أذكر أن مسألة (كبت) الرؤية الإبداعية الخاصة بي احترامًا لرؤية المخرج الذي أعمل معه كانت من أهم أسباب توقفي عن ممارسة عملي كمساعد، رغم ما سببه لي هذا القرار من متاعب ماديه ونفسيه، إذ تحول الأمر الآن لشخصي المتواضع، الذي لا يملك أي علاقات عائليه أو شلل قادره على خوض تجربة الإخراج، ولولا حماسًا نبيلًا من مخرج أحبه وفنان شامل مثل "رأفت الميهي"؛ توقع أن هذا الشخص يمكن أن يكون مخرجًا معقولًا، ربما ما تمكنت من الإخراج أبدًا خاصة بعد أن تجاوزت الأربعين.
خلال فترة طويلة كمساعد كانت (لحسن حظي) مع مخرجين أحبهم، وأكاد أزعم أني من اخترتهم قبل أن يكونوا قد اختاروني، مثل "محمد خان" و"خيري بشارة" و"علي بدرخان" وطبعًا "يوسف شاهين".. وحسن الحظ يأتي بأن جميع هؤلاء كان لديهم من الثقة في الذات ومن احترام العاملين معهم ما مكنهم من القدرة على (سماع) رأي هؤلاء؛ دون أي حرج أو ممانعة بل وأحيانًا بالتشجيع على ذلك، وأذكر أن الرائع "يوسف شاهين" كان يعطي المساعدين في بعض الأحيان فرصة إخراج المشهد أو إدارته (طبعًا طبقًا للديكوباچ الموضوع وبعد البروفات الأولى) مما يرسخ لدى جميع العاملين في الفيلم إحترام للمساعدين وينعكس على العمل كله، علاوة عن الإضافة المعنوية الكبرى للمساعد الذي يأتمر بأمره الجميع (من حضور هيبته نفسه) عندما يقول Action أو Stop، أو Roller كما كان "شاهين" يفضل.
أما تجربتي مع "خان"، التي امتدت لسنوات طويلة وأفلام عديدة فهي جديرة بدراسة منفصلة، ولكني أعتبر نفسي محظوظًا بهذه العلاقة التي كانت أقرب للصداقة منها إلى العلاقة الاحترافية، وكان "محمد" يقبل أي ملاحظات (معقولة) بطيب خاطر ومودة، ولكنه كان حاسمًا في ضرورة الالتزام بالديكوباچ الذي فكر فيه وجاء.
مكتوبًا (ومرسومًا أحيانًا) من الليلة السابقة للتصوير أو صباح اليوم نفسه.
كان "خان"، رغم عصبيته، يستمتع بعمله ويفرح كالأطفال إذا تم تنفيذ مشهد أو لقطة كما تخيلها (إذ لم يكن في زمن "خان" موضوع الـ (Monitorالذي تتأكد من خلاله من جودة ما تم تصويره، قبل وأثناء وبعد انتهاء التصوير، وكان "محمد" صبورًا معي وواثقًا في قدراتي حين اختارني لأعمل معه كمساعد أول للمرة الأولى، إذ كانت علاقتنا لا تتعدى لقاءات في "مركز المونتاچ" بمدينة السينما ومباريات "البنج بونج" التي كانت تجمعنا في أوقات استراحته من العمل المجهد على (الموفيولا)، جاءني -بصراحته الإنجليزية- وقال أنه على وشك دخول فيلم (خرج ولم يعد)، الذي كان مقررًا أن يساعده فيه "شريف عرفة" ومعه "سعيد حامد" كـ"سكريبت"، إلا أن شريف قرر أن يتحول إلى مخرج لفيلمه الأول (الأقزام قادمون) وأنه يريدني أن أعمل معه كمساعد أول للإخراج، وعندما أبديت تخوفي من أني لم يسبق لي أن عملت بهذا المركز من قبل أسعدني بأن قال إنها مهنة تعتمد على (شخصية) المساعد وليس على حرفيته بالدرجة الأولى، وأنه سوف يتحمل المخاطرة بوجودي، وأن "سعيد حامد" سوف يعمل معي كمساعد ثان أو "سكريبت" اعتمادًا على خبرة مساعدة طويلة جدًا في هذا المركز مع "شريف عرفة".
كانت (النقلة) كبيرة جدًا في وظيفة المساعد الأول، الذي كان في هذا الوقت مسؤلًا مسؤولية كاملة عن عمل أوردرات التصوير وكشوفات الملابس والديكورات والإكسسوارات الضرورية، وحتى معدات التصوير والعدسات ومستلزمات الإضاءة الخاصة في بعض المشاهد وليس انتهاء بالمسؤولية عن تحفيظ الممثلين والتأكد من حسن نطقهم لألفاظهم الخاصة، إذا كانت هناك لهجة خاصة لطبيعة الفيلم من الناحية الاجتماعية (ريفية - بدوية - صعيدية.. إلخ)؛ وهذا ما حدث في (خرج ولم يعد).