في صباح 31 أغسطس 2006، استيقظت مصر والعالم العربي على يوم لم يعد فيه نجيب محفوظ حاضرًا في مقاهي القاهرة التي لازمها، ولا في مكتبه بالأهرام، ولا في جلسات أصدقائه التي انتظمت لعقود، فقد رحل صاحب «الثلاثية» و«الحرافيش» و«أولاد حارتنا» في صباح اليوم السابق، 30 أغسطس، عن عمر بلغ 94 عامًا، ليصبح خبر وفاته واحدًا من أبرز الأحداث الثقافية التي شغلت الصحافة المصرية والعربية والعالمية في اليوم التالي.
وبالعودة إلى أرشيف الصحف الصادرة في 31 أغسطس 2006، وإلى المواد الأرشيفية التي احتفظت بها صحف مثل الأهرام والمصري اليوم والقدس العربي والأنباء الكويتية، إلى جانب أرشيف الجارديان والإندبندنت وواشنطن بوست ولوس أنجلوس تايمز، تتضح صورة لافتة، الصحافة المصرية تعاملت مع الرحيل باعتباره فقدًا لرمز وطني، والصحافة العربية رأت فيه نهاية مرحلة مؤسسة في تاريخ الرواية العربية، بينما ركزت الصحافة الغربية على الكاتب الذي حمل القاهرة والرواية العربية إلى القارئ العالمي.

رحيل
الأهرام على الصفحة الأولى.. "مصر تودع نجيب محفوظ اليوم"
كان حضور الرحيل على الصفحة الأولى لجريدة "الأهرام" واضحًا، وهي الصحيفة التي ارتبط بها محفوظ سنوات طويلة، وكتب فيها، وأصبح مكتبه داخل مبناها أحد محطاته الأسبوعية المعروفة.
ويكشف أرشيف معرض وثائقي أقامه متحف نجيب محفوظ، واعتمد على صحف تلك الفترة، أن «الأهرام» تصدرت صفحتها الأولى بعبارة "مصر تودع نجيب محفوظ اليوم"، وأبرزت ترتيبات تشييعه، والجنازة التي تقام في الحسين تنفيذًا لوصيته، والجنازة العسكرية المنطلقة من مسجد آل رشدان، إلى جانب نعي الرئيس الأسبق حسني مبارك، وردود فعل زعماء العالم، والتفاصيل الطبية للساعات الأخيرة في حياة صاحب نوبل.
وكان اختيار الحسين ذا دلالة خاصة، فالمنطقة التي أوصى محفوظ بأن تمر بها جنازته تقع في قلب العالم الذي صنع جزءًا كبيرًا من أدبه: الجمالية والحسين وخان الخليلي والأزهر، وهي الشوارع التي نقلها من جغرافيا القاهرة إلى جغرافيا الرواية العربية.
واللافت أن المعرض الوثائقي نفسه، الذي تتبع الصحافة المصرية من محاولة اغتيال محفوظ في أكتوبر 1994 حتى رحيله، أكد أن خبر الوفاة احتل الصفحات الأولى للصحف الصادرة صباح 31 أغسطس، ورصد تغطيات «الأهرام» و«الأخبار» و«الجمهورية» و«أخبار الأدب» و«المصور» و«آخر ساعة» و«نصف الدنيا".

مصر تودع
المصري اليوم.. "وانطفأت شمعة مصر الأدبية"
أما «المصري اليوم» فقد قدمت في عدد الخميس 31 أغسطس 2006 تغطية واسعة تجاوزت مجرد الإعلان عن الوفاة.
وجاء أحد أبرز عناوينها "وانطفأت شمعة مصر الأدبية"، وبدأ التقرير بتسجيل لحظة الوفاة: الثامنة وخمس دقائق من صباح الأربعاء، قبل أن يستعيد مسيرة محفوظ ومكانته بوصفه الأديب المصري الذي وصل بالرواية العربية إلى جائزة نوبل في الأدب.
ولم تتوقف تغطية الصحيفة عند سيرته الأدبية، لكن ذهبت إلى التفاصيل الإنسانية في أيامه الأخيرة. وفي مادة بعنوان "آخر ما قاله: أخبار لبنان إيه؟!"، نقلت عن محمد صبري، الذي كان يقرأ الصحف لنجيب محفوظ، أن من آخر ما سمعه منه سؤالًا عن أخبار لبنان، قبل أن تتدهور حالته الصحية. كما أعادت الصحيفة استحضار عادته في متابعة الصحف وقراءة مقالات الأدباء والكتاب، حتى في سنواته الأخيرة.
ونشرت الصحيفة في العدد نفسه مواد أخرى تفتح ملفات مختلفة من حياته، منها بداياته في الكتابة وعلاقته بثورة يوليو، كما سجلت موقف شيخ الأزهر آنذاك محمد سيد طنطاوي، الذي وصف محفوظ بأنه في رأس الأدباء الذين تعتز بهم مصر، وأكد مكانته العالمية في الرواية والأدب.
وهكذا بدا العدد أقرب إلى محاولة لرسم صورة متعددة الوجوه لمحفوظ: الكاتب، والمواطن، والقارئ الدائم للصحف، وصاحب الموقف السياسي، والرجل الذي تحول جزء كبير من عالمه الروائي إلى مكونات ثابتة في الذاكرة المصرية.
"رحل الهرم الرابع".. هكذا رأته الصحافة العربية
خارج مصر، ظهرت استعارة "الهرم" في أكثر من تغطية، وهو تعبير يكشف المكانة التي أصبح محفوظ يشغلها في المخيلة الثقافية العربية، ففي الكويت خرجت صحيفة "الأنباء" يوم 31 أغسطس بعنوان "نجيب محفوظ في ذمة الله.. رحل الهرم الرابع"، وربطت بين رحيله وبين عالم الشخصيات التي صنعها؛ من "سي السيد" إلى عاشور الناجي وسعيد مهران ومحفوظ عبد الدايم، معتبرة أن الكاتب الذي غاص في الحارة المصرية استطاع أن ينقلها إلى القارئ العربي والعالمي.
وفي الأردن استخدمت صحيفة "الغد" صورة قريبة، فجاء عنوانها "هرم مصر الرابع يعانق البياض"، وأشارت إلى رحيل الروائي الذي فتح باب التجريب في الرواية العربية وحصل على نوبل عام 1988، واستعادت انتقاله بين الجمالية والعباسية والحسين والغورية، وهي الأماكن التي ظلت حاضرة في أدبه.
أما "القدس العربي" فنظرت إلى رحيله من داخل تاريخ الرواية نفسها، وجاء عنوانها: "رائد الرواية العربية الحديثة يرحل"، وقدمته بوصفه الأديب الذي نضج على يديه الفن الروائي العربي، ورأت أن موته يمثل نهاية مرحلة، لأن محفوظ أسهم في نقل الرواية من موقعها الهامشي في ثقافة كان الشعر يحتل مركزها، إلى قلب المشهد الإبداعي العربي.
وفي اليمن نشرت صحيفة «الأيام» في 31 أغسطس خبرًا بعنوان «وفاة الأديب العالمي الحائز على جائزة نوبل نجيب محفوظ»، وتابعت تفاصيل التشييع والجنازة العسكرية المقررة في ذلك اليوم.
وفي السعودية اختارت «Arab News» عنوانًا مباشرًا عن وفاة صاحب نوبل، لكنها وسعت التغطية إلى شهادات كتاب سعوديين في تجربته، ومكانة «الثلاثية» وشخصياتها في الثقافة العربية.
كانت هناك، إذن، لغة عربية شبه مشتركة في وداعه: نجيب محفوظ لم يعد يُقدَّم فقط باعتباره «كاتبًا مصريًا فاز بنوبل»، وإنما باعتباره أحد الذين أسسوا المكانة الحديثة للرواية العربية.
الجارديان.. الكاتب الذي أوصل الرواية العربية إلى الغرب
في الصحافة البريطانية، كان السؤال مختلفًا قليلًا: ماذا فعل نجيب محفوظ بالأدب العربي في العالم؟
خصصت «الجارديان» نعيًا كتبه المترجم والمستعرب دينيس جونسون ديفيز، أحد أهم من نقلوا الأدب العربي الحديث إلى الإنجليزية، ووصفته في عنوانها الفرعي بأنه الروائي الفائز بنوبل الذي أوصل الأدب الروائي العربي إلى العالم الغربي.
وركز النعي على التحول الهائل الذي أحدثته جائزة نوبل عام 1988 في الحضور العالمي لمحفوظ؛ فمن كاتب معروف عربيًا وبين عدد محدود من المستعربين، أصبح اسمه حاضرًا في كبريات دور النشر وترجمت أعماله إلى لغات عديدة.
وفي تغطية أخرى وصفته «الجارديان» بأنه أول أديب عربي يفوز بنوبل، وربطت بين شهرته وبين تصويره الحياة المصرية في القاهرة القديمة، كما استعادت محاولة اغتياله عام 1994 وما تركته من أثر على قدرته على الكتابة.
وفي 31 أغسطس نفسه كتب الناقد رشيد العناني في الصحيفة مقالًا بعنوان «مرثية مصرية»، بدأه بفكرة ذات دلالة: من الصعب تخيل مصر من دون نجيب محفوظ، الرجل الذي رافقها أدبيًا خلال معظم القرن العشرين.
الإندبندنت.. "العظمة البسيطة"
أما «الإندبندنت» البريطانية فنشرت نعيًا لمحفوظ في عدد 31 أغسطس وقدّمته باعتباره الروائي المبتكر وصاحب «ثلاثية القاهرة» والفائز بنوبل 1988، مؤكدة أن القاهرة لم تكن مجرد مكان في أعماله، وإنما المدينة التي سجل حياتها وفضاءها وتاريخها الحديث في وجدان القراء العرب.
لكن الصحيفة ذهبت أبعد من النعي، وخصصت له افتتاحية حملت عنوان «Simple Greatness» أو "العظمة البسيطة".
ورأت الافتتاحية أن محفوظ كان شخصية مهيمنة على الرواية العربية لعقود، وأن تطوره من الواقعية إلى الأشكال الأكثر رمزية وصوفية ترك أثرًا في أجيال متعاقبة من الكتاب العرب. كما لفتت إلى مفارقة أن الرجل الذي أصبح رمزًا أدبيًا لعصره ظل يقدم نفسه ببساطة باعتباره كاتبًا للحكايات.
واشنطن بوست.. الرجل الذي أعطى الشوارع صوتًا
وفي الولايات المتحدة، حملت معالجة «واشنطن بوست» عنوانًا بالغ الدلالة: «Leading Arab Novelist Gave Streets a Voice»؛ أي إن الروائي العربي الكبير «أعطى الشوارع صوتًا».
وتوقفت الصحيفة أمام القاهرة التي عاش فيها محفوظ طوال حياته وجعلها خلفية لمعظم أدبه، ورأت أن أعماله حولت حياة الناس العاديين وشوارع المدينة وتحولاتها الاجتماعية والسياسية إلى مادة أدبية ذات قيمة عالمية.
ولم تكتف «واشنطن بوست» بنعي تقليدي، بل نشرت معالجة أخرى بعنوان «The Deep Well of Egypt's Literary Oasis»، قدمت محفوظ باعتباره من جيل كان الكاتب فيه قادرًا على أن يصبح رمزًا وطنيًا، وأكدت أن أثره العالمي يعود إلى إيمانه العميق بقوة الحكاية والأسطورة في تفسير حياة الإنسان.
وتشير المراجع الببليوجرافية الخاصة بتغطية وفاته إلى أن مادة «واشنطن بوست» ظهرت في عدد 31 أغسطس على الصفحة الأولى واستكملت في الداخل، وهو ما يكشف أن وفاة الروائي المصري لم تكن بالنسبة إلى الصحيفة خبرًا ثقافيًا هامشيًا.
لوس أنجلوس تايمز.. القاهرة التي أحياها محفوظ
واختارت «لوس أنجلوس تايمز "زاوية أخرى في عنوانها" روايات صاحب نوبل أحيت قاهرته المحبوبة".
وقدمت محفوظ باعتباره ابن المقاهي القاهرية والكاتب الذي استطاع أن ينقل إلى الرواية رائحة القاهرة وألوانها وملمس شوارعها، وتتبعت كيف أصبحت حياته الشخصية، مثل أدبه، مرآة لملذات الحياة اليومية والصراعات السياسية التي شهدتها مصر والعالم العربي.
وتثبت المراجع الأرشيفية أن تغطية «لوس أنجلوس تايمز» ظهرت في عدد 31 أغسطس على الصفحة الأولى أيضًا، مع استكمالها في صفحات داخلية.
نيويورك تايمز.. «بلزاك المصري»
أما «نيويورك تايمز»، فقد نشرت نعي روبرت ماكفادن لمحفوظ، وأرشفته في عدد 31 أغسطس 2006، وقدمت فيه صاحب نوبل بوصفه أبرز روائيي العالم العربي.
وتوقفت الصحيفة عند أحد الأوصاف التي التصقت به في الغرب "بلزاك المصري"، بسبب قدرته على رسم لوحات واسعة للقاهرة وسكانها ومشكلاتهم الاجتماعية والسياسية والدينية، كما أشارت إلى مقارنة عالمه القاهري بعوالم ديكنز في لندن وزولا في باريس ودوستويفسكي في سان بطرسبرج. وتؤكد مراجع أرشيفية أن النعي ظهر في طبعة 31 أغسطس من الصحيفة.