-
تشيلى تمتلك أكبر احتياطى معروف من الليثيوم فى العالم بنحو 9.3 مليون طن
-
الكونغو الديمقراطية تستحوذ على نحو 53% من احتياطيات الكوبالت العالمية
-
الصين تمتلك أكبر احتياطى من العناصر الأرضية النادرة وتسيطر على 94% من معالجتها عالميًا
-
وكالة الطاقة الدولية: الطلب العالمى على الليثيوم تضاعف أكثر من 3 مرات منذ 2017
-
الصين تستحوذ على 65% من تكرير الليثيوم و72% من تكرير الكوبالت عالميًا
-
السعودية تقدر قيمة ثرواتها المعدنية غير المستغلة بنحو 9.4 تريليون ريال وتوسع استثماراتها فى التعدين
فى الحلقة الماضية، كشفنا كيف أصبحت الرقائق الإلكترونية قلب الاقتصاد الرقمى، ومحور الصراع بين الولايات المتحدة والصين. لكن هذه الرقائق، وكذلك بطاريات السيارات الكهربائية، وتوربينات الرياح، وأنظمة الذكاء الاصطناعى، لا تبدأ رحلتها داخل المصانع، بل فى المناجم.
فمن باطن الأرض تُستخرج معادن أصبحت اليوم أكثر تأثيرًا من النفط فى بعض الصناعات، وفى مقدمتها الليثيوم والكوبالت والنيكل والعناصر الأرضية النادرة، التى تتنافس الدول والشركات على تأمينها وسط سباق عالمى لإعادة رسم خريطة الصناعة والطاقة.
فمن يملك هذه الثروات؟ وأين تتركز أكبر احتياطياتها؟ ومن يسيطر على استخراجها وتكريرها؟ وهل أصبح من يملك المعادن يملك مستقبل التكنولوجيا؟
من يملك أكبر احتياطيات معادن المستقبل؟
لم تعد المعادن المستخدمة فى التكنولوجيا والطاقة النظيفة مجرد مواد خام، بل أصبحت أحد أهم عناصر المنافسة الاقتصادية العالمية، ووفقًا لتقرير U.S. Geological Survey (USGS) – Mineral Commodity Summaries 2025، تتركز الاحتياطيات العالمية من المعادن الإستراتيجية فى عدد محدود من الدول، ما يمنحها نفوذًا متزايدًا فى سلاسل الإمداد العالمية.
وتشير بيانات USGS إلى أن تشيلى تمتلك أكبر احتياطى معروف من الليثيوم فى العالم بنحو 9.3 مليون طن، تليها أستراليا بحوالى 7.0 ملايين طن، ثم الأرجنتين بنحو 4.0 ملايين طن، بينما تمتلك بوليفيا أكبر الموارد غير المستغلة عالميًا، وإن كانت لا تزال أقل فى الإنتاج التجارى.
أما الكوبالت، فتستحوذ جمهورية الكونغو الديمقراطية على نحو 53% من الاحتياطيات العالمية، بينما تهيمن الصين على جانب كبير من عمليات تكرير هذا المعدن، وفقًا لتقرير International Energy Agency (IEA) حول المعادن الحيوية.
وفى العناصر الأرضية النادرة، تمتلك الصين أكبر احتياطى عالمى يقدر بنحو 44 مليون طن، أى ما يقرب من نصف الاحتياطيات المعروفة عالميًا، كما تعد المنتج الأكبر لهذه العناصر التى تدخل فى تصنيع الرقائق الإلكترونية، والمحركات الكهربائية، وأنظمة الدفاع.
من يسيطر على إنتاج وتكرير معادن المستقبل؟
لا يعنى امتلاك أكبر الاحتياطيات السيطرة على السوق، إذ تتركز القوة الحقيقية فى مراحل التكرير والمعالجة التى تحول الخام إلى مواد صالحة للاستخدام فى البطاريات والرقائق الإلكترونية والمحركات الكهربائية.
ووفقًا لتقرير International Energy Agency (IEA) – Global Critical Minerals Outlook 2025، تهيمن الصين على عمليات تكرير وإنتاج عدد من المعادن الإستراتيجية، إذ تستحوذ على نحو 72% من طاقة تكرير الكوبالت عالميًا، ونحو 65% من تكرير الليثيوم، وحوالى 94% من إنتاج العناصر الأرضية النادرة المعالجة والمغناطيسات الدائمة، رغم أن جزءًا كبيرًا من هذه الخامات يُستخرج خارج أراضيها.
كما تشير بيانات Benchmark Mineral Intelligence إلى أن الصين تمتلك أكبر سلسلة متكاملة لتصنيع مواد البطاريات فى العالم، بداية من تكرير المعادن، مرورًا بإنتاج الكاثود والأنود، وصولًا إلى تصنيع خلايا البطاريات، وهو ما منحها موقعًا مهيمنًا فى سلاسل إمداد السيارات الكهربائية.
وفى المقابل، تعمل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبى واليابان وأستراليا على تقليل هذا الاعتماد، عبر استثمارات فى التعدين والتكرير وإعادة التدوير، وتنويع مصادر الاستيراد، خاصة بعد التحذيرات المتكررة من وكالة الطاقة الدولية بشأن مخاطر تركز سلاسل الإمداد فى عدد محدود من الدول.

1
كيف تحولت معادن المستقبل إلى سلاح جيوسياسى؟
لم تعد المعادن الإستراتيجية مجرد مدخلات للصناعة، بل أصبحت ورقة ضغط فى المنافسة بين القوى الكبرى. فمع تزايد الطلب على الليثيوم والعناصر الأرضية النادرة، بدأت الدول فى استخدام السيطرة على سلاسل الإمداد كأداة لحماية مصالحها الاقتصادية والأمنية.
ووفقًا لتقرير وكالة الطاقة الدولية (IEA) – Global Critical Minerals Outlook 2025، تضاعف حجم الطلب العالمى على الليثيوم أكثر من ثلاث مرات بين عامى 2017 و2024، بينما ارتفع الطلب على النيكل بنحو 65%، وعلى الكوبالت بنحو 70% خلال الفترة نفسها، مدفوعًا بالتوسع فى السيارات الكهربائية، والبطاريات، ومشروعات الطاقة النظيفة.
وفى يوليو 2023، فرضت الصين قيودًا على تصدير الجاليوم والجرمانيوم، وهما معدنان يدخلان فى صناعة أشباه الموصلات والاتصالات والألياف الضوئية، قبل أن توسع فى نهاية عام 2024 القيود على عدد من المعادن الحيوية الأخرى، وهو ما اعتبرته الأسواق العالمية مؤشرًا على تصاعد المنافسة فى سلاسل الإمداد.
وفى المقابل، أطلقت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبى واليابان برامج لتأمين مصادر بديلة للمعادن الإستراتيجية، عبر توقيع اتفاقيات مع دول منتجة مثل أستراليا وكندا وتشيلى، إلى جانب زيادة الاستثمارات فى التعدين وإعادة التدوير، بهدف تقليل الاعتماد على مورد واحد.
وتحذر الوكالة الدولية للطاقة من أن استمرار تركز إنتاج أو تكرير المعادن فى عدد محدود من الدول قد يزيد من مخاطر اضطراب سلاسل الإمداد العالمية، خاصة مع تسارع التحول نحو الاقتصاد منخفض الكربون.

b08852d2-7d04-42fd-abb1-d44718f9c575
هل تدخل الدول العربية سباق معادن المستقبل؟
لم تعد الدول العربية بعيدة عن المنافسة فى قطاع المعادن الإستراتيجية، إذ اتجهت عدة دول إلى توسيع الاستثمارات فى التعدين، مستفيدة من الطلب العالمى المتزايد على المعادن المستخدمة فى الطاقة النظيفة والصناعات التكنولوجية.
ووفقًا لتقرير PwC Middle East وبيانات وزارة الصناعة والثروة المعدنية السعودية، تستهدف المملكة العربية السعودية رفع مساهمة قطاع التعدين فى الاقتصاد، بعد أن قُدِّرت قيمة الثروات المعدنية غير المستغلة بنحو 9.4 تريليون ريال سعودى (نحو 2.5 تريليون دولار)، تشمل الذهب، والفوسفات، والنحاس، والزنك، والعناصر الأرضية النادرة، إلى جانب معادن تدخل فى الصناعات المستقبلية.
وفى المغرب، تشير بيانات USGS ووزارة الانتقال الطاقى والتنمية المستدامة إلى أن المملكة تعد من أكبر منتجى الفوسفات عالميًا، كما توسع استثماراتها فى سلاسل قيمة البطاريات والسيارات الكهربائية، مستفيدة من قربها من الأسواق الأوروبية.
أما مصر، فتواصل تنفيذ برامج للتوسع فى استكشاف واستغلال الخامات التعدينية، خاصة الذهب، والرمال السوداء التى تحتوى على معادن استراتيجية مثل الإلمنيت والزركون والمونازيت، المستخدمة فى الصناعات التكنولوجية والطاقة، وفقًا لبيانات هيئة المواد النووية والشركة المصرية للرمال السوداء.
وفى الإمارات، يتركز الاهتمام على الاستثمار فى سلاسل الإمداد العالمية للمعادن وتمويل مشروعات التعدين، إلى جانب التوسع فى الصناعات المرتبطة بالطاقة النظيفة.
ورغم هذه التحركات، تؤكد الوكالة الدولية للطاقة (IEA) أن المنافسة العالمية لم تعد تقتصر على استخراج المعادن، بل تمتد إلى التكرير، والتصنيع، وإعادة التدوير، وهى المراحل التى تحقق أعلى قيمة مضافة فى سلاسل الإمداد.

b0e60627-2a80-46f1-baa7-1f2dc3fc253f
فى الحلقات الأربع الأولى، تتبعنا رحلة الاقتصاد الرقمى من أعماق البحار إلى باطن الأرض؛ من الكابلات البحرية التى تنقل البيانات، إلى مراكز البيانات التى تخزنها، ثم الرقائق الإلكترونية التى تعالجها، وصولًا إلى المعادن التى تبدأ منها هذه الصناعة.
لكن حتى هذه المنظومة لا تعمل وحدها، فهى تحتاج إلى بنية لا تقل أهمية لنقل السلع والطاقة والمواد الخام بين القارات.
فمن يسيطر على طرق التجارة العالمية؟ ومن يملك الموانئ التى تمر عبرها تجارة العالم؟ هذا ما نكشفه فى الحلقة الخامسة: "من يملك مفاتيح التجارة العالمية؟ وكيف أصبحت الموانئ سلاحًا اقتصاديًا؟".