لم تبدأ رحلتي إلى مدينة السلط الأردنية من شوارعها الحجرية، بل بدأت من قلب صبي صغير. في عمّان التقيت عمر، ابن فاتنة، شقيقة صديقتي نضال. صبي فلسطيني يبتسم في براءة بلا حدود، يعيش في العاصمة الأردنية، يحفظ الأغاني المصرية بمحبة مدهشة، كأنه يحمل في صوته جزءًا من الذاكرة العربيةالمشتركة. فاجأني بهدية صنعتها يداه الصغيرتان؛ كوب زجاجي رسم عليه خريطة فلسطين بألوان العلم الفلسطيني، وغصن زيتون، كتب اسمي إلى جوار شخصية حنظلة التي أبدعها الفنان الفلسطيني الراحل ناجي العلي، وأرفقه بقلب أحمر. لم يكن كوبًا زجاجيًا فحسب، بل كان قطعة من الوجدان، وذكرى لا يمكن أن تُنسى، كأن الصغير أراد أن يضع فلسطين كلها بين يدي قبل أن تبدأ الرحلة.
تأملت الهدية طويلًا. لم أر فيها رسمًا على زجاج، بل رأيت صغيرًا يحمل فلسطين في قلبه، ويهديها ببساطة إلى ضيفة جاءت من مصر. عندها أدركت أن رحلتي لن تكون إلى مدينة أردنية فحسب، بل إلى مساحة يلتقي فيها الأردن وفلسطين في ذاكرة واحدة، الذاكرة الحقيقية لا تعترف بالحدود، بل تحفظ أسماء الناس قبل أسماء الأماكن.
انطلقت الرحلة على متن سيارتين امتلأتا بالنساء والضحكات والحكايات، في تلك اللحظة، بدا أن ضحكاتنا الصغيرة كانت تمارس فعل المقاومة الهادئ، في منطقتنا وواقعنا العربي الشرق أوسطي، منطقة أنهكتها الحروب، وواقع صار الفرح فيه خبرًا نادرًا، وأصبح الاجتماع حول الحياة شكلًا من أشكال الانتصار.. الطريق من عمّان إلى السلط لم يكن مجرد انتقال بين مدينتين، بل كان احتفالًا بالحياة. كلما ارتفعت بنا الطريق، اتسعت الرؤية، وتعانقت الشوارع العتيقة مع البيوت الحجرية، بينما كانت رائحة البن تفوح من البيوت والمقاهي كأنها ترحب بكل عابر. كانت الأغنيات والأحاديث تصنع دفئًا خاصًا، حتى بدا الطريق نفسه جزءًا من جمال السلط قبل الوصول إليها، كأن المدن الجميلة ترسل رسائلها إلى زائريها قبل أن تستقبلهم.
لم أكن أتصور أن مدينة يمكن أن تختصر كل هذا القدر من الدفء. كنت أظن أن المدن تُعرف بشوارعها وأسواقها ومعالمها، لكن السلط علمتني أن بعض المدن تُعرف بقلوب أهلها قبل أي شيء آخر. منذ اللحظة الأولى شعرت أنني لا أدخل مدينة، بل أدخل بيتًا عربيًا قديمًا، واسع القلب، مفتوح الأبواب، يحتفظ برائحة القهوة في الصباح، وبأصوات الجيران التي لا تزال تعرف أسماء بعضها بعضًا. لم أشعر فيها بأنني زائرة، بل إنني أستعيد مكانًا أعرفه منذ زمن بعيد، وإن لم تطأه قدماي من قبل، ثمة أماكن لا نستكشفها للمرة الأولى، بل نستعيدها من أعماق الوجدان.
ربما كان السر في ذلك أن السلط لا تشبه المدن التي تلهث خلف الحداثة وتنسى ذاكرتها. فإنها مدينة تعرف جيدًا من تكون، ولهذا لا تحتاج إلى أن تتباهى بتاريخها؛ فهي تعيشه كل يوم. تقف فوق تلالها الوادعة، مرتدية ثوبها الحجري الأصفر الذي منحها ملامح لا تخطئها العين، بينما تتعانق النوافذ المقوسة والأسقف المقببة مع السماء في مشهد يبدو كما لو أنه خرج من لوحة قديمة. هنا لا يبدو الحجر جامدًا، بل كائنًا حيًا يحتفظ بأصوات الذين مروا من هنا، بضحكات الأطفال، بحكايات العائلات التي صنعت تاريخ المكان جيلاً بعد جيل.
كل خطوة في السلط كانت تهمس بحكاية، فهذه مدينة عرفت الحضارات منذ آلاف السنين، وجعلها موقعها بين وادي الأردن ومرتفعات البلاد محطة للقوافل والجيوش والتجار، حتى أصبحت واحدة من أهم مدن المنطقة. في زمن الدولة العثمانية ازدهرت ازدهارًا جعلها مركزًا سياسيًا وإداريًا واقتصاديًا بارزًا، قبل أن تنتقل عاصمة الدولة إلى عمّان. لذلك لم يكن غريبًا أن يطلق عليها أهلها لقب "مدينة الأوائل"، ففيها تأسست مؤسسات رائدة تركت أثرًا عميقًا في تاريخ الأردن الحديث، كأنها كانت تكتب الصفحات الأولى من قصة وطن بأكمله، فالمدن التي تصنع البدايات تبقى حاضرة في ذاكرة الأمم، حتى وإن تغيّرت العواصم.
لكن التاريخ، على عظمته، ليس أكثر ما يميز السلط. ما يميزها حقًا هو قدرتها النادرة على الاحتفاظ بإنسانيتها. ففي أحيائها القديمة لا تزال البيوت متقاربة كما لو أنها تتبادل الحراسة والمحبة، ولا تزال الأرصفة تعرف وقع خطوات أصحابها، ولا تزال العلاقات بين الناس أكبر من أي اختلاف. في شارع الخضر، حيث يتجاور المسجد والكنيسة في صورة أصبحت جزءًا من هوية المدينة، لا يبدو التعايش شعارًا يُرفع في المناسبات، بل حياة يومية عاشها الناس ببساطة وعفوية، حتى صار احترام الآخر جزءًا من شخصية السلط نفسها والتعايش سلوكًا يوميًا، لا شعارًا يُقال في المناسبات.
في شارع الحمام، وبين الأسواق القديمة والبيوت التراثية التي يزيد عددها على ألف بيت، تشعر أن الزمن قرر أن يتباطأ قليلًا حتى يمنح الزائر فرصة ليتأمل التفاصيل. هنا بيت يحمل ذاكرة عائلة، وهناك نافذة تطل على قرن كامل من الحكايات، وفي مكان قريب تقف أكثر من دار، بهيئتها الفريدة، شاهدة على عصر ازدهرت فيه المدينة حتى أصبحت إحدى أجمل مدن بلاد الشام، فالتراث ليس ما نحتفظ به في المتاحف، بل ما يظل حيًا في تفاصيل الحياة.
غير أن أكثر ما هزني في السلط لم يكن فقط تاريخها ولا عمارتها، بل تلك الرابطة العاطفية التي تصلها بفلسطين.
فمن مرتفعات السلط الأردنية، رأيت نابلس الفلسطينية تلوح من بعيد. لم تكن مجرد مدينة تلمع أنوارها في الأفق، بل كانت أقرب إلى غصةٍ جميلة، إلى وعدٍ مؤجل. ظللت أحدق فيها وأقول لنفسي: كل هذه المسافة الصغيرة... وكل هذا البعد!
يقولون إن السلط توأم نابلس، وصدقوا. البيوت الحجرية، الشوارع العتيقة، رائحة المكان.. كلها تحمل الذاكرة ذاتها، حتى الحجر يبدو رافضا الاعتراف بالفواصل التي رسمها البشر.
مدينة أردنية تعانق فلسطين بعينيها كل يوم، ومدينة فلسطينية ترد إليها التحية من خلف الجبال. وبينهما، بقي قلبي معلّقًا، ينتظر اليوم الذي تصبح فيه الطريق إلى نابلس رحلةً عادية، بلا حواجز. هنا تدرك أن العلاقة بين السلط ونابلس ليست مجرد جغرافيا، إنما تاريخ من العائلات المشتركة، المصاهرات، العادات، اللهجة، الخبز، الذاكرة.. وحين تتشابه تفاصيل الحياة اليومية، يصبح الانتماء أعمق من أي حدود سياسية.
وأنا أغادر المدينة، لم أشعر أنني أودع مكانًا زرته لساعات، بل مدينة تركت شيئًا منها في داخلي. أدركت أن بعض المدن لا تحتاج أن يكتب عنها تقارير سياحية، لكن تستحق أن يكتب لها رسائل حب. والسلط واحدة من تلك المدن التي لا تكتفي بأن تروي تاريخ الأردن، بل تروي أيضًا حكاية الإنسان العربي حين كان يؤمن أن الجار سند، وأن البيت وطن صغير، وأن الاختلاف لا يفسد المحبة، ربما لهذا السبب لا يغادرها الزائر كما دخلها؛ بل يحملها معه أينما ذهب. وربما لهذا السبب أيضًا لم أشعر أنني زرت السلط فقط، بل شعرت أنني اقتربت خطوة أخرى من فلسطين.
لهذا كله، عندما سألني أحدهم ماذا رأيت في السلط، لم أجد إجابة أصدق من هذه: رأيت فلسطين... رأيتها في هدية عمر الصغيرة قبل أن أصل، في وجوه الناس، في الحجارة الصفراء التي تشبه بيوت نابلس والقدس، في الشرفات التي تزينها الورود وتحفظ ذاكرة الشام، في القلب الذي ما زال يتسع للجميع، وحين يتسع القلب، تصبح الأوطان أقرب مما توحي به الخرائط.