الجفاف يضرب الطاقة النووية فى أوروبا.. المجر تغلق مفاعلاتها.. ورومانيا لتوذ إلى التفجير.. فرنسا توقف 3 مفاعلات كبرى.. إسبانيا تراقب احتياطياتها.. وتحذيرات من تداعيات مناخية تطالب ألمانيا وصرييا وبلغاريا

الجمعة، 07 أغسطس 2026 01:00 ص
الجفاف يضرب الطاقة النووية فى أوروبا.. المجر تغلق مفاعلاتها.. ورومانيا لتوذ إلى التفجير.. فرنسا توقف 3 مفاعلات كبرى.. إسبانيا تراقب احتياطياتها.. وتحذيرات من تداعيات مناخية تطالب ألمانيا وصرييا وبلغاريا الجفاف

فاطمة شوقي

يشهد صيف 2026 واحدا من أكثر المواسم حرارة وجفافا فى تاريخ أوروبا، مع موجات حر قياسية وانهيار فى مناسيب الأنهار الرئيسية، مما وضع قطاع الطاقة النووية فى مواجهة اختبار وجودى غير مسبوق، فالمفاعلات النووية، التي تعتمد بشكل حيوي على كميات هائلة من المياه لتبريد أنظمتها، وجدت نفسها مهددة بالإغلاق بسبب انخفاض مناسيب الأنهار وارتفاع حرارة المياه، في تناقض صارخ: فالمصدر نفسه الذي يولد طاقة نظيفة وخالية من الكربون، أصبح رهينة لتغير مناخي يجعله عرضة للخطر.

 

المجر.. محطة باكش على حافة الهاوية

في المجر، وصلت الأزمة إلى ذروتها عندما اضطرت الحكومة إلى إيقاف ثلاثة من أربعة مفاعلات في محطة "باكش" النووية، الوحيدة في البلاد والتي تنتج نحو نصف احتياجاتها الكهربائية (بين 37% و50% حسب التقديرات). وكان السبب المباشر هو انخفاض منسوب نهر الدانوب إلى مستويات قياسية، مما جعل سحب المياه اللازمة لتبريد التوربينات أمراً شبه مستحيل.


وتراجع الإنتاج من 2000 ميجاواط إلى 240 ميجاواط فقط، مع بقاء مفاعل واحد يعمل بصعوبة بالغة. واضطر رئيس الوزراء بيتر ماجيار إلى إطلاق نداء عاجل للمواطنين لتقليل استهلاك الكهرباء بين الساعة الخامسة والعاشرة مساءً، محذراً من أن البلاد قد تواجه أزمة طاقة حقيقية في الأيام المقبلة.


ووصف ماجيار الموقف بأنه "تاريخي"، مشيراً إلى أن المحطة التي تعمل منذ 44 عاماً لم تشهد قط مثل هذا التهديد، وأن ارتفاعاً طفيفاً في منسوب النهر – حوالي سنتيمتر ونصف فقط – هو ما أنقذ المفاعل الرابع من التوقف الكامل. وأضاف أن منسوب الدانوب كان على بعد ملليمترات فقط من الوصول إلى نقطة الخطر التي تجعل تبريد المفاعلات مستحيلاً.
ولم تقتصر تداعيات الجفاف في المجر على الطاقة، بل امتدت إلى النقل النهري والسياحة، حيث توقفت حركة الشحن تقريباً، وألغيت رحلات كروز، بل وكشف الجفاف عن قنابل وألغام من الحرب العالمية الثانية كانت مدفونة في قاع النهر، مما زاد من تعقيد الأوضاع.

 

رومانيا ..تفجير عسكري لإنقاذ تشيرنافودا

في رومانيا، كانت الأزمة مشابهة لكنها اتخذت منحى عسكرياً دراماتيكياً. فمحطة "تشيرنافودا" النووية، الوحيدة في البلاد، واجهت تهديداً وشيكاً بالإغلاق بسبب انخفاض منسوب الدانوب الذي يغذيها بالمياه. ولم تكتفِ السلطات بالمراقبة، بل لجأت إلى خيار غير مألوف: قام الجيش الروماني بتفجير تحت الماء باستخدام 180 كيلوجراماً من المتفجرات لإزاحة صخرة كانت تعيق تدفق المياه نحو المحطة، في محاولة يائسة لتجنب انقطاع أي من مفاعلاتها. كما تم تأجيل عملية إغراق أربع بارجات في الدانوب بهدف زيادة تدفق المياه نحو المحطة.


وقال وزير الدفاع بالنيابة، رادو ميروتا، إن "كل يوم إضافي من تشغيل تشيرنافودا يمثل فائدة قابلة للقياس لرومانيا"، في إشارة إلى الأهمية الاستراتيجية للمحطة التي تغذي شبكة الكهرباء الوطنية.

 

وفي تصريح أكثر قتامة، حذر رئيس الوزراء إيلي بولويان من أن انقطاع التيار الكهربائي قد يستمر بين أسبوع وأسبوعين، واصفاً الوضع بأنه "أزمة طاقة إقليمية"، بسبب انخفاض الدانوب إلى أدنى مستوياته في 40 عاماً، حيث بلغ التدفق 1450 متراً مكعباً في الثانية مع توقعات بانخفاضه إلى 1400، وهي أرقام تجعل تشغيل المحطات النووية والهيدروليكية على حد سواء أمراً بالغ الصعوبة.


كما أشار بولويان إلى أن "الصعوبات الناجمة عن الجفاف تتفاقم بسبب محدودية الروابط العابرة للحدود مع أوروبا الوسطى والغربية"، مما يعني أن رومانيا لا تستطيع الاعتماد على استيراد الكهرباء من جيرانها لتغطية العجز.

 

فرنسا.. إيقاف 3 مفاعلات بسبب انخفاض الأنهار

في فرنسا، الدولة الأكثر اعتماداً على الطاقة النووية في العالم (نحو 70% من إنتاج الكهرباء)، كانت الصدمة أيضاً قوية. أعلنت الشركة الحكومية "إي دي إف" عن إيقاف ثلاثة مفاعلات في محطتي "شوز" و"كاتونوم" بسبب انخفاض منسوب نهري الموز والموسيلا، وهما النهران اللذان يزودان المحطتين بمياه التبريد. كما خفضت أو خططت لخفض الإنتاج في أربعة مفاعلات أخرى: "بيوجي 3" و"تريكاستان 4" و"سان ألبان 1 و2".


ويُذكر أن المحطات النووية الفرنسية كانت قد شهدت أزمات مماثلة في صيف 2022، لكن أزمة 2026 كانت أكثر حدة بسبب الجفاف المزمن الذي استنزف المخزونات المائية في شرق فرنسا. وتواجه فرنسا اليوم مأزقاً حقيقياً: فهي تحتاج إلى المفاعلات لتوليد الكهرباء، لكن ارتفاع حرارة الأنهار يجعل استخدامها مخالفاً للقوانين البيئية التي تهدف إلى حماية النظم البيئية المائية.

 

إسبانيا تراقبل احتياطاتها 

على عكس شركائها الأوروبيين، لم تسجل إسبانيا أي أعطال في محطاتها النووية هذا الصيف، وذلك بفضل تحسن ملحوظ في مخزونات المياه. فوفقاً لوزارة التحول البيئي، تبلغ نسبة ملء الخزانات الإسبانية 69.6%، وهي نسبة مريحة مقارنة مع الدول الأخرى.

 

وتتباين حساسية المحطات الإسبانية للجفاف وفقاً لمصدر تبريدها؛ فـ"فانديوس" (طراغونة) تعتمد على مياه البحر المتوسط، مما يجعلها في مأمن من الجفاف، أما "ألكماراث" (قصرش) فتعتمد على خزان "أروكامبو" الاصطناعي، وهو أيضاً أقل عرضة للخطر. لكن المحطات الأخرى مثل "أسكو" (تاراجونا) و"ترييو" (جوادالاخارا) و"كوفينتيس" (بلنسية)، تعتمد على الأنهار (إيبرو، تاخو، خوكار على التوالي)، مما يجعلها الأكثر عرضة في حال استمرار انخفاض مناسيب الأنهار.


وتُظهر بيانات حوض إيبرو (الذي يغذي أسكو) نسبة ملء 82.4%، وهي نسبة جيدة جداً، لكن الذاكرة تستحضر أزمة 2024 عندما كانت النسبة 15% فقط، مما أدى إلى توقف وإخضاع مفاعلي أسكو لفحوصات دقيقة بسبب انخفاض منسوب نهر إيبرو.

 

أزمات تمتد إلى ألمانيا وصربيا وبلغاريا

لم تقتصر تداعيات الجفاف على الدول المذكورة، بل امتدت إلى دول أخرى، ففي ألمانيا انخفض منسوب نهر الراين عند نقطة "كاوب" الحيوية إلى 24 سنتيمتراً، وهو أدنى مستوى منذ بدء التسجيلات في 1880، مما أجبر السفن على تخفيض حمولتها إلى 20-30% فقط من طاقتها الطبيعية، ورفع تكاليف النقل بشكل حاد. وتوقع خبراء أن يؤثر ذلك سلباً على النمو الألماني، حيث قدر معهد كيل للاقتصاد العالمي الخسائر بنحو 1-2 مليار يورو في الربع الثالث، بينما خفض بنك "آي إن جي" توقعاته للنمو الألماني من 0.8% إلى 0.5%. كما حذرت جمعية الملاحة الداخلية الألمانية من أن استمرار الأزمة قد يتطلب 3000 شاحنة صهريج إضافية يومياً لتعويض تعطل النقل النهري.


وفى صربيا تراجع إنتاج محطة "جيرداب 1" الكهرومائية إلى ثلث متوسط إنتاجها اليومي فقط، كما عُطلت أنظمة التبريد في محطات الفحم في "كوستولاتس".


وفى بلغاريا حذرت السلطات من أن قطاع الطاقة النووية قد يضطر إلى التوقف بالكامل إذا لم يتحسن الوضع.

 

تحذيرات الخبراء: تغير المناخ يضغط على الطاقة النووية

وحذرت الخبيرة المناخية هانا كلوك من جامعة ريدينج من أن "الحر يجفف التربة، ويستنزف الأنهار، ويزيد الطلب على المياه في وقت واحد، هذا هو بصمة المناخ المتغير، صيف مثل هذا أصبح جزءاً من النطاق العادي، وسيزداد سوءاً طالما نحرق الوقود الأحفوري".


ويقول فيليكس شميدت، كبير الاقتصاديين في بنك بيرينبرج، إن "الأنهار الجافة ليست سوى تعبير واحد عن الصراع الاقتصادي الألماني وسط أزمة المناخ المتصاعدة"، مشيراً إلى أن موجات الحرارة تؤثر على الإنتاجية وتدمر البنية التحتية وتؤثر على إمدادات الطاقة.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة