ثريا البدوى

إعلام القاهرة الأهلية: أزمة حسم أم تعقيد إداري؟

الأربعاء، 05 أغسطس 2026 02:12 م


لم يعد تأخير انطلاقة كلية الإعلام بجامعة القاهرة الأهلية مجرد إجراء إداري يستغرق وقتا أطول من المتوقع، بل أصبح قضية تستحق الوقوف أمامها وتحليل أسبابها وانعكاساتها على مستقبل التعليم الإعلامي في مصر.

فمنذ أكثر من عام، لا تزال برامج كلية الإعلام جامعة القاهرة تدور في دائرة من المراجعات المتكررة داخل لجنة قطاع الدراسات الإعلامية التابعة للمجلس الأعلى للجامعات، رغم ما قامت به الكلية من تطوير شامل للبرامج الأكاديمية استجابة لجميع الملاحظات التي أبدتها اللجنة في مراحل المراجعة المختلفة. وبين كل اجتماع وآخر تظهر ملاحظات جديدة، ويطلب إجراء تعديلات إضافية، لتبدأ دورة جديدة من العمل والمراجعة دون الوصول إلى قرار نهائي يحدد مصير الكلية ويمنحها الضوء الأخضر للانطلاق.

ولا يختلف اثنان على أن لجان القطاع تمثل إحدى الركائز الأساسية لضمان جودة التعليم الجامعي، وأن دورها العلمي والأكاديمي ضروري للحفاظ على مستوى البرامج المقدمة للطلبة، إلا أن هذا الدور يجب أن يحقق التوازن بين ضمان الجودة وسرعة الإنجاز. فالأصل في إجراءات المراجعة أن تكون محددة المعايير، واضحة المراحل، وتنتهي خلال مدة زمنية معقولة، بحيث لا تتحول إلى عملية مفتوحة بلا سقف زمني أو نهاية معلومة. وعندما تستجيب الكلية لجميع الملاحظات المطلوبة ثم تجد نفسها أمام ملاحظات جديدة في كل مرحلة، فإن ذلك يثير تساؤلات مشروعة حول آلية المراجعة نفسها، ومدى الحاجة إلى وجود إطار مؤسسي يحكمها ويضمن استقرارها.

وتزداد أهمية هذه القضية إذا وضعنا في الاعتبار أن الجامعات الأهلية تمثل أحد أهم مشروعات تطوير التعليم العالي التي تبنتها الدولة خلال السنوات الأخيرة، حيث ضخت الدولة استثمارات ضخمة لإنشاء بنية تحتية تعليمية متطورة، تضم أحدث القاعات الدراسية والمعامل والاستوديوهات الرقمية والبنية التكنولوجية، بهدف تقديم نموذج جامعي حديث ينافس إقليميا ودوليا، ويواكب التطورات المتسارعة في مختلف التخصصات. ومن ثم فإن تأخر تشغيل أي كلية داخل هذه الجامعات يعني تأخر الاستفادة من هذه الاستثمارات، وتعطيل جزء من العائد العلمي والمجتمعي المنتظر منها.

وفي تخصص الإعلام تحديدا، تبدو سرعة اتخاذ القرار أكثر أهمية من أي وقت مضى، لأن هذا المجال يشهد تحولات غير مسبوقة بفعل الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي وتقنيات إنتاج المحتوى ومنصات التواصل الاجتماعي وصحافة البيانات والإعلام الغامر والواقعين الافتراضي والمعزز. وأصبحت كبرى الجامعات العالمية تعيد تطوير برامجها بصورة دورية لمواكبة هذه التحولات، بل إن بعضها يراجع مقرراته بصورة سنوية حتى يظل قادرا على إعداد خريجين يمتلكون المهارات المطلوبة في سوق العمل. أما إذا استغرقت إجراءات اعتماد برنامج أكاديمي سنوات من المراجعات المتكررة، فإن جزءا من محتواه قد يحتاج إلى تحديث جديد قبل أن يرى النور، وهو ما يفقد عملية التطوير جزءا كبيرا من جدواها.

كما أن سوق العمل الإعلامي لم يعد يبحث فقط عن خريج يجيد التحرير أو الإخراج أو الإنتاج، وإنما أصبح يحتاج إلى كوادر قادرة على تحليل البيانات، وإدارة المنصات الرقمية، وإنتاج المحتوى متعدد الوسائط، واستخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي بصورة احترافية، مع الالتزام بالمعايير المهنية والأخلاقية. ولذلك فإن أي تأخير في إطلاق برامج حديثة يحرم الطلاب من فرص تعليمية تتوافق مع هذه المتطلبات، ويؤخر رفد سوق العمل بكفاءات يحتاج إليها بالفعل.

ومن ناحية أخرى، فإن جامعة القاهرة بما تمتلكه من تاريخ أكاديمي ومكانة علمية عريقة، قادرة على تقديم نموذج متميز للتعليم الإعلامي داخل منظومة الجامعات الأهلية، مستفيدة من خبراتها المتراكمة وإمكاناتها البشرية والعلمية. ولهذا فإن سرعة انطلاق كلية الإعلام لا تمثل مصلحة للجامعة وحدها، وإنما تمثل إضافة حقيقية لمنظومة التعليم الإعلامي في مصر، وتعزز من فرص المنافسة الأكاديمية على المستويين الإقليمي والدولي.

وفي خضم هذه التطورات، برزت حالة من القلق بين عدد من أعضاء هيئة التدريس المهتمين بانطلاق الكلية، حيث طلب مني بعضهم التقدم بطلبات إحاطة موجهة إلى الجهات المعنية، أملا في تسليط الضوء على أسباب استمرار التأخير، وفتح نقاش موضوعي حول آليات مراجعة البرامج الأكاديمية، بما يضمن الحفاظ على الجودة دون أن تتحول الإجراءات إلى عائق أمام تنفيذ المشروعات التعليمية. ويعكس هذا الطلب حجم الاهتمام الأكاديمي بضرورة الوصول إلى حل مؤسسي يحقق التوازن بين حق الدولة في ضمان جودة البرامج، وحق الجامعات والكليات في الحصول على قرار نهائي خلال مدة زمنية معقولة.

كما أن التجارب الدولية في اعتماد البرامج الأكاديمية تشير إلى أن هيئات الجودة والاعتماد تلتزم عادة بجداول زمنية واضحة، تتضمن مواعيد محددة لتقديم الملاحظات، ومهلا معلومة للرد عليها، ثم موعدا نهائيا لإصدار القرار، سواء بالموافقة أو بطلب تعديلات محددة ونهائية. ويسهم هذا النهج في تحقيق الشفافية، ويمنح المؤسسات التعليمية القدرة على التخطيط، ويحد من تكرار الملاحظات التي قد تستنزف الوقت والجهد دون إضافة جوهرية.

ولا يعني ذلك الدعوة إلى التهاون في معايير الجودة أو تجاوز الضوابط الأكاديمية المحددة من قبل لجان القطاع، وإنما المقصود هو ترسيخ مبدأ الحوكمة الرشيدة في إدارة عملية مراجعة البرامج، بحيث تكون المعايير معلنة، والملاحظات جوهرية، والقرارات تصدر خلال مدد زمنية محددة، مع الاكتفاء بجولة أو جولتين من المراجعة إذا استوفت المؤسسة جميع المتطلبات الأساسية.

وفي النهاية، فإن القضية ليست قضية كلية واحدة، وإنما قضية تتعلق بكفاءة منظومة اعتماد البرامج الأكاديمية بأكملها، ومدى قدرتها على مواكبة سرعة التطور في التعليم وسوق العمل. فكلما كانت الإجراءات أكثر وضوحا وانضباطا زمنيا، ازدادت ثقة الجامعات والطلبةًوأعضاء هيئة التدريس في المنظومة، وتسارعت وتيرة التطوير، وتحولت الجامعات الأهلية إلى محركات حقيقية للابتكار والمعرفة. ومن ثم، فإن تحديد مدة زمنية ملزمة للبت النهائي في البرامج الأكاديمية، مع التركيز على الملاحظات الجوهرية دون الاستغراق في تفاصيل متجددة، أصبح ضرورة لضمان تحقيق الهدف الذي أنشئت من أجله الجامعات الأهلية، وهو تقديم تعليم جامعي حديث، مرن، قادر على المنافسة، ومواكب لمتطلبات المستقبل.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة