الأفكار لا أول لها من آخر، والعبرة بالجدية والجدوى والإمكانية، والأهم أن يكون الطرح سائغا، مقنعا، ولا يخلو من مضمون حقيقى.
أو كما يقول البلاغيون نقلا عن عبارة الجاحظ: الأفكار على قوارع الطريق، وإنما يتميز الناس بالألفاظ.
جاء رد الحكومة سريعا، وحسنا فعلت، وتستحق الإشادة فى هذا المقام مرتين، لأن العنوان لم يكن جديدا، وسبق أن اشتبكت معه وردت عليه، كما أوضحت فى بيانها المستفيض أمس.
وابتداء، فكما نقول إن الأفكار ملقاة على كل الاتجاهات، وفى متناول الجميع بالأخذ والرد، فما من حائل يحول بين الشخص وانتخاب إحداها، والعمل عليها بالتعديل أو التدوير، وابتكار أخرى مغايرة تماما كلما تيسّر، على ألا يستخف بعقول الناس ووقتهم، وألا يستجر ما سبق أن طُرِح وأسقطته الأيام والحجج.
والقصد ينصرف بلا مواربة إلى ما جدّد رجل الأعمال حسن هيكل إثارته، وليست أوّل مرّة، عن مُبادلة الأصول العامة لقاء المديونيات الداخلية، ضمن اقتراحٍ منحه اسمًا فخيما: «المُقايضة الكبرى».
وكان مجلس الوزراء قاطعا فى نفى الأمر جملة وتفصيلا، ونسبته إلى صاحبه بوصفه رؤية شخصية. ثم التفنيد الناعم باعتبار أن المسألة ليست حلا، وطرحها مكرور كما أسلفت.
كما أنها خضعت للدراسة الفنية ولم تثبُت لها جدوى، لذا رُفعَت عن الطاولة، وصُرِفَ عنها النظر تماما، وفيما يخص قناة السويس أو غيرها من الأصول.
وملخص الأمر بإيجاز، أن تُنقل محفظة من الأصول إلى البنك المركزى، مقابل تصفير الديون بالعملة المحلية.
ومبعث العودة إليها بعد شهور من عرضها لأول مرة، أن هيكل اعتبر تسوية ديون ماسبيرو مع بنك الاستثمار القومى، نسخة مصغرة من أطروحته، وأن توقيع الصفقة الجزئية مسوّغ للدعوة إلى شبيهتها الشاملة.
والسياق مختلف تماما، ذلك أن أغلب أعباء الهيئة الوطنية تولدت عن فوائد متراكمة وغرامات تأخير، ولجهة واحدة يمكن أن تستنزل المُضاف وتستبقى أصل الدين، دون إرباك مركزها المالى والتأثير فى حقوق أطراف أخرى.
فضلا على أنها جرت فى الإطار الطبيعى، بين دائن ومدين، ومن دون الحاجة إلى تغيير الصفة، وإعادة تكييف العلاقة، أو التلاعب فى الاختصاصات.
البنك المركزى سلطة إدارة ورقابة، وصلب مهامه السياسة النقدية واستقرار الأسعار، وليس أن يتملك الأصول ويديرها.
والحال بين اثنتين: تُنقَل له أصول قيّمة غير مُنتجة فلا يستوفى حقوق الدائنين عمليا، أو تكون إنتاجية فنخسر عوائدها الدورية، ونضطر لدخول دائرة الاستدانة مجددا لتعويض فاقد الموارد.
وبعيدا من الملاحظات الفنية والمركبة، لجهة دمج الديون وتشتيت الانتباه، مع مخاوف الارتباك وتعارض المصالح، فإن العملية فى جوهرها لا تُنتج ثروة حقيقية، وتركز على الشكل بينما تنصرف تماما عن المضمون.
مجرد لعبة محاسبية لا أكثر. سأرفع الدين عن يمينك لأعلقه فى شمالك. كما لو أن شخصا ينقل الأموال من جيب إلى جيب.
أو محاسب ماهر يبدل الأرقام بين الدفاتر، وينزع طاقية دائن ليضعها على رأس آخر، أو يمنح الديون اسما بديلا، من دون أن يتغير شكلها أو تتقلص آثارها القاسية.
قد يبدو الاقتراح معقولا فى سياق مغاير، ولأغراض مختلفة، إلا أن يكون لدولة ومع مؤسسات باقية بالأصالة والوكالة، ولا سبيل لاستبدالها أو أن ترتاح إحداها من مسؤولياتها الدائمة، ولو تصوّرنا إمكانية أن يُنقل جانب من أعبائها إلى كتفٍ مجاور.
قد يُطبِّق «هيكل» فكرته، أو أى رجل أعمال آخر، بين شركتين أو أكثر فى مجموعته، وبين مجموعة وأخرى شريكة، لأنّ الشخصية الاعتبارية لكلٍّ منها مستقلة تماما، ويمكن أن تسبح بمفردها ولو غرقت أختها.
إنما الدول لا تضعُ الغرق أصلاً بين الاحتمالات، ومسؤولية أجهزتها تضامنية، وتعرف أنها لو حلّت المعضلة بالمُحاسبة والدفاتر، فليس شرطًا أن تُحَلّ وتتفكك تعقيداتها على أرض الواقع.
لو أنّ الجورنالجى محمد حسين هيكل حيًّا لَمَا أعجبته فكرة ابنه، وبصراحة «كما كان عنوان عموده الشهير»، لم أرها شخصيًّا إلا حيلةً من حِيَل مُجتمع الأعمال، أو شطرٍ منه كى لا أُعَمِّم، وتُشبه احتيال البعض على ديونهم بادّعاء الإفلاس أو نَقل الثروة لآخرين من العائلة!
ليس مُهمًّا لِمَن تؤول ملكية الدين المحلى، ولا الخارجى بالمناسبة، طالما أننا قادرون على خدمته، والوفاء بالمستحقات فى مواعيدها، وأن نمتلك وصفةٍ لترشيده.
فالمطلوب أن نعمل بجدّ أكبر، ونُنتج أكثر، ونُقلّص عجز الموازنة باطّراد، كى لا نُضطرّ لمزيد من الاستدانة، وكى نُخَفِّض حجم الدين ونسبته إلى الناتج.
كل فكرةٍ، مهما بدت سطحية، هشّة، وشكلانية، تستحق النظر والاشتباك، لعلّ فيها ما يخفَى على الطلّة الأولى، أو لعلّها تؤول بالجدل والتطوير إلى نسخةٍ أفضل. إنما إن استُنفِدَت أو انكشفت، ولم تصمُد أمام الفحص والمُساءلة الفنية، فلا معنى للإصرار عليها.
هل استوفَت البحث عندما أُثيرت للمرة الأولى قبل شهور؟ بيان الحكومة، وأُصدّقها، يقول إنها فعلت، والتصديق ناتج عن أن الرجل نفسه كان طرفًا فى المُداولات، ولم يغادرها أو يعترض.
وعليه، فقد تأكَّد له أن الدولة لم تقتنع، وسواء رأت الأمر فاشلاً أم لا، فإنها لن تسير فيه.. فما الباعث على نبش المقبرة وإخراج الجثمان، إلا الاستعراض والمُزايدة والهوى الشخصى؟!
الناس أحرار، ولا مُصادرة على رأى، غير أن بعض الأفكار ضررها أكثر من نفعها، هذا لو كانت نافعة أصلاً. إذ تُثير اللغط بلا مُبرر، وتنثر الغبار فى لحظة لا تحتمل المُشاغلة والإرباك، كما تُقدِّم مادّة لذوى الأغراض الدنيّة، وللجان الإلكترونية ومُشغّليها، المعروف منهم والمجهول.
كان لزامًا على الحكومة أن تردّ، وقد أنجزت ما عليها. ويتعيّن على صاحب الفكرة أن يسمع، ويتقصّى ردود الفعل، وأن يتحسّس مواضع خُطاه، ولسانه أيضًا، إن كان صادقًا فى إخلاص النيّة للصالح العام!