الناقد أحمد حسن عوض يكتب: التذوق الأدبى وأزمة النقد

الأربعاء، 05 أغسطس 2026 03:57 م
الناقد أحمد حسن عوض يكتب: التذوق الأدبى وأزمة النقد الناقد أحمد حسن عوض

كنت في فترة من فترات حياتي شغوفا بقراءة المجلات الأدبية العريقة وتدوين كثير من المقولات التي تلفت نظري لكبار النقاد، وأذكر أنني طالعت مقالا لشيخ النقاد المعاصرين الدكتور محمد مندور منشورا في مجلة الرسالة عدد 21 يوليو 1943 بعنوان الشعر الخطابي دونت منه اقتباسا دالا، يشير فيه مندور إلى الذوق الأدبي قائلا: "لا أريد أن أملي ذوقي على أحد، وذلك لأن الذوق، وإن يكن من أعمق ملكاتنا  البشرية في إدراك مواضع الجمال والقبح إلا أنه لا يمكن أن يصبح وسيلة معروفة للمعرفة التي لدى الغير إلا إذا علل بأسباب عقلية وفنية ونفسية تستطيع أن توحي بمثل ما نحس به وإلا أصبح ما نقوله ادعاء كاذبا إن لم يكن نصبا".

قد يبدو كلام ناقدنا الكبير للوهلة الأولى خارجا عن سياق النقد الحديث باتجاهاته الحداثية وما بعدها، وهي اتجاهات- كما يعلم جميع المتخصصين- سعت في بداياتها إلى إخماد نزعة التذوق الأدبي المبني على رؤية شخصية؛ لأن النقد الأدبي يجب أن يكون علما كالعلم الحديث.

وقد ترتب على ذلك أن أمعن النقد الأدبي في نخبويته وأخذ يحث الخطى بدأب لاهث إلى مراكمة منجزه والالتفاف حول ذاته في دوائره الأكاديمية الضيقة، وبقدر ما أصبح النقد يقترب من جوهر العلم المتخصص في لغته الجافة ومصطلحاته المعقدة ومعادلاته وإحصائياته بقدر ما أمسى يبتعد عن اهتمامات القارئ المثقف المحب للأدب، ذلك القارئ الذي كان يتابع المقالات الأدبية بشغف بالغ، ويحرص على اقتناء المجلات الأدبية والملاحق الثقافية الأسبوعية حرصه على قراءة الأدب ذاته، وكان ينتشي بجمال أسلوب  النقاد الكبار مثلما  ينتشي بجمال أسلوب الأدباء الكبار.

هل تراني بذلك الكلام أدعو إلى ردة نقدية مغلفة بحنين إلى ماضينا النقدي المشرق؟ أو أدعو إلى عدم إفادة النقد الأدبي  من كل منجزات العصر من العلوم والتكنولوجيا والمعارف الإنسانية؟

بالقطع لا؛ فالنقد الأدبي- شأنه شأن الإبداع الأصيل-  كائن عضوي حي متطور منفتح على الحياة بكل تجلياتها المتنوعة وإضافاتها الثرية.

لكن ما أود الإشارة إليه أننا أغفلنا العودة إلى ملكة جوهرية شاملة تشكل أصالة الناقد الموهوب وتميزه عن غيره، وهي ملكة التذوق الفني التي أشار إليها الدكتور مندور.

وانطلقنا في ظل حماستنا المحمومة للتجديد  إلي ترجمة كل ما يفيض به المنجز النقدي الغربي لملاحقة الركب الحضاري المتطور، وذلك أمر محمود بالطبع، لكنه ألهى اغلب الباحثين الأكاديميين عن جوهر العملية النقدية التي تقوم على الذوق  المدرب المردوف بالخبرة والمعرفة والإحاطة بأبرز منجزات الإبداع الأدبي إلى جانب القدرة على تبرير الأحكام النقدية تبريرا علميا منضبطا، كما أراد الدكتور مندور في مقاله.

ولن يتأتى ذلك الأمر إلا بالعودة إلى الفطرة الأدبية السليمة التي أصقلتها ملامسة الأدب ملامسة حميمة قائمة على التعرف والاكتشاف دون وصاية سابقة أو مقولات معلبة أو وصفات مجهزة.

تلك الفطرة تكمن في أن يكون الناقد الأدبي محبا للأدب الأصيل أولا، مدركاً لدوره في الحياة ثانيا، قادرا على تذوقه ثالثا. مطلعا على أهم منجزات العلوم الإنسانية الحديثة رابعا، وألا يتعامل مع تلك الأمور كأنها وظيفة أو عمل يومي من المفترض أن يؤديه بحكم تخصصه أو حتمية مشاركاته  في الندوات الأدبية حتى لو لم يعجبه العمل الأدبي الذي سيناقشه،؛ لأنه اكاديمي متخصص وهذا عمله الذي حصل فيه على شهادة جامعية عليا.

لقد كان إليوت يسخر من هذه الأنماط المكرورة الموجودة في كل وسط أدبي قائلا: "إنني أفضل أن يدفع المرء لاكتساب الدرس الأدبي؛ لأنه يستمتع بالشعر بدلا من أن يدعي أن اكتسابه الدرس الأدبي هو سبب استمتاعه بالشعر".

وكان محمد مندور يقول: إن الناقد الأدبي كلاعب الشطرنج لا يغنيه الإلمام بقواعد اللعبة إن لم يكن صاحب موهبة.

إن الأزمة الكبرى في خطابنا النقدي أن أغلب الباحثين الأكاديميين يقرأون كتب النقد الأدبي الحديثة المترجمة وغير المترجمة أكثر من قراءتهم الأدب ذاته، لذلك يعجزون عن الإحاطة بالمشهد الأدبي المعاصر  ومتابعة تحولاته المتسارعة في أجناسه الأدبية المتنوعة، وإن كتبوا مقالات تطبيقية نجد فيها "تسميعا" لما قرأوه من معارف مقحمة إقحاما على سياق العمل الأدبي المتناول بالدراسة. فتكون النتيجة أن مثل هؤلاء النقاد يكتبون مقالا واحدا سابق التحضير معتقدين صلاحيته لكل المؤلفات المتعددة.

ويا ليتهم التفتوا إلى إشارة نورثرب فراي في كتابه تشريح النقد 'إن أول ما يجب على الناقد فعله هو قراءة الأدب لكي يقوم بمسح استقرائي لميدانه، ويجعل مبادئه النقدية فقط تشكل نفسها فقط من خلال معرفته بميدانه". ص15 !!

ولن تتم الإحاطة بميدان الأدب ومعرفته عمقا واتساعا في هذا السياق إلا بالالتفات إلى ما التقطه  الدكتور عبدالمنعم تليمة برهافة بالغة  وأطلق عليه "التنمية الإبداعية" تلك التنمية التي لن تتحقق إلا بتدريب الذائقة الجمالية وصقلها وتثقيفها بدأب لا ينقطع؛ ليكون الذوق وسيلة مشروعة لإنتاج المعرفة الأدبية.

فجوهر الأزمة النقدية- إلى جانب ما سبق-  يتجلي في حاجة كثير من شباب النقاد والباحثين إلى "الوعي النقدي" أكثر من حاجتهم إلى "المنهج النقدي".

وفي حاجتهم إلى الإلمام بالمذاهب الأدبية لدينا  أكثر من الاطلاع على المدارس النقدية في الخارج؛ لأن كل مذهب أدبي- كما يقول الدكتور شكري عياد،- يقوم على نزعة فلسفية واستجابة لحاجات المجتمع.

ولكي نتلافي تجدد حدوث تلك الفجوة الكبرى التي نراها في كتابات بعض النقاد وصغار الباحثين بين تنظير أكاديمي نقدي مستورد ظاهره التخصص والانضباط، وتطبيق أدبي تغلب عليه الانطباعية والذاتية والشرح المضموني، فضلا عن غياب إدراك جوهر تشكيل العمل الأدبي والاستدلال بالقرائن النصية والبنائية عليه. لضعف ملكتي الإدراك الذاتي والإحساس الجمالي لدى غير الموهوبين من النقاد.

فلا شك- والصياغة لعبدالمنعم تليمة-  أن الإدراك المقترن بالتفسير يفضي إلى المعرفة والإحساس المقترن بالتقدير يفضي إلى الفن والجمال.

إن حل الأزمة النقدية يكمن- كما اتضح- في العودة إلى تفعيل ملكة الذوق الأدبي المبني على رؤية ومعرفة وإدراك لدور الأدب في مجتمعنا الحديث. وقراءة الأعمال الأدبية بتجرد وإخلاص وعمق ينفتح على المنجز الأدبي المعاصر بقدر انفتاحه على تجارب الإنسان الحديث ومعاناته في التصدي لمعضلات الحياة، بدلا من أن نتباكى على أزمة النقد وغياب دور الناقد ومحدودية تأثيره مقارنة بالنقاد الكبار في النصف الأول من القرن العشرين.

بل إن المفارقة  تكمن الٱن في أن من يكتبون التقارير الأدبية الانطباعية  من أعضاء نوادي القراءة وبعض المحررين الثقافيين أصبحوا يحظون بنسب متابعة كبيرة تفوق بكثير نسب قراءة المقالات النقدية التي يكتبها نقاد وأكاديميون متخصصون والأسباب معروفة للجميع لكنها تحتاج إلى تأمل  ومواجهة ووضع حلول جذرية قبل أن نجدنا جميعا نشارك في حضور مراسم  عزاء "موت الناقد"  الذي كان رونان  ماكدونالد قد أعلن وفاته منذ عدة سنوات.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب


الموضوعات المتعلقة


الرجوع الى أعلى الصفحة