتفعت ألسنة اللهب، وتعالت الأصوات، وأخذ الناس ينفخون فيها حتى اشتد أوارها، بينما كان الدخان يصعد إلى السماء، وكأن بغداد كلها تشهد النهاية التي ستصير بدايةً لعشق لا تموت. كانت نظرات الشيخ الأخيرة تحمل يقينًا هادئًا؛ فقد أدرك أن ساعة الرحيل قد جاءت كانت الجموع من حوله تنقسم بين مؤمن به وكافر بما يقول، لكنه كان يعلم أن الفريقين، رغم اختلافهما، لا يبتغيان إلا الله؛ فهؤلاء يرون في موته قربى، وأولئك يرون في حياته فتنة.
وهناك، وسط النار، لفظ الشيخ أنفاسه الأخيرة؛ كأنه يتحرر من قيد الجسد، ويصعد بروحه إلى عالم كان يعرفه وينتظر لحظة العبور إليه فبعض الأرواح يكفيها قطرة لتستيقظ، وبعضها لو غمرتها بحار النور فلن ترى شيئًا؛ فالعلة في القلب الذي فقد القدرة على الإبصار.
23
لو أنهم جمعوا الدموع التي ذرفها محبو الشيخ ومريدوه لأطفؤوا بها جحيمًا بأسره، لكنها ضاعت في خضم الأصوات التي علت مطالبةً بدمه كان الشيخ يتلاشى أمام أعيننا، وقلوبنا مقيدة بقيود الخوف. لم يكن الذي جُلد وقُتل وأُحرق جسدًا واحدًا، بل كانت أرواحًا لا حصر لها تلقي بها النار إلى لهيبها. لم يبقَ من الشيخ إلا رماد وروح تحوم حول المكان. ولم يبقَ منه إلا الكلمات؛ تصنع المعجزات، وتصعد، وتغزو، وتحارب، وتستقر في القلوب. لم يبقَ إلا ما يوقظ النفوس ويحرك المشاعر. بل لم يبقَ إلا نفسه الحقيقية. بقي الشيخ كله، ولم يذهب منه إلا القليل. أما كلماته فما زالت ترن في أسماعنا، وتعيش بيننا، وتدور في الآفاق، وتنتشر في بقاع الأرض من مشرقها إلى مغربها. وكنت أرى في طيات ثياب مريديه كتبه، يحملونها إلى أصقاع الدنيا، سطرتها أيديهم وحفظتها قلوبهم.
خفتت النار شيئًا فشيئًا، ولم يبقَ من جسد الشيخ إلا حفنة من رماد. تفرقت جموع الناس، ولم يبقَ إلا نفر قليل، بعدما أيقن الجميع بنهايته وفنائه. استند الشبلي إلى كتفي وقال: هيا، نرحل. قلت: سأبقى حتى أعرف ماذا سيفعلون برماد الشيخ؟ قال: وما الفائدة؟ ما ذهب من الشيخ إلا أقله، أما هو فما زال قائمًا في قلوبنا. لقد ذاق وعرف، وكان ثباته أعجب ما يكون. لقد بلغ الخلاص الذي أراده.
جمع بعض الجنود رماد الشيخ، وانشغل آخرون بإصلاح ما أفسدته النار. كان كل شيء قد هدأ، ولم يبقَ من النهار إلا ساعاته الأخيرة، بينما وقف نفر من أتباع الشيخ لا يريدون أن يبرحوا المكان. حمل أحد الجنود الرماد، وأمره قائد الحرس أن يمضي به إلى النهر ويلقيه هناك. تبعت الجندي، وعرضت عليه المال، راجيًا أن ينثره عند خلوة الشيخ على ضفة النهر. نظر إليّ وقال: وما الفرق بين موضع وأخر؟ أليس مصيره أن ينثر رماده في الماء؟ ولكن لا بأس. ومضى معي، ومعنا الشبلي وبعض الجنود. فلما بلغنا النهر بدا الماء ساكنًا، أو هكذا خُيّل إليّ. نظر الرجل إلينا وقال: أتريدان أن تنثراه بأيديكما؟ أخرجت بعض المال مرة أخرى، فأعطيته إياه. ثم سلّم الشبلي ما بقي من رماد الشيخ، فتردد لحظة، واغرورقت عيناه بالدموع، ثم ناولني الرماد. أخذت أنثره ببطء شديد.
وفي تلك اللحظة خُيّل إليّ أن النهر هو الآخر يشم رائحة الحلاج. وما إن لامس الرماد سطح الماء حتى تبدل كل شيء؛ أخذ الماء يجري مسرعًا، وصار خريره كأنه لحن حزين، ثم ما لبث أن صفا، وانطلق يحمل رسالته إلى البلاد البعيدة. كنت أرى الناس، في خيالي، يشربون من ذلك الماء، فيرتوون حبًا، وتتعلق أرواحهم بروح الحلاج.
ذهب الجنود، وتركونا، ظللت أنا والشبلي نتأمل تغير النهر حتى بزغ نور الفجر
في ذلك الصباح لم تشرق الشمس على جسد الحلاج، وإنما أشرقت إشراقة أخرى؛ إشراقة في القلوب والأرواح، فاض نورها على العالم عشقًا. كانت خطانا ثقيلة ونحن نغادر. شعرنا أننا لم نعد كما كنا بالأمس، وأن شيئًا عظيمًا قد اقتُلع من داخلنا، كأننا فقدنا يدًا أو عينًا أو جزءًا من أرواحنا.
لكننا كنا نعلم أن الأيام المقبلة لن تعرف الحلاج بجسده، بل بكلماته؛ ترددها ألسنة لم يعرفها، وتحملها قلوب لم يرها، وتسير بها أرواح جديدة إلى أقاصي الأرض. فسلامٌ على روحه في عالم الغيب، وسلامٌ على الكلمات التي لم تستطع النار أن تحرقها، ولا السيوف أن تقتلها، ولا الزمن أن يطويها.
24
كانت الشمس تغازل جفوني حين بدأت أستعيد وعيي. كان الكتاب ما يزال بين يدي، وقد انطوت صفحاته الأخيرة. ظل براد الشاي فوق السخان، وعيناي تجولان في أركان الحجرة كأنني أراها لأول مرة. صببت كوبًا من الشاي، وارتشفت منه رشفة هادئة. كانت نفحات الشيخ تملأ المكان، فأستنشقها، فتسكن أنفاسي شيئًا فشيئًا.
وقفت أمام المرآة، وشعرت أنني أنظر إلى وجهي للمرة الأولى، أو لعلني لم أعد غريبًا عن نفسي. كانت ملامحي تتشكل من جديد، ونظرتي أكثر ثباتًا، وحتى لون وجهي، الذي لم ألتفت إليه يومًا، بدا واضحًا في عيني. أما قلبي، فقد اتسع بعد ضيق، وألقى عن كاهله هواجسه القديمة. سكن بعد ثورة، واطمأن بعد تقلب، كأن روحًا أخرى قد نزلت فيه.
أدركت أن التغيير لم يمس نفسي وحدها، بل طال كياني كله؛ اللحم والدم، وما يسكنهما من روح. كانت ولادة جديدة، بعد مخاض طويل من التردد والضياع، وبعد سنوات أثقلتني بالتيه حتى خلت أن الطريق قد اندثر إلى الأبد. فإذا بالشاطئ الذي ظللت أفتش عنه طوال عمري لا يفصلني عنه إلا خطوات أتراني تغيرت بفعل الكتاب؟ أم أن الكتاب لم يكن إلا دليلًا إلى الطريق الذي كنت أبحث عنه منذ زمن؟ وهل أيقظ الشيخ في داخلي إنسانًا ظل نائمًا سنوات طويلة؟
عندما خرجت من البيت، لم يكن ذلك صباحًا يشبه أي صباح عرفته من قبل. كان كل شيء جديدًا: الناس، والطرقات، والشوارع، والمدينة التي عشت فيها، والبيوت، ودكاكين البقالة. كأن العالم عاد طفلًا بريئًا، أو كأن الأرض خُلقت لتوها، لم تطأها قدم آثمة، ولم تشهد ظلمًا ولا دمًا أخذت الكتاب بين يدي، واتجهت إلى الكوخ. طرقت الباب. كان الشيخ جالسًا على هيئته المعهودة، في جلسته التي أعرفها، لكنني رأيته هذه المرة بعين أخرى؛ كأن في وجهه أعماقًا لم أكن أراها من قبل. عندها أدركت أن الذي تغير لم يكن الشيخ... بل أنا، ألقيت السلام، فابتسم ابتسامة هادئة، كأنه قرأ ما جرى في داخلي، مددت إليه الكتاب. هز رأسه برفق، وقال: أنت الآن أولى به. اقشعر بدني. قبلت يده، فقال: لا تنسنا من دعائك... وتعال إلينا كلما اشتقت. احمر وجهي، وانصرفت.
كنت أطوي الأرض طيًا، كأن قدمي لا تمسانها، بينما كان الحنين الذي أيقظته كلمات الشيخ يسير معي، يسبقني أحيانًا، ويحتضنني أحيانًا أخرى خرجت من الكوخ، لكن شيئًا مني بقي هناك، وجاء معي شيء لم أعرفه من قبل.
أخذتني قدماي إلى أماكن كثيرة، وكنت أريد أن أنبّه الناس، وأن أنقل إليهم شعوري بأن الحياة بلا حب نارٌ وجحيم، وأن الله يجب أن يكون بيننا وفي قلوبنا، وألا ننساه، لكن كلماتي كانت تذهب أدراج الرياح، فلا تجد آذانًا تسمع، ولا قلوبًا تحتويها. كان العالم موحشًا، وقد اعتاد الناس أن يعيشوا بلا قلوب، أو أن يملؤوها بهواءٍ فارغٍ من كل معنى، طرقت أبواب القلوب الموصدة، فإذا هي عمياء، لا تبصر إلا كل زائل. وربما كانت رثاثة هندامي وثيابي البالية سببًا في نفورهم مني، وكلما استوقفت رجلًا أو شابًا في الطريق أحدثه، وأحاول أن أرشده إلى ما غاب عنهم، صدّ عني معرضًا. أما الأطفال الصغار، فكانوا يطاردونني، حتى إذا أعياني التعب عدت إلى حجرتي أبكي في ظلامها الدامس.
كان لي جار رقيق الحال، يعمل عامل نظافة في شركة كبيرة. وكان، كلما مر بي، جلس يحدثني قليلًا، أو ترك لي شيئًا من الطعام، مرّ عليّ في ذلك المساء، فسمع بكائي ونشيجي. طرق الباب، لكنه وجده مفتوحًا، فاستأذن ثم دخل. ناداني، لكنني كنت غارقًا في دموعي، اقترب مني وهمس: لماذا تبكي؟ هل ظلمك أحد؟ ما هذه الجروح التي أثقلت قلبك؟ من آذاك؟ قل لي، وسأذهب فأنتقم لك منه. كان يحدثني كما لو كان يواسي طفلًا صغيرًا رفعت إليه وجهي، وكانت عيناي محمرتين من كثرة البكاء. ابتسمت له ابتسامة واهنة، وقلت: إن الناس لا يؤذونني، بل يؤذون أنفسهم. أنا لا أبكي على نفسي، ولا من كثرة ما أصابني من جراح، وإنما أبكي على موات قلوبهم. أبكي لأنهم لا يعرفون.
قال بهدوء: لا تكترث بهم. فهذه هي الحياة. ولسنا جميعًا على قدرٍ واحد من الفهم والإدراك. وستظل الحياة تحمل فوق ظهرها أشكال البشر وألوانهم، نظرت إليه بشيء من الدهشة، فأكمل حديثه: لا تندهش. لقد كان أبي صوفيًا زاهدًا، تعلمت على يديه الكثير. ومن أكثر ما علمني: إذا ناشدت الناس فلا يشغلك بعد ذلك أن يأخذوا بما تقول أو يرفضوه؛ فقد أديت ما عليك، وما بقي فهو بينهم وبين الله. ثم ابتسم، ومد إليّ صحنًا من الأرز وقطعةً من اللحم، وقال: جلبت لك هذا. هيا، كُل، واصنع لنفسك كوبًا من الشاي. وهذه علبة سجائر كاملة اشتريتها لك. أريد أن أراك سعيدًا. فقلبك كبير، يحب الناس، ولا يعرف طريق الكراهية ولا الحسد. ثم نظر إلى الساعة وقال: لقد تأخرت، ولا بد أن أنصرف. هل تحتاج إلى شيء آخر؟
غادر، وبقيت أحدق في الباب بعد أن أغلقه خلفه. أخذت أفكر في أمره، وفي كلماته التي نزعت عن صدري همًا ثقيلًا كاد يخنقني. ثم فعلت ما قال لي. قضيت الليل في الذكر والتسبيح والصلاة، وكأنها كانت اعتذارًا مني إلى الله عما أصابني من ضيق الصدر. وفي الصباح الباكر، ذهبت إلى أمي. فمنذ مدة لم أزرها، ولعلها كانت قلقة عليّ، كان الندى كثيفًا، فقد أمطرت السماء ليلًا، وكانت الأرض صلبة تتلألأ بقطرات الماء، والهواء يداعب الأشجار والزروع برفق، فلا هو بالعاصف ولا بالساكن.
تذكرت أبي وأنا في الطريق. مررت على قبره، فوقفت عند رأسه، ثم جلست قليلًا. قرأت الفاتحة، وأخذت أحدثه عن بعض ما لقيته في رحلتي إلى الشيخ، وعن الحيرة التي سكنت قلبي، ثم استأذنته في الذهاب إلى أمي، ومضيت.
كان باب البيت مفتوحًا، فقد اعتادت أمي، بعد أن تنتهي من صلاة الفجر، أن تفتحه ثم تجلس على فراشها المعتاد، تسبح الله حتى تطلع الشمس، ثم تصلي ركعتي الضحى، وبعدها تبدأ يومها، كانت تعمل حتى يكل التعب من ملاحقتها. تحلب الجاموسة، وتكنس الدار، وتشعل البابور لتسخن الماء لمن أراد الوضوء من أبنائها أو أحفادها، ثم تعد لهم الشاي، وكأنها خُلقت لتمنح من حولها الدفء والسكينة.
طرقت الباب طرقًا خفيفًا، فهي تعرف طرقات يدي. وما إن رأتني حتى أشرقت ابتسامة واسعة على وجهها. قبلت يدها، واحتضنتني، وأجلستني إلى جوارها، ثم قامت فأحضرت لي طعامًا، وأخذت تعد الشاي، وبينما كنت آكل، أخذت تحدثني عني. قالت إن صحتي في تراجع، وإنني صرت سببًا في كثير من قلقها. ثم عادت إلى حديثها الذي تكرره كلما رأتني، قالت: يا بني، البيت واسع، والطابق الثاني خالٍ، وأخوك يسكن بجوارنا، وأختك تزوجت، فلماذا لا تتزوج أنت أيضًا؟ اعمل في الحقل، واستقر، وأنجب لي أحفادًا أقر بهم عيني قبل أن أمضي من هذه الدنيا.
كنت أنظر إليها وأنا أرى سنوات التعب مرسومة على وجهها. لقد أنهكتها الحياة، ومع ذلك لم تدخر يومًا جهدًا في سبيل إسعادنا، ابتسمت وقلت: إذا وجدت امرأة تشبهك، فسأتزوج في الحال. ابتسمت هي الأخرى، وعرفت أنني أتهرب من جوابها، لكنها لم ترد أن تثقل عليّ. قالت بصوت امتزج فيه الحنان بالخوف: لا أريد إلا أن أراك سعيدًا. لم يبق من العمر إلا القليل، وأخشى عليك أهوال الزمن، قلت وأنا أقبل رأسها: لا تخشي شيئًا يا أمي، فعمر الشقي بقي كما يقولون. ثم ودعتها، وانصرفت عائدًا إلى حجرتي الصغيرة. كنت أشعر أن رؤية أمي قد قذفت في قلبي جرعات من الطمأنينة، أخذت تشق طريقها إلى أعصابي المرهقة، حتى غلبني النعاس، واستسلمت لراحة افتقدتها منذ زمن.
25
كانت أمي قد ناولتني، عند خروجي من عندها، بعض الملابس النظيفة. لا أدري أكانت قد أعدتها من قبل، أم أنها جهزتها وهي تحضر لي الإفطار. عدت إلى حجرتي، فأعددت لنفسي كوبًا من الشاي، ثم أخذت أقرأ أورادي وأصلي حتى غلبني النعاس، ارتديت ملابسي النظيفة، وخرجت إلى المسجد الكبير لأصلي مع الجماعة. جلست على درجات المسجد حتى حضر خادم المسجد، وكان يعرفني جيدًا، فقد رآني غير مرة في أحياء البلدة المختلفة. ألقى عليّ السلام، ثم فتح المسجد..
توضأت، وصليت ركعتين، ثم جلسنا نذكر الله. شغّل خادم المسجد إذاعة القرآن الكريم، ووجّه المذياع نحو مكبر الصوت، حتى يتردد القرآن في أرجاء المكان، وظللنا على ذلك حتى ارتفع صوت المؤذن، كان عدد المصلين لا يتجاوز صفًا واحدًا، أغلبهم من كبار السن، يتوكؤون على عصيهم، ومعهم شابان أو ثلاثة.
انتهينا من الصلاة، ثم جلس أكثرنا في حلقة لقراءة القرآن. كان ذلك دأبهم كل يوم؛ يقرؤون جزءًا من كتاب الله، ثم شيئًا من أحاديث رياض الصالحين، وبعد أن فرغنا، أخذ أحد الشيوخ يذكرنا برحمة الله الواسعة، ويسوق إلينا من أخبار السلف الصالح ما يدعو إلى الرفق في الدعوة. قال إن أول ما ينبغي أن يتحلى به الداعية هو اللين، لا التخويف الذي يزرع الرهبة في القلوب. وأضاف أن بعض الناس قد يردعهم الخوف، ولكن الحب هو الذي يجذب الأرواح إلى الله، لامست كلماته قلوبنا جميعًا، وأحسست أن حديثه يخرج من قلب امتلأ رحمة. وفي المساء، سألت بعض الناس عنه، فكانت إجاباتهم صدمة لم أكن أتوقعها. قالوا إنه يقول ما لا يفعل، ويفعل ما لا يقول، وإن الناس يتحاشون معاملته في أمور المال؛ لأنه، إن استطاع أن يأكل أموالهم بالباطل، لم يتردد.
عدت أحدث نفسي: أيعقل أن يكون اللسان عطرًا بذكر المحبوب، بينما القلب قد خلا من نوره؟ أيبدو على الملامح ما لا يسكن الباطن؟ وكيف ينطق اللسان بالحكمة إذا كانت الروح أسيرة الشهوات؟
ظللت أسأل نفسي: كيف يعيش الإنسان ممزقًا بين الروح والجسد؟ كيف ينتصر بجسده في كل معركة، ثم يظن أنه أدى حق الله بمجرد أنه صلى الصلوات في أوقاتها؟ كيف يقف بين يدي الله خاشعًا، ثم يخرج إلى الناس ينهش حقوقهم، لا يفرق بين الحلال والحرام؟ لم أستطع النوم تلك الليلة، خرجت هاربًا إلى الطبيعة، ألتمس فيها دواءً لأرق طالما طارد جفوني.
كانت الرهبة تبسط صمتها على الكائنات، والكون كله يبدو غارقًا في تسبيح خفي لا تسمعه إلا الأرواح اليقظة. هناك يتضاءل الإنسان، وتنحني نفسه أمام عظمة الخالق. يسرح الخيال في ملكوت الله، ثم يعود خجلًا، مدركًا أنه لن يبلغ إلا طرفًا يسيرًا من بحر قدرته التي لا تحدها حدود، كنت ما أزال على وضوء العشاء، فوقفت أصلي ركعتين، أبتغي بهما القرب منه، وأستشعر بعض فضله الذي لا يحيط به وصف.
ومكثت ساعة تحت السماء، حتى أحسست أن صدري قد انشرح، وأن ترانيم عشق خفية أخذت تهبط على قلبي، تحملني إليه، وتغسل ما علق بروحي من هموم، وجدتُ نفسي أسعى إلى المسجد ذاته الذي صليت فيه بالأمس، كأن طقوس الأمس أصبحت طقوس اليوم أيضًا.
وبعد أن فرغ الشيخ من حديثه عن القلب والمحبة، دار بيني وبينه نقاش حول أولئك الذين لا يعرفون من المحبة إلا كلماتٍ تتردد على الألسنة، قلت له: إن من يعشق الله تمتلئ نفسه بأمره ونهيه، فلا يفيض الحب على اللسان وحده، بل يتسلل إلى كل شاردة وواردة في الإنسان، حتى يصبح الحب مرشدًا وآمرًا. فإذا نبع العشق من القلب نحو المحبوب، صار العاشق كما جاء في الحديث القدسي كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، فكيف يدّعي إنسان أنه عاشق لله، ثم يفعل ما لا يحب الله؟ قال الشيخ، وقد احمرّت وجنتاه وبدا عليه شيء من الغضب: إن كل ابن آدم خطّاء، ولو لم تذنبوا وتستغفروا لذهب الله بكم، ولأتى بقوم يذنبون ثم يستغفرون فيغفر لهم.
قلت: ربما كان ذنب الإنسان الأكبر هو تقصيره في شكر نعم الله، أو عجزه عن أداء العبادة التي تليق بجلاله. فنحن نحب الله، ولكن مهما بذلنا فلن نوفيه حقه، ولن نعبده حق عبادته، قال بنبرة حادة: إنك تخلط الأمور، وأراك تردد كلمات فيها شيء من البعد عن الدين، أو شيء من سوء الفهم.
قلت: أيُّ حلول؟ ومن قال بالحلول حتى تنسب قولي إليه؟ أنا أحدثك عن التقوى حين تخالط القلوب، فتملي على الإنسان ما يأتمر به من أمر الله، فيفعله طواعيةً وحبًا، لا طمعًا في ثواب، ولا خوفًا من عقاب. أحدثك عن ذلك النور الذي يقذفه الله في القلوب والأرواح، تنفّس الرجل بضيق، وأظهر الجالسون معه الضيق نفسه. ثم استأذن وانصرف، وعلى وجهه أمارات الامتعاض. تركنا بلا سلام، وتبعه المحيطون به. ولم ينتظروا، على غير عادتهم، شروق الشمس وصلاة الصبح كما كانوا يفعلون، بقيت في الحلقة وحدي، ومعي عامل المسجد، الذي لم يكن يدرك شيئًا مما دار بيننا. كان ينظر إليّ في دهشة، لكنه فهم أنني أغضبتهم رنّ هاتفه، فقمت وأخذت حذائي، ومضيت نحو الباب. وبعد لحظات أنهى مكالمته، ثم ناداني وقال بشيء من الغلظة
ابحث عن مسجد آخر تصلي فيه. لقد جاءتني مكالمة من مسؤول المسجد أبلغني فيها أن أخبرك بذلك، وقفت مذهولًا. لم أسمع من قبل أن يُمنع إنسان من الصلاة في مسجد.
قلت له: ولكن ألم يخبرك بسبب منعي أنا بالذات؟ وهل من الطبيعي أن يُمنع إنسان من دخول بيت من بيوت الله؟ لم يجب الرجل بشيء. خرجت، فأغلق الباب خلفي. حملتني قدماي إلى الحقول والطرقات، ثم إلى بيت أمي. لا أدري لماذا شعرت بإهانة عميقة مما جرى لي.
كانت أمي، كعادتها، على أهبة الاستعداد لاستقبالي. وجدتها قد أعدّت لي الطعام، وكانت تنتظرني في صمت، كانت دمعة محتبسة في عيني، وما إن وقع بصري عليها حتى انفجرت بالبكاء، ربتت على كتفي، وأقسمت عليّ أن آكل. راحت تخفف عني ألمًا لم تكن تعرف سببه، لكنها كانت تشعر بثقله في ملامحي، وحين غادرت البيت، التفتُّ خلفي، فرأيتها واقفة عند الباب تبتسم. ابتسمت إليها وانطلقت في طريقي.
ليس غريبًا في القرى أن يتحول ما تعتنقه من أفكار، أو تبوح به من رأي أو عقيدة، إلى حديث يتناقله الجميع. فما إن غضب الشيخ حتى غضب له رواد المسجد، ثم حملت القرية كلها غضبه، وكأن ما يخرج من فمه أحكام لا يأتيها الشك، ولا يعتريها النقص. ورغم ما في الشيخ من عيوب البشر، فقد كان يحمل راية الدين، ومن يحملها يصبح في أعين الناس رمزًا للعقيدة.
26
كنت كلما ذهبت إلى مكان استقبلتني نظرات الاحتقار والنفور، وكانت مضايقات الصبية الصغار والشباب، أول ما ألقاه. في البداية واجهتهم بالمحبة، وتقربت إليهم بالكلمة الطيبة والابتسامة، لكن شيئًا لم يبلغ قلوبهم، ولم تصغِ آذانهم لما أقول. وإذا حدثتهم عن الله، بدا كأنني أحدثهم عن إله لا يعرفونه. كان الله عندهم معهم دائمًا، وضد كل من يخالفهم. يدخلهم الجنة مهما ارتكبت نفوسهم من الخطايا، ويدخل غيرهم النار مهما امتلأت حياتهم بالبر والإحسان. حتى أولئك الذين لم يؤذوا أحدًا، ولم يسرقوا، ولم يأكلوا حرامًا، وكانت أرواحهم مأوى للتعساء والمساكين، وتزينت أخلاقهم بالنبل والرحمة، لم يكونوا في نظرهم أهلًا للنجاة.
قال لي أحد الشباب: إنهم لا يستحقون؛ لأنهم لا يعبدون الله، فقلت له: أنتم تعبدون الله ولا تطيعونه، وهم يطيعون الله وإن لم يعرفوه كما تعرفونه. إنهم ينفرون منكم لأنهم لا يرون في أخلاقكم أثرًا لما تدعون إليه.
ومع الأيام اتسعت الهوة بيني وبين الناس، واشتد الحقد على كل ما أقوله، حتى لم أجد ملجأ إلا العزلة. آثرت حجرتي على ضجيج القرية، وانصرفت إلى قراءة الكتاب، والصلاة، وأخذت نفسي بالجوع، والقليل من الطعام، ورشفات الماء بين الحين والآخر، وأكثرْتُ من التسبيح والتهليل والتحميد.
كنت أريد أن أخفف من ثقل الجسد، وأن أرتقي بروحي إلى الملكوت الأعلى، حيث ترى ما يغيب عنها وهي أسيرة اللحم والطين. فالحب يبدد كثافة الجسد، ويمنح الروح صفاءً يشرق في أعماق النفس كوميض لا ينطفئ.
كانت أيامًا من الصعود والارتفاع، شحنت فيها روحي بالمحبة. وبعد أسبوع من العزلة والخلوة خرجت في مساء اليوم الأخير. كنت أمشي بخطوات طفل يتعلم المشي لأول مرة، وكأن العالم يولد من جديد أمام عيني. كل شيء كان يتخلق في مخيلتي، وكل مرحلة تكشف جمالًا جديدًا، وعالمًا أرحب من سابقه. وكلما ظننت أنني بلغت النهاية، اكتشفت أنني ما زلت في البدايات.
كان الكون يتشكل في كل لحظة، ويزداد جمالًا كلما اقترب القلب من الله. فالمحبة توسع الصدر، وتفتح للروح أبوابًا لا يعرفها أكثر الناس، لأنهم شغلوا أعمارهم بما يظنونه مكاسب، وما كل مكسب للجسد إلا حجاب يحول بين الإنسان وبين مراحل أعلى من الرؤية.
ولطالما تساءلت: ألهذا السبب أصر الشيخ على أن يبوح للناس بما رأى؟ هل أراد أن يفتح لهم بابًا لم يعرفوا وجوده؟ أم أن المحبة إذا امتلأ بها القلب عجز صاحبها عن كتمانها؟
كنت أشعر وكأنني أمشي في ممرات الفردوس. تتساقط قطرات المحبة على قلبي، وتتلألأ الأشياء من حولي كأنها تعكس ضوء الماس. ولم يكن ذلك إلا غيضًا من فيض إلهي، حُرم منه أكثر الناس. فلو أنهم أبصروا بعين قلوبهم، لما حُجب عنهم كل هذا الجمال
قد يتعثر الجسد في طريقه، أما الروح فلها قوة تشق سحب الغيب، وتترك الملتصقين بالطين عند حدود الأرض. رحم الله الشيخ حين قال: رأيت ربي بعين قلبي. فلعل عيون القلوب أبصر وأصدق من عيون الأبصار.
كانت قوة هائلة تسري في نفسي، تدفعني إلى الحديث مع الناس، لا رغبة في جدالهم، وإنما لأشركهم في نعيم لم يذوقوه قط، ولأنبههم إلى ما يختبئ في أرواحهم من قوة لا يعلمون عنها شيئًا، وإلى ذلك الجمال المحجوب خلف ضجيج الدنيا وشهواتها. لقد رأيت بعين قلبي، وتمنيت أن يروا هم أيضًا بعيون قلوبهم.
خرجت إلى الشارع، فصادفت أحد رواد حلقة شيخ المسجد. رمقني بنظرة امتلأت كراهية، ثم همَّ أن ينصرف. ناديته قائلاً. لماذا تنظر إليَّ هكذا؟ لقد أحببتك كما أحب الناس جميعًا، ولم أحمل لك يومًا حقدًا ولا حسدًا، بل تمنيت لك الخير كما أتمناه لنفسي.
فقال بحدة: لأنك ضللت، كما يقول شيخنا، ولأنك ممن يقولون بالحلول. قلت: وهل تعرف ما الحلول الذي يتهمني به الشيخ؟ قال: لا أعلم، ولكن الشيخ أعلم منا جميعًا، وهو أدرى بدين الله. فإذا قال إنك ضال، فأنت ضال. نحن نخشى على ديننا من أمثالكم، ممن يريدون هدمه. قلت بهدوء: لقد أخطأ شيخكم فيما يظنه عني، فأجاب في غضب: الشيخ لا يخطئ في دين الله. وإن قابلتني مرة أخرى، فلا تكلمني، ولا تجعل لسانك يخاطب لساني، ثم انصرف مسرعًا.
أكملت طريقي وأنا أحدث نفسي: ما أعجب هؤلاء! إنهم يؤمنون برجال الدين أكثر مما يؤمنون بالدين نفسه، ويثقون بأقوالهم أكثر مما يثقون في هدي الله، عدت إلى البيت، وفي تلك الليلة أصابني صداع شديد لم أعرف له سببًا. قصدت الصيدلية القريبة، فوجدت المكان هادئًا على غير عادته. كان الصيدلي يجلس وحده، يرتجف من برد الليل، وأمامه كوب من الشاي. ألقيت عليه السلام وجلست، وأخبرته بما أشعر به. قاس ضغطي، ثم قال مبتسمًا، ضغطك طبيعي، يبدو أنك مرهق ليس إلا.
ناولني قرصًا مسكنًا، ثم دفع إليَّ كوب الشاي الذي كان أمامه. ولما رأى أنني متردد، نهض وأعد لنفسه كوبًا آخر، ثم صنع لي شايًا جديدًا، بعدما عرف أنني لا أضع إلا قليلًا من السكر، تجاذبنا أطراف الحديث، فوجدت فيه رجلًا مثقفًا، رقيق الطبع، مهذبًا في كلامه ومعاملته. كان يعاملني بما لم أجده عند غيره من أهل القرية، ولم يكن ذلك لأنه صاحب صيدلية يحرص على إرضاء زبائنه، فأنا في الحقيقة لم أكن زبونًا. كان يعلم أنني لا أملك من المال شيئًا، ويذكر أنني قبل أشهر استدنته خمسة جنيهات، وهو يدرك أنها لن تعود إليه أبدًا، ومع ذلك لم يذكرها مرة واحدة.
كان يشعر أنني كثير القراءة، ويستغرب كيف انتهيت إلى تلك الهيئة التي ينظر بها الناس إليَّ بازدراء. قال لي مرة: لا تبدو كما يصفك الناس، بل أراك من أعقل من عرفت، راوغته في الحديث، فأنا أكره أن أفتح أبواب حياتي الماضية، ففيها من الألم ما لا أحب أن يطلع عليه أحد. انتقل حديثنا إلى الأدب، ثم إلى أبي العلاء المعري؛ تحدثنا عن فقده البصر صغيرًا، وعن بصيرته التي نفذت إلى أعماق النفوس، وعن حكمته، وزهده، وشعره الذي تجاوز عصره، ومن الأدب انتقلنا إلى الدين والناس.
قال الصيدلي: من خلال عملي، اكتشفت أن هناك فجوة كبيرة بين تدين الناس وفهمهم للدين. إنهم شديدو الحماس له، لكن كثيرًا منهم لا يعرفون حقيقته. يظنون أن الصلاة وحدها تكفي، ثم يفعلون بعد ذلك ما يشاؤون، ويحسبون أنهم قد أدوا حق الله. ثم نظر إليَّ وقال: ومع ذلك، فإن ما يقال عنك جعل الناس يرونك خارج دائرة الدين.
قلت: ما يقال عني لا يقوم على حقيقة. ولو حكم الناس عقولهم، وتركوا للروح مكانًا في حياتهم، لما اندفعوا وراء كل تهمة يسمعونها، تناولت القرص، وأفرغت ما بقي من كوب الشاي، ثم اعتذرت له وانصرفت، فقد كنت أشعر بإرهاق شديد.
وقبل أن أغادر وعدته أن أحضر له كتابًا عن أبي العلاء المعري. وفي الليلة التالية أوفيت بوعدي، فأعطيته الكتاب، ووعدني أن يقرأه ثم يعيده إليَّ. غير أن الأيام مضت، ونسيت أمر الكتاب، وربما كنت أستحي أن أطالبه به، وأنا أعلم أن هيئتي البائسة كانت تؤلمه أكثر مما تؤلمني.
27
اعتزلت الخروج نهارًا تفاديًا لنظرات الناس وشغب الصغار. فقد أصبحت، في نظرهم، مخبولًا بعد أن أطلق عليَّ الكبار هذا اللقب، لأنني كنت أحدثهم عن الحب والقرب من الله، وعن غذاء الأرواح، وهي أشياء لم يجدوا لها مكانًا في عالمهم.
في كل مساء كنت أتجه إلى مشروع المياه، وكان الوصول إليه يقتضي السير طويلًا بين الحقول. أجلس هناك ساعات، أستعيد ذكريات الشيخ، وتأملاته، وآلامه. أحدق في المياه الجارية، وأسائلها عن الأراضي التي قطعتها، وعن اختلاف الناس وتبدل أهوائهم. أحدثها عن الله، وعن الحب، وعن كل شيء؛ لكنها كانت تمضي في طريقها، لا تنتظر لتجيبني، أو لعلها لم تكن تملك جوابًا.
أحيانًا كنت أغني، وأحيانًا أخرى أكتفي بالإنصات إلى موسيقى الصمت. كنت أشعر أن الكون كله يشاركني هذا السكون، فأذوب في الوجود، وأكتشف في وحدتي جمالًا لم أعرفه من قبل. وظلت قدماي تقودانني إلى ذلك المكان ليالي طويلة، كأن بيني وبينه موعدًا لا يخلف.
وفي بعض الليالي كنت أصادف فلاحين يقصدون حقولهم ليلًا، فقد كانت نوبات الري تأتيهم في ساعات متأخرة، ولم يكن في وسع أحدهم أن يفرط في دوره حتى لا تجف زروعه، ارتاب بعضهم في أمري أول الأمر. فإذا سألني أحدهم عن سبب وجودي في هذا المكان في تلك الساعة، بدا الارتباك في صوته، وارتسم الخوف على وجهه، وكأنه يظنني ممن يخاوون الجن، أو ملبوسًا، أو ـ في أفضل الظنون ـ مجنونًا يحدث نفسه. ثم يبتعد عني، وتظل حكاية المعتوه تتردد على ألسنة الناس أيامًا وليالي.
وفي إحدى الليالي، وبعد أن ألف بعضهم وجودي وزال خوفهم مني، ناداني أحد الفلاحين. كان قد أشعل نارًا صغيرة وأعد إبريق الشاي، ولعله أراد من يؤانسه في تلك الساعات. ذهبت إليه، وجلسنا حول النار بينما كان يصب الشاي. قال لي: ألا تخاف من جلوسك الطويل عند مجرى الماء؟ قد يؤذيك جني أو يصادفك لص هارب، قلت: لم يخطر ببالي شيء من هذا. حين أنفرد هناك إنما أتأمل الحياة. أشعر بسكينة تغزو قلبي، وأرى بديع خلق الله فيما حولي. حتى صوت ماكينة الري التي تديرها لتسقي أرضك، وهي تشق سكون الليل، يملأني رهبة من الله. حتى هذا الصوت يقربني منه.
هز رأسه وقال: لا أفهم ما تقول، ولكني أنصحك. الدنيا لم يعد لها أمان، ونحن في زمن يقتل فيه الأخ أخاه من أجل المال، ويبيع الإنسان ضميره بثمن بخس.
قلت له: لا تخش شيئًا ما دمت مع الله، فمن كان مع الله فلن يضيعه شيء، انتهينا من الشاي، واستأذنته في الرحيل، بينما عاد هو إلى عمله بين الحقول.
كان البسطاء لا يعنيهم من الحياة إلا لقمة طيبة، ويوم يمضي في هدوء. لا يشغلهم الفكر، ولا يؤرقهم سؤال الروح. تستغرقهم لقمة العيش حتى يتعثروا في الطرقات وهم يطاردونها، ويكدحوا حتى آخر العمر من أجل ما يسد الرمق ويبقيهم على قيد الحياة. أما أنا، فكنت أسير في الطريق أركل الحجارة بقدمي وأزيحها إلى جانبيه، بينما تدور رحى الحياة غير عابئة بأحد. لا تتوقف من أجل قلب مكلوم، ولا من أجل ضعيف يتألم، ولا من أجل مريض يئن، ولا من أجل روح قلقة تبحث عن ذاتها التائهة.
عندما وصلت إلى البيت، أشعلت سيجارة وجلسـت في زاوية الغرفة. كانت أمامي مائدة صغيرة، تشبه تلك التي كنت أجلس إليها كلما أملى عليَّ الشيخ كلماته. أوراق مبعثرة، وقلم ينتظر، وغرفة ضيقة أخذت مع الأيام تشبه زنزانته أكثر مما تشبه بيتًا. شعرت أنني لست أكتب أفكاري وحدي، بل أواصل حديثًا بدأه الشيخ ولم يكتمل.
إن أجسادنا تمسك بأرواحنا كما تمسك القيود بالأسرى. تجوع فنركض خلفها، وتشتهي فنطيعها، وتخاف الألم فننحني لها. نظن أننا نعبد الله، بينما كثير منا لا يعبد إلا حاجاته، ولا يسجد إلا لما يضمن له سلامة الجسد ومتعه، كم من الناس يرجون الجنة لأنها مائدة لا تنفد، وخمر لا ينقطع، ونعيم لا يزول، ويهربون من النار لأنها تحرمهم مما ألفته أجسادهم. فأين القلب في كل ذلك؟ وأين الحب الذي لا يطلب ثمنًا؟ وأين الشوق الذي يجعل الإنسان ينسى نفسه لأنه وجد محبوبه؟
إن الحب لا يعرف التجارة. الحب يذيب صاحبه فيما يحب حتى لا يبقى له من نفسه إلا أثر خافت، كنت كلما نظرت إلى الناس ازددت يقينًا بأن أكثرهم يحملون في صدورهم قلوبًا مثقلة بأقفال لا تُرى، وسلاسل لا يسمع أحد صليلها. تحجبهم شهواتهم عن الحقيقة، وكلما ازدادوا تعلقًا بمتاع الدنيا ازدادت بينهم وبين أرواحهم مسافات جديدة. يظنون أنهم يقتربون من السعادة، بينما هم يضيفون ستارًا آخر يحجب عنهم نورها، ولو استطاع الإنسان أن يرفع حجابًا واحدًا من تلك الحجب، لرأى كم كان أعمى وهو يظن نفسه مبصرًا، ولأدرك أن كثيرًا مما يسعى إليه هو نفسه ما يمنعه من الوصول إلى ما هو أعظم وأبقى؟
كأن الحياة تبتسم ساخرة وهي ترى الناس يتعلقون بأذيالها، يتقاتلون على فتاتها، ويرفعون أكفهم إليها يرجون منها ما لا تملكه، بينما يغيب عن أبصارهم النعيم الذي لا يفنى، والسكينة التي لا يمنحها إلا الله لمن عرف طريقه إليه.
لم تكن دعوتي يومًا حربًا على الأغنياء، ولا دفاعًا عن الفقراء لأنهم فقراء. لم يكن همي أن تتبدل موائد الناس، بل أن تتبدل قلوبهم. فما قيمة العدالة إذا بقي القلب أسير الخوف والطمع؟ وما جدوى الشبع إذا ظلت الروح جائعة؟
كل ما أردته أن أقف مع الناس على طريق الحقيقة، وأن أزيح عن أعينهم شيئًا من الضباب الذي طالما حجبها. دعوتي ليست لدين بعينه، ولا لقوم دون قوم، بل لكل إنسان يبحث عن نفسه قبل أن يبحث عن الدنيا، ولكل قلب يريد أن يعرف كيف يحب قبل أن يعرف كيف يطلب، رحم الله الشيخ، كان يقول ويكرر القول: لم أرد سلطانًا، ولا سعيت إلى رياسة، ولم أحمل سيفًا في وجه أحد. كل ما فعلته أنني أشرت إلى نور ليس من صنعي، وقلت للناس: انظروا... فلعل وراء هذه الحجب حقيقة تستحق أن تعاش، وحبًا يستحق أن يفنى الإنسان فيه. إنني لا أساق إلى الموت لأنني دعوت إلى الشر، بل لأنني دعوت الناس أن يرفعوا الغشاوة عن أعينهم، وأن ينظروا بأرواحهم لا بأجسادهم، وأن يعرفوا أن الحقيقة لا تُمنح دفعة واحدة، بل تُكشف حجابًا بعد حجاب، حتى يذوب القلب فيما عرف، ولا يبقى فيه إلا الله.
لم تكن نظرات الازدراء التي تلاحقني أينما حللت تضايقني، بل كنت أشفق على أصحابها، وعلى صورة الدين التي تعكسها أفعال تناقض حقيقته. فقد كانت كل جماعة من تلك الجماعات الكثيرة ترى أن الله حكر عليها، وأن الحقيقة لا تتجاوز حدودها، وأن النجاة لا تكون إلا في الطريق الذي تسلكه، أما سائر الطرق فلا تفضي إلا إلى الجحيم. هم وحدهم يحبون الله، وهم وحدهم يحبهم الله، وما عداهم أعداء لدينه، متربصون به، يريدون هدمه، وكأن غيرهم لا يطلب النجاة، ولا يسعى إليها بقدميه وعقله وقلبه.
خرجت قبل صلاة الجمعة متجهًا إلى المسجد، فالتبكير إليها سنة، وفيه استعداد وتهيئة للنفس كي تتلقى كلمات توقظ الضمير وتذكر بالله. وبينما كنت أنتظر، تناولت كتابًا قديمًا من أحد الرفوف المجاورة للمنبر. تأملت غلافه البالي، وسألت نفسي: كم يدًا تناقلته؟ وكم عقلًا مر على صفحاته؟
كيف استقبل كل قارئ ما فيه؟ هل ازداد إيمانًا، أم دخله الشك؟ هل أغرورقت عيناه بالدموع، أم ارتسمت على شفتيه ابتسامة رضا؟ هل فهمه فهز أعماقه، أم أنكره فأغلقه ومضى؟ هل ألقى به أحدهم بعيدًا حتى اتسخ غلافه، بينما احتضنه آخر بمحبة وشغف؟
إن القراءة فعل حي، لا يمكن أن تمر دون أثر. إنها تترك في النفس انفعالًا، لكنها لا تترك الأثر نفسه في الجميع. تختلف باختلاف العقول، والأزمنة، والبيئات. قد توسع دائرة الإيمان في قلب إنسان، وقد تثير في آخر أسئلة لم تخطر له من قبل. قد تبني قيمًا، وقد تهدم أوهامًا، لكنها لا تترك القارئ كما كان قبلها، بل تضيف إليه شيئًا، أو تنتزع منه شيئًا.
الوقوف على الشاطئ لا يعلمك شيئًا عن البحر. لا بد أن تبحر، وأن تواجه أمواجه، وتغوص في أعماقه، وتكتشف أسراره بنفسك. عندها فقط يصبح حديثك عن البحر حديث من رآه، لا حديث من سمع عنه، أما نحن، فكثيرًا ما نصدر أحكامًا يقينية ونحن لم نغادر الشاطئ بعد. نصف البحر، ونتحدث عما يخفيه في أعماقه، ونزداد يقينًا كلما ازددنا جهلًا، حتى نصدق أوهامنا ونحسبها حقائق.
وبعد قليل، صعد الخطيب إلى المنبر. دار حديثه كله حول أهوال القيامة، والعذاب، والنار، وسوء عاقبة المذنبين. سنوات طويلة، والخطاب نفسه يتكرر، حتى امتلأت القلوب بالخوف، وكأن الدين لم يعد يحمل إلا الوعيد.
كان يردد أن كل ما أصاب الأمة من بلاء إنما هو ثمرة ذنوبها، وأن الفساد يزداد كلما ابتعد الناس عن ربهم. لكنني كنت أتساءل في صمت: ألم يبق في هذه البلاد أناس يعملون بإخلاص؟ أناس يحبون أوطانهم، ويؤدون أعمالهم بأمانة، ويسعون إلى الخير دون ضجيج؟
ثم أخذت أقارن بين ما أراه حولي، وبين ما نسمعه عن أمم أخرى نصنفها بأنها «بلاد كفر». هناك تقوم العدالة على الجميع، ويعلو القانون على الأشخاص، وتُحترم كرامة الإنسان، بينما نحن نغرق في العصبية التي جاء الدين ليقضي عليها.
كيف ندعوهم إلى أن يتركوا ما بلغوه من عدل واحترام للإنسان، ليقبلوا ظلمًا أو تعصبًا نمارسه نحن باسم الدين؟ ألن تبدو دعوتنا لهم دعوة إلى التراجع لا إلى التقدم؟
كان الخطيب يؤكد أن الله عادل، ثم يحكم في الوقت نفسه على أمم كاملة بالنار، رغم ما فيها من صدق وعدل ورحمة، ويعدنا نحن بالجنة، ولو غرقنا في الظلم والفرقة والتخلف، وفي نهاية الخطبة رفع يديه يدعو على الأعداء، بينما كنت أتساءل في داخلي: من هم الأعداء حقًا؟ أكل من اختلف معنا صار عدوًا لله؟ وأكل من أحب العدالة، وسعى إلى المعرفة، واحترم الإنسان، أصبح مستحقًا للعذاب؟
خرجت من المسجد، وأنا أكثر حيرة مما دخلت. كل ملة تزعم أنها وحدها الناجية، وكل فرقة ترى أن الحق وقف عليها، وما سواها إلى النار ولو اتبعت واحدة منها، لكنت مؤمنًا في نظرها، وكافرًا في نظر غيرها. ثم إن كل فرقة تنقسم إلى فرق، وكل مذهب إلى مذاهب، وكل رأي إلى آراء، حتى يتحول الإنسان إلى تائه في متاهة لا تنتهي وفي نهاية المطاف، يجد نفسه مطرودًا من رحمة هذا الفريق، ومن رضا ذاك، حتى يشعر أنه غريب في الأرض، غريب بين الناس. وصدق رسول الله ﷺ حين قال: بدأ الإسلام غريبًا، وسيعود غريبًا كما بدأ. : ولم أعد أدري: هل الغربة أن تختلف عن الناس، أم أن الغربة الحقيقية أن تفقد نفسك وأنت تحاول أن تكون مثلهم.
28
في مساء أحد الأيام خرجت من البيت، وقد اشتد بي الجوع ولم أجد في حجرتي ما أسد به رمقي. قلت في نفسي: ألتمس بعض المال ممن اعتادوا مساعدتي، كانت شوارع القرية تضج بالحركة؛ فعيد الأضحى على الأبواب، والناس يتزاحمون على شراء الملابس ومستلزمات العيد. وكانت الأيام أيامَ نفحاتٍ مباركة، موسم الحج والعشر الأوائل من ذي الحجة، حيث يصوم أكثر أهل القرية تقربًا إلى الله وطمعًا في مضاعفة الأجر.
كنت أرى جموعًا تتحرك في كل اتجاه، غير أنني كلما مررت بجماعة من الرجال أو الشباب التقطت همسات مكتومة تتبعها ضحكات خافتة. أشار أحد الشباب نحوي، فلم ألتفت، وظننته يسخر من هيئتي الرثة. وما إن ابتعدت عنهم خطوات حتى سمعت صوتًا مرتفعًا يهتف: يا ملحد. عرفت أنه يقصدني، لكنني واصلت السير كأنني لم أسمع شيئًا. غير أن الكلمة استقرت في صدري كشوكة. لم يؤلمني وصفهم لي بقدر ما آلمني أنهم جعلوا الله حكرًا عليهم، يوزعون الناس بين مؤمن وكافر، ويمنحون أنفسهم حق الحكم على القلوب.
دخلت شارعًا مزدحمًا بالباعة، وشققت طريقي بين الحشود حتى وصلت إلى الصيدلية. جلست قليلًا أتبادل الحديث مع الطبيب، وكان الحياء يمنعني من أن أطلب منه شيئًا من المال. وحين هممت بالمغادرة ناداني قائلًا: بقي لك عندنا بعض المال من ثمن دواء اشتريته منذ مدة، لكنك لم تعد لتأخذه. ابتسمت شاكرًا، وأخذت ما أعطاني. اشتريت قليلًا من الطعام، وبعض الشاي والسكر، ثم عدت إلى البيت.
غير أنني اخترت طريقًا آخر للعودة حتى لا ألتقي بذلك الشاب مرة ثانية. لكن الهمسات لم تختفِ، بل وجدتها في وجوه أخرى أيضًا. عندها خمنت أن الشيخ الذي صليت معه الفجر وجلست في حلقته قد ذكرني أمام الناس، ونقل عني ما رآه انحرافًا وجهلًا بالدين. لعل حديثي عن المحبة بدا لهم حلوًا في ظاهره، لكنه في نظرهم كان سمًا خفيًا يجب التحذير منه.
وفي قريتنا كانت الشائعة تجد دائمًا عقولًا فارغة تحتضنها، فلا تلبث أن تنتشر انتشار النار في الهشيم. ورأيت بعض تلاميذ الشيخ يتهامسون كلما مررت، ثم أخذوا يحرضون الصغار على السخرية مني، حتى صار بعضهم يتبعني في الطرقات ويردد: هذا مجنون... هذا ملحد. قلت في نفسي: إنها أيام قليلة، ثم يهدأ كل شيء وينسى الناس الأمر.
.
لكنني كنت مخطئًا. فقد وضعني الشيخ في رأسه، وأعلن علي حربًا صامتة، سلاحها الوشاية وتشويه السمعة، يعاونه في ذلك تلاميذه الذين كانوا يلتفون حوله بعد صلاة الفجر في حلقات تلاوة القرآن.
عدت إلى حجرتي، فأعددت طعامًا بسيطًا، وصنعت كوبًا من الشاي. ثم وقع بصري على كتاب الشيخ، فشعرت بقوة غريبة تسري في نفسي. ذكّرني بأنني عاهدت نفسي، بعد أن وجدتها، ألا أفقدها مرة أخرى خوفًا من الناس أو من أحاديثهم. أشعلت سيجارة، وسحبت منها نفسًا عميقًا، كأنني أزيح عن صدري حملًا ثقيلًا. ثم وضعت رأسي على الوسادة، وما هي إلا لحظات حتى استغرقني نوم عميق.
زارني أخي على غير عادته، وكانت تلك هي المرة الأولى التي يأتي فيها إلى حجرتي. تساءلت بيني وبين نفسي: هل حدث شيء؟ هل أصاب أمي مكروه؟ لم يخطر ببالي قط أنه جاء ليأخذني معه إلى البيت. كانت حكاية ذلك المعتوة قد أخذت تدور على ألسنة الناس، فأحرجته كما أقلقت أمي، فأرسلته إلي يرجوني أن أعود، فأعيش بينهم من جديد. كنت أكن له احترامًا شديدًا، لكنه كان يختلف عني اختلافًا كبيرًا. نشأنا في بيت واحد، وربانا أب واحد وأم واحدة، ومع ذلك كنا نختلف في كل شيء، حتى ليكاد ما يجمعنا يقتصر على بقايا الاسم وبعض الملامح التي تشهد بأن لنا جذورًا واحدة.
كان لكل منا طموحه وأحلامه، لكنها لم تختلف في الدرجة، بل في الماهية والجوهر. كأن كل واحد منا جاء من عالم لا يمت إلى عالم الآخر بصلة. كان هو امتدادًا طبيعيًا لأبي وأمي، أما أنا فكنت نبتة شاردة، خليطًا من تناقضات لا تنتهي. كان يميل إلى الفكاهة ومخالطة الناس، بينما كنت أميل إلى العبوس والعزلة والوحدة.
قال لي: أمي امرأة كبيرة في السن، فلا تكن سببًا في شقائها في أيامها الأخيرة. ظل يحدثني طويلًا، لكن شيئًا لم يكن قادرًا على إقناعي بالعودة. كنت أعلم أن وجودي بينهم سيزيدهم شقاء، وأن ما يقوله الناس اليوم سيطويه النسيان غدًا.
قلت له: لا ترهق نفسك بما يقال عني. الناس يبالغون دائمًا، ولن يصيبني مكروه كما تخشى أنت وأمي. سأمر عليها غدًا وأطمئنها بنفسي. انصرف وهو يجر خلفه حزنًا ثقيلًا. لكن لماذا كل هذا الخوف؟ ربما سمع هو وأمي شيئًا لم يصل إلى أذني، غير أنني لم أتصور يومًا ما الذي يمكن أن يحدث.
وفي مساء ذلك اليوم، سمعت صوت ارتطام حجر بزجاج النافذة. اقتربت، فإذا بورقة صغيرة مربوطة بحجر اخترقت النافذة واستقرت على الأرض. أسرعت إلى النافذة، فلم أر إلا ظهر رجل ملثم يبتعد مسرعًا. فتحت الورقة. كانت رسالة تهديد صريحة بالموت. إن لم تستتب، فالموت جزاؤك.
استتابة؟! ومم أستتيب؟ وأي موت هذا الذي يرسل رسائله مع الحجارة؟ عندها فقط أدركت سبب خوف أخي وأمي. لا بد أنهما سمعا مثل هذه التهديدات، ولذلك جاء أخي يرجوني أن أعود إلى البيت، لم أكترث كثيرًا بالورقة ولا بما حملته من كلمات. قضيت الليل في الصلاة والتسبيح، ثم خرجت في آخره إلى شاطئ مجرى المياه ألتمس نسيم الفجر وخلوة الطبيعة.
وأنا أسير، خيل إلي أن أقدامًا تتبعني. كنت أسمع حركة بين الزراعات كلما هدأ الليل. توقفت لحظة، ثم قلت في نفسي: لعلها قطة، أو كلب، أو جرذ يشق طريقه بين الحقول، هل كنت خائفًا؟ لا. لم أخرج من حجرتي هربًا من الخوف، بل خرجت لأن قلبي كان مطمئنًا بالله جلست ساعة أحدق في صفحة الماء، ثم نهضت متجهًا إلى المسجد القريب من بيتنا لأصلي الفجر، ثم أمر على أمي كما وعدت أخي، وفي طريقي لمحت عيونًا تحمل شرًا مكتومًا، رغم أنها كانت خارجة لتوها من بيوت الله. ألقيت السلام، لكن أحدًا لم يرد علي. مضيت في طريقي، وقد ازداد يقيني أن شيئًا ما يتحرك في الخفاء.
وجدت أمي واقفة عند الباب، كأنها كانت تنتظرني منذ الفجر. بدت وقفتها مريبة، ولم أحتج إلى سؤالها؛ فقد كان وجهها يخبرني بما يعجز اللسان عن قوله. لعل قلبها كان يحدثها بأن أمرًا ثقيلًا يقترب. فما من قلب أشد قلقًا من قلب أم تخشى على ولدها، حتى يتحول خوفها إلى هاجس لا يفارقها. أشرت إليها من بعيد، فبادلتني ابتسامة باهتة، ليست تلك الابتسامة التي كانت تستقبلني بها دائمًا. حاولت أن أبدو مطمئنًا، وأن أخفف عنها ما استطعت، فقد أثقلتها سنوات تمردي وغربتي. أعدت لي فطورًا بسيطًا، فجلسنا نتناول الطعام ونشرب الشاي في صمت، كأن كل واحد منا يخفي عن الآخر ما يعتمل في صدره. ولما هممت بالانصراف، أصرت أن أبقى حتى موعد الغداء ثم دخلت الغرفة، وهيأت فراشي القديم كما كان في الماضي، وقالت بصوت خافت. نم قليلًا... سأوقظك عند الغداء.
لم أشأ أن أثقل عليها برفضي، فاستجبت لرغبتها، وتمددت على الفراش الذي غادرته منذ زمن، وكأن الأيام قد عادت بي إلى طفولتي، دون أن أدري أن الساعات القادمة ستطوي آخر ما بقي من تلك الحياة.
29
لا أدري لماذا لم تفارق كلمات أمي ذهني في تلك الليلة: أحكم غلق الباب. دخلت حجرتي مع بداية المساء وظلت وصيتها تردد على مسامعي. كنت دائما أتركه مواربا، فما الذي أملك حتى يطمع فيه أحد؟
أعددت كوبًا من القهوة، بينما كان خوف غامض يتسلل إلى قلبي دون سبب. كان الجو باردًا في الخارج، وقد انقطعت حركة القرية بعد أن عاد الفلاحون إلى بيوتهم يسوقون مواشيهم، وخفتت الأصوات حتى خُيِّل إليَّ أن الدنيا قد غرقت في صمتها ما أجمل هذا الهدوء، لو أدرك الناس معنى التأمل فيما يحيط بهم.
ارتشفت قليلًا من القهوة، وتركت الموقد مشتعلاً أستدفئ بناره، أستمع إلى قطرات المطر وهي ترتطم بالسقف فتشق سكون الليل مددت يدي إلى كتاب عن السهروردي، وفتحت الفصل الذي يروي أيامه الأخيرة. كان يناجي نفسه في محبسه، يقول: لم أكن إلا طالبًا للحقيقة، أرى أن الرحمة هي الدين الجامع، وأن الطرق إلى الله كثيرة، وإن اختلفت وجوهها. فلو شاء الله لجعل الناس أمة واحدة، لكنه شاء الاختلاف، ليكون تنوعهم سر الحياة، لا سبب فنائها أنظر إلى الكون من حولي؛ فلا نجم يشبه نجمًا، ولا ورقة تشبه أختها، ولا سحابة تسير على هيئة الأخرى، فكيف يريد الناس أن يحملوا البشر على عقيدة واحدة وفكر واحد؟ لقد قابلت في أسفاري أناسًا من شتى الأديان، فما رأيت إلا قلوبًا تبحث عن الله، لكنها تظن أنها وحدها تملكه. لذلك تتقابل السيوف، وتسفك الدماء باسم الإله الواحد.
فلماذا يدعونني كافرًا؟ ولماذا يستبيحون دمي؟ أأحببت الله أكثر مما يحتملون؟ أم لأنني رأيته أوسع من حدودهم؟ ستة وثلاثون عامًا أفنيتها في البحث عن الحقيقة، ثم انتهى بي المطاف في زنزانة ضيقة، أنتظر الموت جوعًا وعطشًا. لكن عذاب الجسد أهون من عذاب الروح حين ترى الحقيقة ثم تُصلب من أجلها.
ها هو النور يقتحم سجني. لا أرى شيئًا سوى النور. إنه إشراق النفس، حين تتحرر من أسر الجسد، وتصعد إلى الملكوت، حيث لا جوع ولا ظمأ ولا خوف، بل حب لا ينطفئ، ونور لا يغيب. كانت كلماته تنفذ إلى أعماقي كأنها تخاطبني أنا
وفجأة سمعت صوتًا خارج البيت، اقتربت من النافذة في حذر، فرأيت ثلاثة رجال ملثمين، يبدون في مقتبل العمر. كانوا يطوفون حول البيت يبحثون عن منفذ للدخول. حاول أحدهم تسلق الحائط فلم يفلح.
فقال آخر: أطرق الباب، توالت الطرقات عنيفة، تهز الباب هزًا. وقفت خلفه مترددًا، ثم فتحته بحذر شديد، وما إن هممت بإغلاقه من جديد، حتى دوى صوت طلقة نارية أصابت ذراعي، تراجعت إلى الداخل، بينما أشعلوا النار في جوانب البيت. كانت قطرات المطر قد توقفت، فألقوا زجاجات البنزين على السقف، فاشتعلت النيران سريعًا، وارتفعت ألسنتها تلتهم الخشب اليابس كانوا يقفون غير بعيد، يراقبون احتراق البيت.
انتشلت كتاب الشيخ، وفتحـت النافذة في حذر، ثم قفزت إلى الخارج، وانطلقت بين الحقول المظلمة. لم يلحظني أحد، بينما كان الدم ينزف مني.
طرقت باب أمي، فتحت الباب كأنها كانت تنتظرني. لم تكن قد نامت؛ كان قلبها يستشعر أن مكروهًا قد وقع. ما إن رأتني حتى احتضنتني، وهي تصرخ مذعورة، ثم أيقظت أخي ليذهب مسرعًا في طلب الطبيب وضعت رأسي على حجرها، وكانت دموعها الساخنة تتساقط على وجهي. راحت تضغط على موضع الجرح بكلتي يديها، تحاول إيقاف النزيف لكنني كنت أعلم أن الجرح ليس سبب موتي لم تكن الرصاصة هي التي تقتلني، بل كانت روحي هي التي تنسحق في داخلي، وتتداعى في صمت، معلنة أنها لم تعد تحتمل البقاء في عالم يضيق بالحب، ويصلب كل من يبحث عن الحقيقة.
ـــــــــــــــــــــــــــ انتهت الرواية للكاتب: خالد دومة ـــــــــــــــــــــــــــ
الجزء الأول:
الجزء الثاني: