أحمد إبراهيم الشريف

نجيب محفوظ.. رجل يشبه نفسه

الأحد، 30 أغسطس 2026 11:22 ص


عشرون عامًا مرت على رحيل نجيب محفوظ، السارد الأكبر فى الأدب العربى الحديث، ولا يزال الرجل حديث الدنيا كلها، يتناول الناس أدبه وإبداعه، ويتحدثون عن شخصه وصفاته، ويناقشون مواقفه وآرائه، يتفقون ويختلفون منطلقين من قيمته نجيب ومكانته وأثره.

وما يحدث من جدل ونقاشات هو حق الناس، لكن ما لا يصح أن كل واحد منَّا يطلب من نجيب محفوظ ما يطلبه من نفسه، يريد من نجيب أن يتصرف مكانه، أن يتبنى قضاياه، أن يقبل ويرفض على طريقته، وهذا أمر غريب، فقد كان نجيب محفوظ يتحدث بما يناسبه هو، وليس بما يناسبنا نحن المختلفين حوله أو المتفقين معه.

نجيب محفوظ ابن ظروفه وطبيعته وشخصيته، ابن ثقافته وتربيته، ابن رؤيته، رجل له موقف من العالم، لكنه موقف يخصه هو، يعبر عنه فى أعماله،و لأن عمله أساسه "السرد" فإن لذلك أثره فى فكره، إذ إنه صار يعرف جيدا تعدد الأصوات ويؤمن بالاختلاف، كما أن طبيعة نجيب لا تحب الصدام ولا الترصد، ولا يرى قيمته مستمدة من هذه النقطة.
إن المتتبع للقاءات التى ظهر فيها نجيب محفوظ متحدثًا عن نفسه، والمنتشرة على وسائل السوشيال ميديا، يستطيع أن يستخلص عددًا من السمات التى تساعد على فهم شخصيته، ومن ذلك:
الهدوء الشديد: كان يتحدث بإيقاع هادئ، ونادرًا ما يبدو منفعلاً حتى عند تناول قضايا خلافية.
التواضع: لم يكن يميل إلى تقديم نفسه باعتباره "الكاتب الكبير"، و يتحدث عن تجربته ببساطة، وأحيانًا بسخرية من نفسه.
خفة الظل: تظهر فى كثير من إجاباته سرعة البديهة والقدرة على تحويل المواقف الجادة إلى نكتة خفيفة من دون افتعال.
الانضباط: حديثه المتكرر عن مواعيد الكتابة والعمل والوظيفة والمقهى يكشف شخصية شديدة الالتزام بالنظام والعادة.
الصبر وطول النفس: تجربته الأدبية نفسها، وتأخر الاعتراف النقدى به، وطريقته فى التعامل مع النشر والوظيفة، توحى بقدرة واضحة على الاستمرار من دون استعجال النتائج.
الواقعية: كان ينظر إلى الناس والحياة من دون مثالية زائدة، ويتعامل مع تناقضات الإنسان باعتبارها جزءًا طبيعيًا من الواقع.
الحذر فى الحكم: غالبًا ما كان يتجنب الأحكام المطلقة، ويميل إلى الإجابات المركبة التى ترى أكثر من جانب للمسألة.
التسامح مع الاختلاف: حتى عندما تعرض للنقد أو الهجوم، تبدو لغته فى كثير من اللقاءات أبعد عن الخصومة الشخصية.
الوعى بالذات: كان قادرًا على الحديث عن نقاط ضعفه، وتأخر زواجه، وعلاقته بالوظيفة، ومخاوفه، وبعض مراحل حياته من دون محاولة صناعة صورة مثالية لنفسه.
الاقتصاد فى الكلام: إجاباته غالبًا قصيرة ومباشرة، لكنها تحمل معنى أكبر من حجمها، وهى سمة قريبة أيضًا من أسلوبه فى بعض مراحل كتابته.
الفضول الفكري: يظهر من حديثه عن الفلسفة والسياسة والدين والتاريخ والفن أنه كان مهتمًا بما يتجاوز الأدب وحده.
القدرة على الملاحظة: وهى من أوضح سماته، فقد كان يلتقط تفاصيل البشر والعلاقات والحارة والوظيفة والمقهى، وهى قدرة تبدو فى حديثه كما تبدو فى رواياته.
الابتعاد عن الاستعراض: لم يكن حضوره قائمًا على صناعة صورة نجم أو مثقف متعالٍ، لكن على بساطة لافتة فى الأداء والكلام.
الإحساس بالمفارقة: كان يرى الجانب المضحك والمؤلم فى الموقف نفسه، وهذه من السمات الأساسية فى نظرته إلى الحياة والإنسان.
المرونة الفكرية: تغيرت بعض آرائه ومواقفه مع الزمن، وكان يستطيع الاعتراف بأن تجربة الحياة عدلت بعض تصوراته السابقة.

هذا هو  نجيب محفوظ، رجل يشبه نفسه، وأنتم أيها الناس تشبهون أنفسكم.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة