نجيب محفوظ والتراث.. الماضى طريقة لكتابة الحاضر

الأحد، 30 أغسطس 2026 01:00 م
نجيب محفوظ والتراث..  الماضى طريقة لكتابة الحاضر نجيب محفوظ

أحمد إبراهيم الشريف

حين أراد نجيب محفوظ أن يعرّف نفسه أمام العالم بعد حصوله على جائزة نوبل، لم يبدأ بعدد الروايات التي كتبها، ولا بالجوائز التي حصل عليها، ولا حتى بالقاهرة التي التصق اسمه بها، عاد إلى نقطة أبعد بكثير وقال "أنا ابن حضارتين" الحضارة الفرعونية والحضارة الإسلامية، ثم أضاف أنه نشأ في حضنهما، وتغذى من أدبهما وفنهما، قبل أن يلتقي الثقافة الغربية الحديثة.

ربما تصلح هذه الكلمات مدخلًا لفهم جانب أساسي في عالم محفوظ، فالكاتب الذي صار واحدًا من آباء الرواية العربية الحديثة لم يرَ الحداثة بابًا يقتضي إغلاق الأبواب القديمة وراءه، حمل الماضي معه، لكنه لم يحمله في صورته المحفوظة داخل الكتب والمتاحف، كان يفككه، ويختار منه، ويغيّر وظيفته، ويضعه أمام أسئلة عصره، لذلك يستطيع القارئ أن يعثر داخل أعمال محفوظ على مصر القديمة والقصص الديني والتصوف والسير الشعبية وألف ليلة وليلة وأدب الرحلات والحكاية الشفاهية وأجواء الأولياء والفتوات والحرافيش، وكلها تدخل الرواية الحديثة وتخرج منها بشيء جديد.

مصر القديمة .. بداية وحضور مستمر

قبل أن يصبح محفوظ روائي القاهرة الأشهر، كان شديد الانشغال بمصر القديمة، كان أول كتاب نشره ترجمة لكتاب عن مصر القديمة، ثم جاءت رواياته المبكرة "عبث الأقدار" التي عرفت لاحقًا و"رادوبيس"، و"كفاح طيبة"، وجميعها تدور في العالم الفرعوني، وتربط دراسات هذه المرحلة بين اختياره مصر القديمة والمناخ الفكري الذي عرفته مصر في العقود الأولى من القرن العشرين، حين أصبح البحث عن الجذور المصرية جزءًا من سؤال الهوية الوطنية.

كان يمكن لهذه الروايات أن تتحول إلى إعادة بناء للماضي، ملوك ومعابد وقصور وحروب وأزياء قديمة، لكن محفوظ اكتشف مبكرًا أن التاريخ يصبح أكثر قيمة حين يستطيع أن يتحدث إلى الزمن الذي يُكتب فيه.
ولهذا كانت مصر القديمة عنده حاضرةً بحكايات السلطة والعدل والشرعية والحاكم ومصير الجماعة، وتشير الأكاديمية السويدية في تقديمها لأعماله عند منحه نوبل، إلى أن رواياته الفرعونية المبكرة كانت تحمل بالفعل نظرات جانبية إلى المجتمع المعاصر، كان الماضي بعيدًا في الزمن، قريبًا جدًا في الأسئلة.
ولم تختفِ مصر القديمة عندما غادر محفوظ الرواية التاريخية واتجه إلى القاهرة الحديثة، فبعد نحو أربعين عامًا عاد إليها بصورة أكثر تركيبًا، في "أمام العرش" استعار محكمة أوزوريس، بما تحمله من صدى واضح للمحاكمة في التراث المصري القديم وكتاب الموتى، ثم وضع أمامها حكام مصر عبر عصورها، من التاريخ القديم إلى العصر الحديث، صار التراث هنا جهازًا روائيًا كاملًا يمكن بواسطته أن يُستدعى التاريخ كله إلى قاعة واحدة، وأن يصبح الحكم على أصحاب السلطة ممكنًا من موقع يتجاوز أزمنتهم وأنظمتهم.
وفي "العائش في الحقيقة" عاد إلى أخناتون، لكنه عاد إليه من خلال تعدد الروايات والشهادات، شخصية تاريخية قديمة تتحول إلى سؤال شديد الحداثة: أين توجد الحقيقة عندما يروي كل شخص الحكاية من موقعه؟ وهل يمكن الوصول إلى إنسان واحد من خلال الصور المتناقضة التي يحملها الآخرون عنه؟
وهكذا تغيرت علاقة محفوظ بالتراث المصري القديم، في البداية كان الماضي عالمًا تدخل إليه الرواية، ثم أصبح الماضي أداة ترى بها الرواية أزمتها المعاصرة.

والأمر نفسه حدث مع التراث الديني

في "أولاد حارتنا" لم يستدع محفوظ النصوص الدينية لكي يعيد حكايتها، أخذ بنية كبرى عرفتها الذاكرة الدينية للإنسان، بداية الخلق والصراع وظهور المصلحين والصراع المستمر بين القوة والعدل، ثم نقل هذه البنية إلى الحارة.

وهنا يمكن أن نرى واحدة من أهم طرائق محفوظ في التعامل مع التراث، إنه يأخذ الحكاية التي يعرفها القارئ مسبقًا، ثم يغيّر مكانها ووظيفتها، المعرفة السابقة لا تختفي، تظل خلف النص تجعل القارئ يرى مستويين في اللحظة نفسها، الحكاية الموجودة أمامه، والحكاية القديمة التي تتحرك في عمقها.
ولذلك لا تحتاج الحارة في "أولاد حارتنا" إلى أن تكون مكانًا جغرافيًا محددًا، تستطيع أن تكون حارة مصرية، وتستطيع في الوقت نفسه أن تتسع لتاريخ الإنسان وهو يعيد إنتاج الأسئلة نفسها: من يملك القوة؟ من يطلب العدل؟ لماذا ينتصر الظلم مرة أخرى بعد رحيل من قاومه؟ ولماذا يحتاج البشر في كل جيل إلى أن يبدأوا المعركة من جديد؟

التراث الشعبي

نجيب محفوظ ابن الجمالية، نشأ في عالم الحارة بما فيه من مقاهٍ وحكايات وأولياء وموالد وفتوات ودراويش وشيوخ وأمثال وشائعات وحكايات تنتقل من فم إلى فم، والحارة التي ستظهر بعد ذلك في عشرات الأعمال لم تكن مجرد ديكور شعبي، وإنما عالمًا له ذاكرته ونظامه وقوانينه ورموزه، ويشير متحف نجيب محفوظ نفسه إلى أن الحارة، منذ طفولته في الجمالية، أصبحت واحدًا من أهم مصادر عالمه الروائي.
وتبلغ هذه العلاقة ذروة خاصة في "ملحمة الحرافيش"، العنوان نفسه يعلن طموح النص، نحن أمام "ملحمة"، عائلة تمتد حكايتها عبر أجيال، يتكرر فيها الصعود والسقوط، ويظهر الفتوات، ويتحول بعض الأشخاص إلى أبطال وتتحول حكاياتهم مع الزمن إلى ما يشبه الأسطورة، وقد ربطت دراسات الرواية مباشرة بتقاليد السيرة الشعبية العربية وبنية البطل الشعبي، ورأت أنها تستفيد من أشكال الحكي السابقة على الرواية الحديثة لكي تروي تاريخ السلطة والبطولة والجماعة.
ومحفوظ هنا يفعل شيئًا بالغ الذكاء، إنه لا يستعيد السيرة الشعبية في صورتها القديمة، وإنما يأخذ فكرتها الأساسية، البطل الذي يخرج من الجماعة، القوة التي يحصل عليها، الحكايات التي تنسج حوله، ثم علاقة الناس به، وبعد ذلك يطرح سؤالًا حديثًا جدًا، من يصنع البطل؟ وهل القوة التي تبدأ بحماية الناس تستطيع أن تنتهي إلى الاستبداد بهم؟ وما مسؤولية الجماعة نفسها عن صناعة الفتوة الذي يحكمها؟

لذلك يستطيع التراث عند محفوظ أن يمنحه الحكاية، ثم يمنحه في الوقت نفسه وسيلة لنقد الحكاية.

"ألف ليلة وليلة".. كنز لا ينفد

في رائعته "ليالي ألف ليلة" يدخل محفوظ واحدًا من أشهر النصوص الحكائية في التراث العربي والإسلامي، ويستعير شخصياته وأجواءه وروحه السحرية، شهريار وشهرزاد والسندباد وعلاء الدين والجن والعجائب والمدينة الغامضة، لكنه يجعل هذا العالم قادرًا على استقبال أسئلة السياسة والفساد والسلطة والخوف والرغبة، وتشير الدراسات إلى معالجة محفوظ تعيد تشكيل عناصر الحكاية القديمة وشخصياتها وبنيتها في سياق حديث.
وهذا ربما يكشف الفرق بين كاتب يقتبس من التراث وكاتب يعيش التراث، الأول يأخذ منه شخصية أو حادثة أو جملة، أما محفوظ فيدخل إلى آلية الحكي نفسها.
من "ألف ليلة وليلة" يأخذ قابلية العالم لأن يصبح عجيبًا، وقدرة الحكاية على إنجاب حكاية أخرى، واختلاط الواقعي بالخارق، ومن السيرة الشعبية يأخذ تعاقب الأجيال وصناعة البطولة، ومن القصص الديني يأخذ البنية الكبرى للصراع بين العدل والقوة، ومن مصر القديمة يأخذ امتداد التاريخ وأسئلة الحكم والحقيقة والخلود، ثم يضع كل هذا داخل الرواية، ولهذا يصعب القول إن محفوظ عاد إلى التراث في مرحلة معينة من حياته، لأنه في الحقيقة لم يغادره تمامًا.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة