عند قراءة أي لوحة فنية، لا يمكن النظر إليها بمعزل عن الحالة الشعورية والنفسية لصاحبها، وكذلك السياق الاجتماعي الذي ربما تأثر به، لتتشكل لديه الرؤية البصرية، والكتلة الضوئية التي يصنعها مخاطبًا الجمهور بلغة الألوان، فكل شعور ربما يصنع حالة مختلفة، ويخلق رؤية وتأويلًا ربما لم يقصدهما الفنان في تصويره، لكن لا يمكن فصلهما عن السياقات المختلفة التي رُسمت فيها، وبالتأكيد تأثر بها الفنان.
ومن هذا المنطلق، ربما يمكننا النظر إلى أحدث أعمال الفنانة الشابة رنا خالد، «between shadow and light»، وهو عمل أكريليك على قماش، يستند إلى التعبيرية في حالته الشعورية، وإلى التكعيبية المعاصرة في بنائه التشكيلي، مع حضور واضح للرمز، لتضعنا رنا أمام عدة تأويلات وأطروحات تفتح بابًا لإجابات أكثر مما تطرح من تساؤلات، دون أن تقودنا إلى رؤية محددة، وإنما إلى عدة رؤى تصنعها السياقات سالفة الذكر.
في لوحتها الجديدة تقدم رنا الوجه والجسد داخل بناء هندسي مكون من مثلثات وأشكال شبه منحرفة ومستطيلات، تتجاور فيه الكتل والمساحات، مع وجود أكثر من مستوى بصري داخل الوجه الواحد، لكنها في الوقت نفسه تظهر الأجساد نفسها مختزلة إلى أشكال طويلة وصلبة بدلًا من الكتلة التشريحية الواقعية.

لوحة between shadow and light
العنصران الأبرز في العمل، واللذان كوّنا الكتلة التي تضبط الإيقاع في اللوحة، هما الوجهان المتقابلان لشخصيتين مختلفتين، واضعة تقابل فمهما في المنتصف، وكأنه نقطة ارتكاز للرغبة أو القبلة، في صورة أكثر رمزية إلى الحب والحميمية، هكذا تذيب رنا الحدود في العلاقة العاطفية بين «أنا» و«أنت»، وكأنها رسالة ضمنية بأننا نكتمل بالآخر، وأن كل إنسان منا يبحث عن نصفه، ولا يكتمل إلا بوجود ذلك الآخر؛ في دلالة على الحب والارتباط والرغبة والتوحد بين شخصين عاشقين.
لكن هذا التكوين البصري، رغم اقترابه الشديد، يحتفظ بمسافة واضحة بين الشخصيتين؛ فهما متجاوران إلى حد التلامس، لكنهما لا يبدوان مندمجين تمامًا، وهو ما يفتح بدوره قراءة مغايرة للطرح السابق، تتجه نحو العزلة والاغتراب؛ فشخصان قريبان جدًا جسديًا، لكنهما منفصلان عن العالم، فربما يجتمع شخصان على الحب، لكنهما منفصلان في جوهرهما، ولا يكتمل كل منهما بالآخر. هكذا جاءت تلك المفارقة الفنية من حب/حميمية في المقدمة، مقابل عالم جاف ومضطرب في الخلفية.
كذلك ربما يأخذنا العمل إلى قراءة اجتماعية، لا تنفصل عن الواقع الشعوري لصاحبها، ولا تجور على التكوين الجمالي للعمل، لكنها تضفي إليه أبعادًا أخرى جمالية تحمل رمزيات أخرى لا يمكن تجاوزها، ومن هنا يمكن حتى اعتبار الشخصيتين وكأنهما تحاولان صناعة مساحة حميمة خاصة بهما وسط عالم قاسٍ، تحكمه القيم المادية، وتحول المشاعر والأحاسيس الإنسانية إلى قيم قابلة للقياس والاستهلاك، حتى قارب الإنسان أن يتحول إلى آلة تتحكم في مشاعرها اعتبارات عصرية أخرى، وتحدد قدرتها على العيش والاختيار، وكأن من يملك المال فقط هو القادر على الحب.
وهنا تحديدًا لا يمكن تجاوز ملامح الاغتراب الإنساني الذي تحمله اللوحة، وهو ما تجسد بشكل واضح من خلال استخدام رنا خطوطًا هندسية حادة تعمل كحواجز تفصل العناصر، وتخلق شعورًا بالسجن أو التبدد، وإبراز شخوص وحيدة في مساحات واسعة وموحشة تعكس الفراغ الداخلي، في تعبير محتمل عن شعور بعدم الانتماء إلى هذا الواقع الجاف والقاسي، وربما، في قراءة أكثر اتساعًا، عن صدمة الإنسان أمام التكنولوجيا والصراعات السياسية والتحولات الرأسمالية السريعة.
وهنا مفارقة جمالية أخري للوحة تتحدث عن القرب باستخدام لغة تقوم أساسًا على التفكيك؛ تفكيك الشكل التقليدي وإعادة بنائه من خلال كتل ومساحات هندسية، بما يفتح العمل على أكثر من قراءة وتأويل، وهنا تتحرر رنا من القوالب النمطية لصالح تكوينات بصرية أكثر رمزية، ليصبح المعنى نسبيًا ومتغيرًا.
بشكل عام، تمثل «between shadow and light» إنتاجًا أكثر نضوجًا في تجربة رنا خالد الفنية، وتكشف عن مفاهيم جديدة ربما تشكل نواة مشروع فني في طور اكتماله؛ مشروع يحمل الكثير من الأفكار، ويعيد طرح أسئلة وجودية، ويبحث عن إجابات من خلال قوالب فنية أكثر معاصرة وجمالية.

الفنانة رنا خالد