-
سوق أشباه الموصلات العالمى يتجاوز 627 مليار دولار فى 2024
-
تايوان تنتج أكثر من 90% من الرقائق المتقدمة المستخدمة فى تطبيقات الذكاء الاصطناعى
-
TSMC تستحوذ على 67.6% من سوق تصنيع الرقائق للغير عالميًا
-
ASML الهولندية تحتكر تكنولوجيا الطباعة الضوئية اللازمة لإنتاج أحدث الشرائح الإلكترونية
-
الولايات المتحدة تخصص 52.7 مليار دولار لدعم صناعة الرقائق عبر قانون CHIPS
-
الصين ترد باستثمارات تتجاوز 344 مليار يوان لتقليل الاعتماد على التكنولوجيا الأجنبية
-
شركات قليلة تسيطر على مفاصل الصناعة من التصميم إلى التصنيع
-
الحرب الأمريكية الصينية تدفع المليارات لإعادة توطين الصناعة
-
الرقائق أصبحت سلاحًا اقتصاديًا لا يقل أهمية عن النفط
فى الحلقتين السابقتين، تتبعنا رحلة البيانات عبر الكابلات البحرية، ثم وصلنا إلى مراكز البيانات التى تُخزن فيها وتُعالج. لكن هذه المنظومة بأكملها تتوقف على مكون صغير لا يتجاوز حجمه بضعة ملليمترات، يحمل بداخله مليارات الترانزستورات، ويحدد مستقبل التكنولوجيا والاقتصاد وحتى موازين القوى بين الدول.
هذه الرقائق الإلكترونية أصبحت اليوم قلب الهواتف الذكية، والحواسيب، والسيارات، والطائرات، والأقمار الصناعية، وأنظمة الذكاء الاصطناعى، بل والأسلحة الحديثة. وأى اضطراب فى إنتاجها ينعكس مباشرة على الاقتصاد العالمى، كما حدث خلال أزمة نقص الرقائق بعد جائحة كورونا.
فمن يملك صناعة الرقائق الإلكترونية؟ ولماذا تحولت إلى محور صراع بين الولايات المتحدة والصين؟ وهل يمكن لدولة واحدة أن تتحكم فى مستقبل التكنولوجيا العالمية؟.
كم تبلغ قيمة سوق الرقائق الإلكترونية عالميًا؟
لم تعد أشباه الموصلات مجرد مكونات إلكترونية، بل أصبحت صناعة تقود الاقتصاد الرقمى العالمى. ووفقًا لبيانات World Semiconductor Trade Statistics (WSTS)، بلغت مبيعات سوق أشباه الموصلات العالمية نحو 627.6 مليار دولار خلال عام 2024، بزيادة 19.1% مقارنة بعام 2023، مدفوعة بالطلب المتزايد على رقائق الذكاء الاصطناعى ومراكز البيانات.
ويتوقع WSTS أن تواصل السوق نموها خلال عام 2025 لتصل إلى نحو 697 مليار دولار، بمعدل نمو 11.2%، مع استمرار الطلب القوى على الرقائق المستخدمة فى الحوسبة عالية الأداء، والخوادم، والبنية التحتية للذكاء الاصطناعى.
ولا يقتصر تأثير هذه الصناعة على قيمتها السوقية، إذ تشير Semiconductor Industry Association (SIA) إلى أن الرقائق الإلكترونية تدخل اليوم فى آلاف المنتجات، بدءًا من الهواتف الذكية والحواسيب، مرورًا بالسيارات والأجهزة الطبية، وصولًا إلى الطائرات والأقمار الصناعية والأنظمة الدفاعية، ما جعلها إحدى أكثر الصناعات تأثيرًا فى الاقتصاد العالمى.
من يسيطر على صناعة الرقائق المتقدمة؟
لا تتوزع صناعة الرقائق الإلكترونية بالتساوى بين الدول، بل تتركز فى عدد محدود من الشركات التى تتحكم فى مراحل التصميم أو التصنيع أو إنتاج المعدات اللازمة لصناعة الشرائح الأكثر تطورًا.
وتشير بيانات Counterpoint Research إلى أن شركة TSMC التايوانية استحوذت على نحو 67.6% من سوق تصنيع الرقائق للغير (Pure-Play Foundry) خلال الربع الأول من عام 2025، مقابل 7.7% لشركة Samsung Foundry الكورية، و5.8% لشركة SMIC الصينية، بينما توزعت الحصص المتبقية على شركات أخرى.
ولا تقتصر هيمنة TSMC على حجم الإنتاج، إذ تؤكد تقارير الصناعة أن الشركة تنتج أكثر من 90% من الرقائق المتقدمة عالميًا (بدقة 7 نانومتر فأقل)، وهى الشرائح المستخدمة فى معالجات الذكاء الاصطناعى، والهواتف الذكية المتقدمة، ومراكز البيانات، والحواسيب فائقة الأداء.
وفى المقابل، تهيمن شركة ASML الهولندية على سوق أجهزة الطباعة الضوئية بالأشعة فوق البنفسجية القصوى (EUV Lithography)، وهى المعدات الأساسية لإنتاج الرقائق المتقدمة. ويعنى ذلك أن تصنيع أحدث الشرائح عالميًا يعتمد عمليًا على شركة واحدة فى هذا المجال، وهو ما جعل معداتها جزءًا من الصراع التكنولوجى بين الولايات المتحدة والصين.

مولدة بالذكاء الاصطناعى
لماذا أصبحت تايوان أهم جزيرة فى الاقتصاد العالمى؟
رغم أن مساحة تايوان لا تتجاوز 36 ألف كيلومتر مربع، ويبلغ عدد سكانها نحو 23.4 مليون نسمة، فإنها أصبحت محورًا لصناعة يعتمد عليها الاقتصاد العالمى. ووفقًا لتقرير Semiconductor Industry Association (SIA) وBoston Consulting Group (BCG)، تنتج تايوان نحو 60% من أشباه الموصلات المصنعة تعاقديًا (Foundry) على مستوى العالم، بينما تستحوذ على أكثر من 90% من إنتاج الرقائق المتقدمة المستخدمة فى تطبيقات الذكاء الاصطناعى، والخوادم، والهواتف الذكية المتطورة.
وتعد شركة TSMC وحدها العمود الفقرى لهذه الصناعة؛ فقد سجلت إيرادات بلغت 2.89 تريليون دولار تايوانى (نحو 90 مليار دولار أمريكى) خلال عام 2024، بزيادة تقارب 34% مقارنة بالعام السابق، مدفوعة بالطلب على رقائق الذكاء الاصطناعى، وفقًا للتقرير السنوى للشركة.
وتحذر OECD وSIA من أن أى اضطراب طويل الأمد فى إنتاج الرقائق التايوانية قد يؤدى إلى اختناقات حادة فى سلاسل الإمداد العالمية، نظرًا لاعتماد شركات مثل Apple وNVIDIA وAMD وQualcomm على مصانع TSMC لإنتاج معالجاتها الأكثر تطورًا.
كيف تحولت الرقائق إلى سلاح فى الحرب الأمريكية الصينية؟
لم تعد أشباه الموصلات سلعة صناعية فحسب، بل أصبحت أداة نفوذ استراتيجى. فمنذ عام 2022 فرضت الولايات المتحدة سلسلة من القيود على تصدير الرقائق المتقدمة ومعدات تصنيعها إلى الصين، بهدف الحد من تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعى والحوسبة الفائقة ذات الاستخدامات العسكرية والمدنية، وفقًا لوزارة التجارة الأمريكية.
ولتعزيز قدراتها الإنتاجية، أقرت الولايات المتحدة قانون CHIPS and Science Act بقيمة 280 مليار دولار، يتضمن نحو 52.7 مليار دولار لدعم تصنيع الرقائق وأبحاثها داخل الولايات المتحدة، إلى جانب حوافز ضريبية لاستقطاب استثمارات الشركات العالمية، بحسب وزارة التجارة الأمريكية والبيت الأبيض.
وفى المقابل، ضخت الصين استثمارات ضخمة لتقليل اعتمادها على التكنولوجيا الأجنبية. وتشير بيانات OECD إلى أن الصندوق الوطنى الصينى للاستثمار فى صناعة الدوائر المتكاملة جمع فى مرحلته الثالثة خلال عام 2024 نحو 344 مليار يوان (نحو 47.5 مليار دولار) لتمويل مشروعات تصنيع الرقائق والمعدات محليًا.
وامتد الصراع إلى معدات التصنيع؛ إذ فرضت الحكومة الهولندية قيودًا على تصدير بعض أنظمة الطباعة الضوئية المتقدمة التى تنتجها ASML، استجابةً لإجراءات تنسيق مع الولايات المتحدة، ما حدّ من وصول الشركات الصينية إلى أحدث تقنيات إنتاج الرقائق.
ويرى Semiconductor Industry Association (SIA) أن استمرار القيود التجارية وإعادة توزيع الاستثمارات يدفع صناعة أشباه الموصلات إلى إعادة تشكيل سلاسل الإمداد العالمية، مع اتجاه الولايات المتحدة وأوروبا واليابان والهند إلى توطين جزء أكبر من الإنتاج لتقليل الاعتماد على شرق آسيا.
فى الحلقة الأولى، تتبعنا شرايين الإنترنت الممتدة تحت البحار، وفى الثانية وصلنا إلى مراكز البيانات التى تُخزن فيها معلومات العالم، أما فى هذه الحلقة، فقد اكتشفنا أن هذه المنظومة بأكملها تعتمد على شريحة سيليكون لا يتجاوز حجمها بضعة سنتيمترات، لكنها أصبحت من أكثر الصناعات تأثيرًا فى الاقتصاد والسياسة والأمن القومى.
فالسيطرة على الرقائق الإلكترونية لم تعد تعنى امتلاك مصانع فقط، بل تعنى التحكم فى مستقبل الذكاء الاصطناعى، وصناعة السيارات، والطائرات، والاتصالات، وحتى القدرات العسكرية للدول.
لكن الرقائق نفسها لا تُصنع من فراغ، بل تبدأ رحلتها من باطن الأرض. فمن يملك الليثيوم والكوبالت والعناصر الأرضية النادرة التى تقوم عليها هذه الصناعة؟ هذا ما نكشفه فى الحلقة الرابعة: "من يملك معادن المستقبل؟"