حازم حسين

محنة الإقليم بين الوكيل والأصيل

الخميس، 06 أغسطس 2026 02:00 م


لن تُحسَم حربٌ يتخفّى مُشعلوها وراء آخرين، ولا سبيل إلى سلامٍ طالما لم يجلس طرفاه المُعنيّان مُباشرة إلى الطاولة.


ومشكلة المنطقة الراهنة؛ أن الرسائل سائلة، غير مُنضبطة، بلا لُغة مُحدّدة وواضحة، والأهم أنها ما تزال تذهب إلى العناوين الخاطئة.


كان "السنوار" مدفوعًا فى السابع من أكتوبر بيدٍ خارجية؛ حتى لو توهّم هو نفسه أنه صاحب القرار المُطلَق.


الإعداد والإمداد وسابقة الخُطط؛ فضلاً على مظلّة الرعاية وما ملأ تجويف دماغه من دعايات المُمانَعة ووحدة الساحات!


وإذ فوجئت إيران؛ فإنها تلكّأت فى الاستجابة لنفير الحرب، وعنّفت قادة حماس لاحقًا على أنهم نادوا عليها بالاسم.


تحديدًا عندما وبّخ المُرشد الراحل على خامنئ، قائد الحركة وقتها إسماعيل هنيّة، فى زيارة إلى طهران بعد أسابيع من اندلاع المواجهة.
غير أنه لم يكن بوسِعها أن تصمّ آذانها تمامًا؛ فدفعت بميليشيا "حزب الله" من جبهة لبنان.


ولم تتحسَّب إلى أن خيوطه فى دمشق قد تجرّ رجلَها معه إلى دائرة النار؛ من الذيل العربى البعيد، وإلى ما تحت أنف الهضبة الفارسية!


والقصد؛ أنها لُعبة الجمهورية الإسلامية منذ البداية، وقد ارتدّت عليها بكل عُنفِها وتشابكاتها المُعقّدة، وبالتأكيد من دون رغبةٍ أو تخطيط، أو جاهزية أصلاً!


وحتى بعدما وصل الخطر إلى أبوابها، وقطف رقبة مُرشدها فى معقله الحصين؛ فما تزال تُلَقّم المحرقةَ حِزَمًا من حَطَب الآخرين ولحومهم وأعمارهم، بغية النجاة بنفسها، أو ترشيد خسائرها قدر الإمكان.


تتفاوض الولايات المتحدة مع جناح من دولة الملالى، ويُناكفها جناح. وبيروت فى جولات متلاحقة مع تل أبيب، والوسطاء موزّعون بين جنون نتنياهو بحلفائه التوراتيين، وغباء الحماسيين المُطَوَّقين بغباء الإخوان وإملاءات الشيعية المسلحة.


والحق أنها جميعًا فروع على أصلٍ واحد؛ أقله فى مرحلة ما بعد الطوفان، والجِذرُ نزاعات اليمين فى أسوأ صوره الرجعية المتطرفة على الناحيتين، وإغلاق القفص على عَدوَّيْن من طينة واحدة، وبملامح متطابقة كانعكاس الوجه فى المرآة.


وإذ يصعب أن يجلس الصهاينة والملالى لطاولة واحدة؛ فالصراع سيبقى مُتأجِّجًا إلى أن يحسمه أحدهما، أو ينسحب الآخر.


وقد ينطفئ ظاهرًا، بينما يغلى تحت السطح، ويتَّخذ صُوَرًا شَتّى، وعلى حساب أطراف لا ناقة لهم ولا جمل، ولن يتنحّى عن الواجهة إلَّا ليطلَّ من زاويةٍ أخرى!


لبنان الرسمى مصلوب على ضدَّين: الاستقلال وإعلاء الدولة فوق الدويلة، ثم أنه يفاوض على ما لا يستطيع تقديمه، ويُمكن لعصابة تنتسبُ إليه وتأتمر من سواه؛ أن تُفسِد كل شىء فى لحظة!


الفلسطينيون فى مأساة أكبر، يلعقون جراح الماضى لأنها أقل مرارة من الحاضر، ويتطلّعون لمُستقبلٍ لا تمتدّ فيه الخطوط الراهنة على استقامتها.


المهمومون بالقضية جميعًا إلى جوار المنكوبين؛ أما الفصائل فعَلَى مصالحها تقف وتُفاصِل، وتبيع وتشترى فى البلاد والعباد!


والأصل؛ أن يتفاوض الأُصلاء لا الوكلاء، غير أن التفاصيل مُتداخلة، والمشهد غامض بقصدٍ مُسبَق، وتجارة الشعارات والعواطف والأباطيل أكثر ما يروج فى إقليمنا التعيس.


الغزّيون أصحاب الحق فى الحديث عن أنفسهم، واللبنانيون أيضا مع حكومتهم الشرعية، وكان السوريون فى المأزق نفسه؛ لولا أنهم انعتقوا من قبضة حرس الثورة.


لا يتخطّف الحزب قرار البلد بيده؛ بل يضعه فى عُلبة هدايا إلى مقر المُرشد. حماس أخذت علمًا بالهزيمة النكراء، وبأنها صارت عبئًا على البشر والحجر؛ ولكنها غير مُخوّلة بالتفريط فيما لا تملكه أصلاً: السلاح والدور والتبعية مدفوعة المُقابل!


ما كان مُجرم مثل نتنياهو يحلُم بأكثر من ذاك، ولا بأن ينخرط فى لعبة سهلة، مليئة بالفرص، مضمونة العواقب، والخصوم فيها باعة أوهامٍ، ومُتواطئون على أهلهم وقضاياهم، وفى القلب على أنفسهم؛ ويجهلون أنهم يجهلون!


يقبض على خيوط ثلاث جبهات، قد يحتفظ باثنتين منها معًا، إنما لا يفقدهما صراحة فى ذات الوقت!


وإذ أُبعِد عن غزوة فارس؛ فقد أُرخِى له الحبل قليلاً على جبهته الشمالية، وكثيرا فى الجنوب عند القطاع وناسه البائسين.


وترامب يُشبه الحُواة. صحيح أنه يستمتع بمفاجئة الناس وإرباكهم، وأن يلهو بالمشاعر والمصائر، ويظل خارج أُفق التوقّع؛ لكنه فى الآن نفسه يخوض صراعه على محورين:


العدو الإيرانى بالتناقضات الأساسية والثانوية معها، والحليف العِبرى باختلالات إدارته الحالية، وشخصنة رئيس حكومته للمسائل الوطنية والائتلافية بين البلدين.


يُقرّب زعيم الليكود ويبعده، ويُقطّع الوقت معه، وفى الفواصل يُمرّر رسائل مُحايدة أو ذات معنى سلبى؛ إنما يظلّ مُلتزمًا تجاهه وإسرائيل بالحد الأدنى المعروف.


ماطل طويلاً قبل استقباله فى البيت الأبيض مُجدّدًا، وأجبره على إقرار السماح بتفعيل المرحلة الثانية من اتفاق غزّة، وإدخال لجنة التكنوقراط وقوّة الاستقرار الدولية.


كان الصهيونى العجوز يُراهن على الإرخاء هنا، ليشُدّ هناك فى مياه الخليج. ومع إرجاء التصعيد تجاه طهران، سُمِح له بالمماطلة فى غزة، فعارض الورقة الجديدة، وجاراه ممثل مجلس السلام نيكولاى ملادينوف.


تُختَتم جولة لبنان السابعة اليوم، ولن تُفضى لشىء. استبقها السفير الأمريكى فى بيروت ببيان يُمهّد لإبطاء مسار المناطق التجريبية، مع رغبة إسرائيلية فى التصعيد عند تلّة على الطاهر، لأنها تحتوى واحدة من أبرز أصول الحزب.


بشّر ترامب بصفقة مع إيران. سيُعاد تفعيل اتفاق يونيو، وتجديده لشهرين، مع مزايا أقل وضوحًا للصقور.


يؤسس فكرته على حفظ ماء الوجه، وأنه قادر على قلب الطاولة فى أية لحظة خارج النصوص؛ لكن جنرالات الحرس يعتبرون الإغراءات حقائق، واعترافات بموازين القوى، فينزلقون فى مسارات خاطئة. والخلاصة؛ ستنعقد تهدئة، وستفشل كسابقتها.


تاجر البازار يُماطل، وصانع السجاد يطمئن لقيمة الزمن؛ غير أن العقلاء يعرفون أن صلاحية التصلُّب موقوتة بالانتخابات النصفية، وقد تنقلب الأمور بعدها تماما!


فلسطين ذريعة لا غِنَى عنها، وبعض فصائلها أدوات مهمة، والحزب جوهرة التاج. المضيق قنبلة نووية نظيفة، واستثمارات أربعة عقود لن تُترَك هباءً، ولا التمدُّد السرطانى بعدما ذاقت حلاوته.


الحل أن تتغيّر إيران، وتتحول من ثورة إلى دولة، ومن العرقية المُمذهَبَة، إلى مدنية حديثة؛ ولن يحدث. كما لا أمل فى أن تصير إسرائيل بلدًا مُحترمًا، وتُوفّى الفلسطينيين حقوقهم.


سيظل التناقض قائمًا، والدراما على حالها. تشكّلت قديمًا فى صور صدّام والأسد والصمود والتصدى والحرب الأهلية اللبنانية ودعم الأصوليات السُنيّة وجماعاتها المُسلّحة، وحديثًا فى الحزب والحشد الشعبى والحوثيين وفصائل وميليشيات غزة وغيرها، وغدًا على صورة أخرى.


يمين من لونين، ومُحتلّ مُتمَكِّن يشتبك مع مُحتلٍّ ساعٍ للتمكين.. "فخّار بيكسّر بعضه" كما يقول اللبنانيون؛ إنما الأسى على ضحايا ينتحرون أو يُنحَرون، ويُزايدون على بعضهم، ويموتون تحت كل الاحتمالات، وبالنيران الصديقة والعدوّة!




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة