تتحرك وتسير الإرادة الحرة في مسار استثنائي يعلن بوضوح استقلال الذات، ورفضها للأنماط والقوالب النمطية المفروضة عليها، ويعد هذا التوجه الفلسفي منطلقًا أساسيًا للحفاظ على أصالة الكيان الفردي ونضارته، بعيدًا عن الانصار في المجموع أو الانسياق وراء التشابه السائد، فوعي الإنسان بتفرده وإدراكه لخصوصية هويته يشكلان الركيزة القوية التي يبني عليها عالمه الخاص بمعزل عن التشابه السائد، ويصوغ من خلالها رؤيته المتميزة للحياة، ومن هذا المنطلق يصبح النداء الداخلي البوصلة الحقيقية التي توجه مسيرته، والمحرك الفاعل الذي يفتح أمامه آفاقًا رحبة للإبداع والابتكار، ويمنحه القدرة على التميز، وصولًا إلى مراتب سامية من الرقي والسموالفكري والإنجاز العملي.
يفرض استقلال الذات ألا يصبح الإنسان وعاءً فارغًا يردد أصداء تجارب الآخرين، إنما يمتلك وعيه وإرادته امتلاكًا حقيقيًا يصون شخصيته من الارتهان لخطايا الغير وتقليد مساراتهم، فمن فرط وتخلي في سر تميره وتفرده فقد وأضاع سبيل النجاة، وابتعد عن بلوغ غايات ودروب الهداية وأنوار الرشاد، ومن ثمّ، فإن الحفاظ على خصوصية التجربة الإنسانية يعد المنطلق الأصيل لبناء شخصية حرة مستقلة، بعيدة عن التبعية والذوبان في الآخر، فالتفرد في الفكر والعمل يمنح الإنسان القدرة على رسم مستقبله بإرادته، متجاوزًا عثرات المحيط وإملاءاته، ليحقق بذلك سموًا فكريًا وأخلاقيًا نابعًا من استقلال شخصيته وأصالة رؤيته.
يؤدي التهاون في حماية الخصوصية الذاتية إلى جعل المرء فريسة لأهواء الآخرين وتوجيهاتهم، ويهدد استقلال شخصيته، لذلك، يمثل الحفاظ وصون على مكنون النفس حصنًا منيعًا عهْدًا واقِيًا يقيها الضياع في متاهات ومسالك التبعية، ويضمن لها الثبات على نهج قويم لا تزعزعه وتعبث به رياح التقليد أو الانسياق الأعمى، فالفطرة السزية والسليمة تأبى الخضوع لما يناقض صفاءها ونفاءها وأصالتها، وتكشف زيف كل محاولات الاستلاب الفكري ومصادرة الإرادة، ومن ثم يكتسب الفرد ويمنح سيادة كاملة على قراره، واستقلالًا راسخًا في رسم مسار حياته، بعيدًا عن كل ما يعكر ويلوث صفاء فكره أو يدفعه إلى تقليد الآخرين تقليدًا يطمس هويته ويقوض تميزه.
يعد إحكام زمام البصيرة قدرةً رفيعة تمكن الإنسان من بسط سيادته على عوالم روحه وخفايا عالمه الداخلي؛ فذلك الإدراك والوعي اليقظ يمنحه بصيرة نافذة تمكنه من التمييز بين النصح الصادق المخلص ومحاولات الوصاية التي تكبل الإرادة وتصادر حرية القرار، كما يمثل التمسك بالبصيرة ميثاقًا أصيلًا يحمي الذات من التماهي في إرادات الآخرين، ويجعل من العين الداخلية ميزانًا دقيقًا ومصفاة تنقي التوجيه المخلص من شوائب الهيمنة والاستلاب، محققـًا بذلك استقلالاً فكريـًا ويشق لنفسه مسارًا حرًا يقوم على الوعي والاختيار، بعيدًا عن التبعية والانقياد الأعمى.
يمتلك الإنسان القدرة على صياغة خياراته بروحٍ تنبض بالاستقلال، وتأبي اغتيال لذة الاكتشاف ومصادرة شجاعة الاختيار، فإذا استقرت البصيرة في يده صارت سراجًا يهديه إلى دروب الحياة، وينير له مسالكها بعيدًا عن عتمة التقليد وقيود الوصاية القسرية، فذلك النمط من التوجيه يطفئ البريق الذاتي ويخمد جذوة الإبداع، ويصادر حق الإنسان في أن يرسم مسار حياته بإرادته الحرة وعقله الواعي، ومن ثم يصبح الفرد سيد خياراته، متحملًا مسؤولية قراراته ومآلات أفعاله، واثقًا من سلامة خطاه، ثابتًا على نهجه، دون وجل أو ارتياب في صواب خطاه.
يرتكز سياج قوة الروابط بين البشر على عهد واضح المعالم ومكتمل الأركان؛ فهو التزام يعتمد نقاء السريرة المطهر للأنفس من الشوائب، ونبل المقصد الموجه للمساعي نحو الرقي، ويحيط بذلك كله وشاح المودة الجامع للقلوب بوصل وثيق لا تنفصم عراه؛ فتمثل هذه القيم بوابة الالتقاء الكبرى المشرعة لسبل التعاون، ومنبر التفاهم المعتلي بالكلمات للأرواح قبل الآذان؛ وبمداد هذه المعاني السامية تتوحد المرامي وتتآلف المقاصد والغايات، محققة ترابطـًا متينـًا وتوافقـًا وجدانيـًا عميقـًا.
أضحت الأواصر الإنسانية حصنـًا منيعـًا لا يزعزعه اختلاف عند صفاء النوايا وتوشح العلاقات بالمحبة الصادقة؛ فالمودة تنساب في النفوس انسيابـًا يغذي المجتمع بروح الألفة، محولة المصير المشترك منطلقـًا نحو بناء حضاري قويم؛ بناء يستمد ديمومته من إخلاص الضمائر وسلامة الصدور المشرقة بنور الإخاء، والمعلية شأن التراحم والوئام؛ ليبقى هذا الترابط عهدًا غليظـًا يحمي وحدة الهدف، ويصون كرامة الإنسان في مسيرته نحو التكامل والارتقاء بطباع البشر، وصولًا لصفاء دائم لا تشوبه كدورة ولا يعرف إليه الهجر سبيلًا.
تعد لجج الجدال مضمارًا لا يورث في النفوس سوى الوحشة؛ فهي متاهة تفضي لنتاج عقيم لا يغني الفكر، لذا ينأى صاحب العقل الراجح بنفسه عن هذا العبث القولي؛ مائلًا بروحه نحو فلسفة الإيثار الراقية الرافعة شأن المصلحة الجامعة فوق أنانية الذات ودوافعها غير السوية، فالعاقل يرى في السكينة مخرجًا من ضيق الخصومة إلى رحابة التآلف، ويوقن أن الانتصار الزائف في معارك الكلام يمثل هزيمة نكراء لروابط الأخوة وأصل التفاهم، محققًا بذلك سموًا في التعامل وتجنبًا لمواطن النزاع.
ينسج الحكيم من صمته وتغاضيه ثوبًا من الوقار، يستر به عورات الخلاف، مؤثرًا سلامة الصدر ودوام المودة على إرضاء غرور النفس والانتصار لها؛ ليصير هذا النهج التزامًا أخلاقيًا راسخًا، يرسخ قيم التسامح، ويشيد جسور وروابط الثقة والمحبة بين الناس؛ جسورًا لا تقوى رياح الجدل العقيم، ولا نزوات الأهواء الضيقة، على تقويضها أو زعزعة أركانها، فالترفع عن المراء خلق كريم يحفظ للود صفاءه، وللمجتمع تماسكه، ويجنبه ضجيج الخصومات التي تستنزف رصيد المودة، وتعكر سكينة القلوب، ومن ثم، يصبح الإعراض عن اللدد في الخصومة تعبيرًا عن إيمانٍ عميق بقدسية السلام النفسي والاجتماعي، وإدراكٍ بأن أعظم الانتصارات هو الانتصار على نزعات الذات.
تتأصل ملامح النفس الأبية في فيضٍ من التسامح يسمو على أوهام الصراع وضيق الخصومة؛ إذ يوقن الإنسان أن استقامة الحياة مرهونة بفلسفة العطاء في مداها المستدام، وأن صون حقوق الآخرين غاية سامية عظمى تعكس طهارة السريرة، وجمال المكنون، ورقي السجية، فيتضافر نبل المقصد مع سمو الفعل ليشكلا التزامًا إنسانيًا أصيلًا، يحوِّل الترفع عن الخصومة إلى قوة وطاقة بناءة تثري الحياة بمعانيها، وتمنحها أسباب دوامها واستقرارها ؛ ويؤكد الفرد عبر ذلك أن سلامة الباطن محرك حقيقي لكل فعل خلاق يسعى لاستدامة الخير ونشر السكينة بين الورى.
___
أستاذ أصول التربية
كلية التربية بنات القاهرة - جامعة الأزهر