احتفظت الإذاعة المصرية على مدار أكثر من 90 عامًا بأصوات صنعت جانبًا مهمًا من ذاكرة مصر الثقافية والفنية، أحاديث لطه حسين وعباس محمود العقاد، وحوارات تتحدث فيها أم كلثوم عن نفسها، وتلاوات للشيخ محمد رفعت، وغيرها من التسجيلات التي تحولت مع مرور السنوات من مجرد مواد إذاعية إلى وثائق تاريخية، لكن أين توجد هذه الأصوات اليوم؟ وما الذي جرى ترميمه ورقمنته منها؟
كشف الدكتور محمد لطفي، رئيس الإذاعة المصرية، في حوار نشرته «الأهرام العربي» في مارس 2026، أن الإذاعة لا تزال تمتلك برامج وتسجيلات كاملة بصوت عباس محمود العقاد والدكتور طه حسين وكبار المثقفين، إلى جانب برامج حوارية نادرة لأم كلثوم تتحدث خلالها عن نفسها، موضحًا أن هناك 30 حلقة مسجلة، مدة الحلقة نحو عشر دقائق، توثق جوانب من حياتها بصوتها.
ولا تقف أهمية هذه التسجيلات عند أسماء أصحابها، إذ تمثل جانبًا من تاريخ الإذاعة المصرية نفسها، وتكشف كيف كان المثقف والفنان والقارئ يتحدث إلى الجمهور قبل ظهور التليفزيون والمنصات الرقمية، فيما بدأت الدولة خلال الفترة الحالية مشروعًا واسعًا لرقمنة أرشيف الإذاعة والتليفزيون، يشمل نحو مليون شريط صوتي ومرئي بإجمالي يقترب من 800 ألف ساعة.
طه حسين والعقاد.. أصوات المثقفين في خزائن الإذاعة
يأتي طه حسين وعباس محمود العقاد في مقدمة كبار المثقفين الذين احتفظت الإذاعة المصرية بتسجيلاتهم، فقد كان الاثنان حاضرين عبر الميكروفون في مرحلة ازدهار البرامج الثقافية والفكرية، وتحولت أحاديثهما بمرور الزمن إلى جزء من أرشيف الإذاعة.
وأكد رئيس الإذاعة المصرية وجود تسجيلات وبرامج كاملة بصوت طه حسين والعقاد، وأشار في الوقت نفسه إلى أن أجزاء من هذا المحتوى الإذاعي ظهرت عبر مواقع التواصل الاجتماعي بعد اقتطاعها من مواد كانت تقدمها «إذاعة ماسبيرو»، وهو ما يفتح سؤالًا آخر يتعلق بكيفية إتاحة التراث الإذاعي رسميًا للجمهور وحماية حقوقه في الوقت نفسه.
ولا توجد أصوات العميد والعقاد في ماسبيرو وحده، إذ يكشف دليل مقتنيات مكتبة الإسكندرية الخاص بطه حسين عن وجود شريط كاسيت بعنوان «مختارات إذاعية»، صادر عن اتحاد الإذاعة والتليفزيون، ويضم أحاديث بصوت الشيخ عبد الحليم محمود وعباس محمود العقاد وفكري أباظة والدكتور طه حسين، وتحفظ المادة في مكتبة الفنون والوسائط المتعددة بالمكتبة.
وتكشف هذه المادة أن أجزاء من الأرشيف الإذاعي انتقلت في مراحل مختلفة إلى مؤسسات ثقافية أخرى في صورة نسخ أو إصدارات، لكن ذلك لا يعني أن ما تمتلكه مكتبة الإسكندرية يماثل كامل الرصيد الأصلي الموجود داخل الإذاعة المصرية.
ومن هنا تظل معرفة عدد الساعات المسجلة بصوت كل من طه حسين والعقاد، وحجم ما جرى رقمنته منها وما أصبح متاحًا للجمهور، من الأسئلة المهمة عند الحديث عن مستقبل هذا التراث.
أم كلثوم.. الأغنيات ليست كل شيء
عندما يُذكر أرشيف أم كلثوم يتجه التفكير مباشرة إلى أغنياتها وحفلاتها، لكن تسجيلات كوكب الشرق تضم أيضًا مادة أخرى شديدة القيمة تتمثل في صوتها وهي تتحدث عن حياتها وتجربتها.
وكشف رئيس الإذاعة المصرية أن أرشيف الإذاعة يضم 30 حلقة حوارية تتحدث خلالها أم كلثوم عن نفسها، وتبلغ مدة الحلقة نحو عشر دقائق، بما يعني وجود ما يقرب من خمس ساعات من الحوارات بصوتها، وهي مادة تختلف في أهميتها عن التسجيلات الغنائية، لأنها تقدم الشخصية كما روت نفسها بنفسها.
ويمتد أرشيف أم كلثوم خارج ماسبيرو أيضًا، إذ يؤكد متحف أم كلثوم في قصر المانسترلي بالقاهرة احتفاظه بمجموعة من التسجيلات النادرة والأفلام والنوت الموسيقية والمقتنيات الوثائقية، كما توجد داخله مكتبة سمعية بصرية تتيح استعراض أغانيها وصور حفلاتها ورحلاتها وأفلامها، إلى جانب سجل لما كتبته الصحافة العربية عنها خلال الفترة من عام 1924 حتى عام 2000.
وتحتفظ دار الكتب والوثائق القومية بدورها، من خلال قاعة الموسيقى، بكتب ونوت موسيقية وأسطوانات نادرة بعدة لغات، وتتيح خدمة الاستماع إليها للجمهور، وهو ما يمثل جزءًا آخر من خريطة حفظ التراث الصوتي المصري خارج مبنى الإذاعة.
وهكذا تبدو حالة أم كلثوم نموذجًا واضحًا لطبيعة التراث الصوتي المصري؛ فالمادة الواحدة قد توجد منها نسخ لدى الإذاعة أو المؤسسات الثقافية أو الشركات المنتجة أو المجموعات الخاصة، ولذلك يصبح إعداد فهرس موحد يحدد ما يوجد وأين يوجد واحدًا من أهم خطوات حماية هذا التراث وإتاحته.
محمد رفعت.. حين أنقذت الأسرة صوت صاحبها
تختلف حكاية الشيخ محمد رفعت عن طه حسين والعقاد وأم كلثوم، لأن جزءًا مهمًا من تراث «قيثارة السماء» لم يبق محفوظًا منذ البداية داخل مؤسسة رسمية، وإنما لعبت الأسرة ومحبو الشيخ دورًا بارزًا في جمع تسجيلاته والمحافظة عليها.
وأوضح صفوت عكاشة، راعي تراث الشيخ محمد رفعت، أن محدودية التسجيلات الأصلية داخل الإذاعة تعود إلى طبيعة البث في السنوات الأولى؛ إذ كان الشيخ يقرأ على الهواء مباشرة، في وقت لم تكن فيه وسائل التسجيل متاحة بالصورة التي ظهرت لاحقًا، ولذلك جاءت نسبة مهمة مما وصل إلينا من تسجيلاته من تسجيلات منزلية.
وتحدثت هناء رفعت، حفيدة الشيخ، عن رحلة طويلة للحفاظ على هذه التسجيلات، مؤكدة أن أعمال الترميم امتدت لأكثر من 20 عامًا، بسبب حالة عدد من المواد القديمة والحاجة إلى تقنيات حديثة تستطيع إنقاذ الصوت.
وفي مارس 2024 انتهى مركز إحياء التراث السمعي والبصري بمدينة الإنتاج الإعلامي من ترميم مجموعة من التسجيلات النادرة للشيخ محمد رفعت ومعالجتها هندسيًا، بعد حصوله على مواد من الأسرة، بحضور رئيس الإذاعة المصرية وحفيدة الشيخ.
وقال رئيس الإذاعة وقتها إن التسجيلات ستخضع للمراجعة والمقارنة بما هو محفوظ بالفعل في مكتبة الإذاعة، بحيث يجري تحديد المواد غير الموجودة في أرشيفها وإذاعتها، وهي نقطة تكشف أهمية المصادر الخاصة والأسرية في استكمال ما قد لا يكون موجودًا داخل الأرشيف الرسمي.
ولم تنته عملية البحث عن تراث محمد رفعت؛ فقد كشفت حفيدته خلال معرض القاهرة الدولي للكتاب 2026 عن وجود عشر أسطوانات لدى أحفاد أحد الأشخاص الذين كانوا يسجلون للشيخ، وبكل أسطوانة عشر قراءات، وقالت إن هذه المواد تحتاج إلى الترميم قبل إتاحتها.
وتمثل هذه الواقعة نموذجًا مهمًا لما يمكن أن يكون موجودًا حتى الآن بعيدًا عن أرشيف المؤسسات، سواء لدى أسر الشخصيات التاريخية أو جامعي الأسطوانات أو ورثة أشخاص اعتادوا تسجيل الإذاعات والحفلات في العقود الأولى من القرن العشرين.
كما بدأت مكتبة الإسكندرية منذ عام 2016، بالتعاون مع حفيدة الشيخ محمد رفعت، في توثيق حياته واستلام مجموعة تضم صورًا ووثائق ومقالات وعقودًا، بينها عقد تعاونه مع الإذاعة المصرية وعقد الاتفاق معه على المشاركة في حفل افتتاح الإذاعة.
مليون شريط في مشروع رقمنة ماسبيرو
ويكتسب السؤال عن مصير التسجيلات القديمة أهمية إضافية مع المشروع القومي الجاري لأرشفة ورقمنة تراث الإذاعة والتليفزيون المصري.
ويستهدف المشروع حصر وتوثيق ما يقرب من مليون شريط صوتي ومرئي، بإجمالي نحو 800 ألف ساعة من المحتوى، وتحويل المواد الموجودة على الوسائط التقليدية إلى صيغ رقمية عالية الجودة، وإنشاء قواعد بيانات منظمة ومفهرسة تسمح بحفظ المادة واسترجاعها.
ولا يتعلق المشروع بتحويل الشريط من وسيط إلى آخر فقط، بل يهدف كذلك إلى تنظيم المحتوى وتأمينه وحفظ بياناته، بما يسمح مستقبلًا بمعرفة ما يمتلكه أرشيف ماسبيرو بصورة أكثر دقة.
وأعلنت الجهات المعنية بالمشروع أن العمل يشمل استخدام تقنيات حديثة وتطبيقات للذكاء الاصطناعي، إلى جانب الاهتمام بحفظ تراث القراء والمبتهلين والبرامج المتعاقبة في إذاعة القرآن الكريم منذ تأسيسها عام 1964.
وتمثل عملية الفهرسة هنا أهمية لا تقل عن الرقمنة نفسها؛ لأن وجود آلاف الساعات في صورة رقمية دون بيانات دقيقة عن أصحاب الأصوات وتاريخ التسجيل والبرنامج والمناسبة لا يحقق الاستفادة الكاملة من الأرشيف.
ماذا رُمم وماذا ينتظر؟
المعلومات المتاحة تؤكد أن أجزاء من التراث الصوتي المصري دخلت بالفعل عمليات إنقاذ وترميم، ومن أبرز الأمثلة تسجيلات الشيخ محمد رفعت، كما أن هناك مشروعًا واسعًا جاريًا لرقمنة أرشيف ماسبيرو.
لكن المتاح من البيانات المنشورة حتى الآن لا يقدم حصرًا تفصيليًا يقول مثلًا كم ساعة بصوت طه حسين انتهت رقمنتها، أو كم تسجيلًا للعقاد أصبح في صورة رقمية، أو النسبة التي أنجزت من الحوارات الإذاعية الخاصة بأم كلثوم.