بالطبع هناك ظواهر أنتجتها وسائل التواصل بعضها مفيد وأغلبها ضار بالصحة والناس والمجتمع، وتعتبر من نتائج عصر لا يعرف فرقا بين الخاص والعام، ولا بين العمل الجاد والاستعراض.
نقول هذا بمناسبة ظاهرة تفرض نفسها على عالم التواصل وتنتقل للصحافة من دون أن يعرف الجمهور حقيقة ما جرى بالفعل، ومن لديه حق ومن ظالم أو مظلوم، ومنها مثلا ظاهرة الجولات الميدانية التى يقوم بها بعض المحافظين أو أحيانا الوزراء لمستشفيات أو وحدات، ونرى المحافظ وهو يزعق ويلوم المدير أو المسؤول أمام الناس أو أمام الكاميرات، وبالفعل قد يكون المسؤول مقصرا وغير كفء والمكان يعانى من التسيب، لكن الأمر لا يعرض باعتباره إصلاحا، بل إنه استعراض من هذا المحافظ أو المسؤول، ينتهى غالبا من دون نتيجة غير انقسام الناس بين مؤيد أو معارض لظاهرة لوم أو تهزيق المدير أمام الكاميرات، وهكذا يرى المسؤول أو المحافظ أنه أدى ما عليه بينما تستمر العيوب فى المكان أو فى أماكن أخرى.
فى المقابل يسعى الطرف الآخر لتوظيف أدوات التواصل للرد وتبرئة نفسه، ورأينا فى سوهاج مباريات فى إظهار الدفاع عن المدير المقال فى المقابل صور وفيديوهات وجولات عن التقصير والإهمال الموجود، وفى النهاية لا أحد يصل إلى الحقيقة، ولا ينتج عن هذا فوائد للجمهور والناس التى تحتاج العلاج، وطبعا من واجبات المحافظين ومهامهم أنهم ممثلو الحكومة ولديهم سلطات المتابعة والمراقبة، والجولات الميدانية أمر مهم فى عملهم، لكن الأهم أن تكون هناك آليات لمتابعة العمل فى المستشفيات والوحدات الصحية والمدن والأحياء والقرى بشكل مستمر، لأنه مهما كانت قدرات المحافظ لن تتخطى عشر زيارات ميدانية بالشهر وأغلبها يتم تسريبه، وبالتالى تستعد البيروقراطية فى مشاهد غالبا كوميدية.
الأهم من الجولات والكاميرات هو أن نطبق أدوات حديثة للإدارة واستعمال الكاميرات والأدوات الحديثة بديلا للاستعراض والجولات التليفزيونية، مع العلم أن أحوال المستشفيات والوحدات الصحية بحاجة إلى ما هو أكبر من رحلات ميدانية للوزير أو المحافظ، بل تحتاج إلى انتفاضة إدارية تغير من أحوالها إلى وضع مختلف، لأن العلاج أهم عناصر الخدمات خاصة لأغلبية لا تملك ثمن العلاج الخاص الذى يحتاج هو الآخر إلى ثورة ومواجهة وضبط إدارى ومالى.
والموضوع هنا هو الخروج من حالة الاستعراض والكاميرات إلى عمل إدارى حقيقى ورقابة ومواجهة تتجاوز مجرد إثبات الحالة إلى عمل حقيقى، وما ينطبق على المحافظين والوزراء ينطبق أكثر على بعض النواب والنائبات الذين لا يظهرون فى المجالس، لكنهم يعيشون على مواقع التواصل، وحتى آراؤهم فى القضايا والموضوعات يعلنونها على مواقع التواصل وبعضهم وبعضهن لا يحضرون الجلسات وهى ظاهرة منذ سنوات لكنها أصبحت واقعا استعراضيا للنواب والنائبات على مواقع التواصل وأمام الكاميرات، لدرجة أن النواب والنائبات يحرصون على طرح وجهات نظرهم فى بوستات وتويتات وليس فى تحركات برلمانية، والبعض منهم ومنهن يقضون طوال الوقت على مواقع التواصل ولا أحد يعرف متى يعملون أو كيف يمكن الثقة فى قدرتهم على فهم الملفات والتعامل مع القضايا المهمة والتجاوب مع قضايا الصحة والعلاج وغيرها.
الشاهد أنه مع الاعتراف بدور مواقع التواصل نحتاج إلى تغيير فى سلوك المسؤولين والنواب، بحيث تكون أدوات التواصل وسائل وليس غايات للاستعراض والتنطيط أمام الكاميرات.
