لم تعد أزمة جماعة الإخوان الإرهابية في الخارج تقف عند حدود الانقسام التنظيمي أو الصراع على القيادة، وإنما امتدت إلى المنظومة الإعلامية التي طالما قدمتها الجماعة باعتبارها ذراعًا للدفاع عن مشروعها السياسي وخطابها الديني. فمع تراجع قدرة التنظيم على الحشد المباشر، وتحول قياداته إلى جبهات متنافسة في لندن وإسطنبول، باتت المنصات الإعلامية والرقمية إحدى ساحات المعركة الأساسية، ليس فقط في مواجهة الخصوم، وإنما داخل البيت الإخواني نفسه.
المشهد الحالي يكشف مفارقة واضحة، تنظيم يرفع شعارات الأخوة والسمع والطاعة ووحدة الصف، بينما تنقل منصاته وقنواته صراعًا مفتوحًا بين قياداته، تتداخل فيه الاتهامات السياسية والمالية والشخصية، وتتحول فيه أدوات الإعلام من وسيلة لتقديم مشروع سياسي إلى سلاح لتصفية الحسابات.
من المعارضة السياسية إلى اغتيال الشخصية
على مدار السنوات الماضية، اعتمدت منصات الإخوان في الخارج على خطاب سياسي يقوم بصورة أساسية على مهاجمة الدولة المصرية وتشويه مؤسساتها وتقديم روايات موازية للأحداث، ومع تراجع قدرة التنظيم على صناعة تأثير سياسي مباشر داخل الشارع، أصبح الإعلام الخارجي والفضاء الرقمي أحد أهم البدائل للحفاظ على الحضور والتأثير. وتشير تقارير حديثة إلى توسع الجماعة في استخدام القنوات والمنصات العابرة للحدود لإعادة إنتاج خطابها السياسي ومحاولة تعويض تراجع وجودها التنظيمي المباشر.
لكن اللافت أن خطاب الخصومة السياسية أخذ منحى أكثر شخصية، فتحولت المعركة في كثير من الأحيان من مناقشة المواقف والسياسات إلى استهداف الأشخاص، والتشكيك في النوايا والذمم، وإعادة تدوير معلومات شخصية أو اتهامات يصعب فصلها عن سياق الصراع السياسي والتنظيمي.
وهنا تظهر خطورة إعلام التشهير؛ لأنه لا يحتاج إلى إثبات الرواية بقدر ما يحتاج إلى انتشارها، فالمعلومة المقتطعة، أو الاتهام غير الموثق، أو المقطع الخارج من سياقه، يمكن أن يتحول عبر المنصات الرقمية إلى مادة واسعة التداول قبل أن تتاح فرصة التحقق منها.
المنصات الإعلامية.. ساحة أخرى للصراع على النفوذ
لم يعد امتلاك المنصة الإعلامية داخل التنظيم الإخواني مسألة مهنية فقط، وإنما أصبح جزءًا من معادلة النفوذ والشرعية، فالصراع بين جبهتي لندن وإسطنبول تطور خلال السنوات الأخيرة إلى معركة على القيادة والموارد والشبكات الإعلامية، فيما برزت اتهامات متبادلة بشأن إدارة الأموال والأصول والاستثمارات.
وتكشف تقارير منشورة في 2026 أن الانقسام داخل التنظيم لم يعد ثنائيًا بصورة مطلقة، بل ظهرت إلى جواره تيارات وجبهات أخرى، فيما احتلت المنصات الإعلامية موقعًا متقدمًا في صراع السيطرة على أدوات التأثير.
وفي هذا السياق، تصبح القناة أو المنصة أكثر من مجرد شاشة، فهي أداة لإثبات امتلاك الشرعية، وتحديد من يتحدث باسم التنظيم، وتوجيه قواعده، والرد على الخصوم داخل الجماعة قبل الخصوم خارجها.
حين انقلب السلاح على أصحابه
أبرز ما يكشف طبيعة الأزمة أن الأدوات التي استخدمتها الجماعة في مواجهة خصومها تحولت إلى أدوات للصراع بين أجنحتها، فقد خرجت الخلافات بين جبهتي لندن وإسطنبول من الغرف التنظيمية المغلقة إلى المجال العام، وتبادلت الأطراف الاتهامات بشأن الأموال والقيادة والموارد والنفوذ.
وتشير تقارير حديثة إلى أن الصراع امتد إلى أوضاع الشباب الإخواني الموجود في الخارج، مع اتهامات باستخدام ملفات الإقامة والسكن والعمل والمساعدات المالية كأدوات للضغط وفرض الولاء، في صورة تعكس عمق الأزمة التي أصابت البناء التنظيمي للجماعة.
وهكذا لم يعد المتابع يرى تنظيمًا يتحدث من موقع واحد، وإنما جبهات متعددة تتنافس على تقديم نفسها باعتبارها الممثل الشرعي للجماعة، وتستخدم المنصات الإعلامية لكشف خصومها ومهاجمتهم والرد عليهم.
اقتصاد المنصات يفتح بابًا جديدًا للصراع
الصراع الإعلامي لا يمكن فصله عن ملف التمويل، فاستمرار قناة تعمل على مدار الساعة يحتاج إلى بنية مالية وإدارية، وهو ما جعل مصادر تمويل المنصات التابعة للجماعة محل تساؤلات وتحقيقات إعلامية متكررة.
وفي يونيو 2026، خرج للنور تفاصيل مرتبطة بهيكل تمويل قناة «مكملين» وشبكة الشركات والكيانات المرتبطة بها، كما أشارت إلى ارتباط إدارة المنصة بالصراع الأوسع بين أجنحة الجماعة على النفوذ والسيطرة على أدوات التأثير الإعلامي.
وهنا يصبح الإعلام جزءًا من المعادلة الاقتصادية للتنظيم: من يمتلك المنصة يمتلك القدرة على توجيه الرسالة، ومن يملك الموارد يستطيع الحفاظ على حضوره، ومن يفقد التمويل يفقد تدريجيًا إحدى أهم أدوات التأثير.
السوشيال ميديا.. منابر للتضخيم وإعادة تدوير الروايات
مع انتقال الجمهور إلى «إكس» وفيسبوك وتيك توك وغيرها، لم تعد القنوات الفضائية وحدها قادرة على صناعة التأثير. وأصبحت المنصات الرقمية مجالًا لإعادة تدوير المقاطع القديمة، واجتزاء التصريحات، وإعادة نشر الروايات ذاتها عبر حسابات متعددة، بما يمنح القصة انتشارًا أكبر من حجمها الحقيقي.
ولا يعني ذلك أن كل حساب أو حملة رقمية تقف بالضرورة خلفها غرفة عمليات واحدة، لكن المؤكد أن طبيعة البيئة الرقمية تسمح بتضخيم المحتوى المثير للجدل، خصوصًا عندما يكون قائمًا على الصدام والاستقطاب والاتهامات الشخصية.
وهنا تكمن مشكلة الخطاب الإخواني الخارجي، كلما تراجع المحتوى السياسي القابل للنقاش، ارتفعت قيمة المادة المثيرة للجدل؛ وكلما أصبح الهدف هو جذب الانتباه، تحولت الخصومة السياسية إلى معركة شخصية.
الانقسام الداخلي يفضح هشاشة خطاب «وحدة الجماعة»
لطالما قدمت الجماعة نفسها باعتبارها تنظيمًا شديد الانضباط، تحكمه وحدة القرار والالتزام التنظيمي، إلا أن السنوات الأخيرة أظهرت صورة مختلفة تمامًا، مع انقسام القيادة بين جبهات متعددة وتنافس على الشرعية والموارد والمنصات.
وبحسب تقارير منشورة خلال 2026، فإن الصراع بين جبهتي لندن وإسطنبول لم يعد مجرد خلاف تنظيمي، وإنما أصبح مواجهة على النفوذ والموارد والأصول والقنوات الإعلامية، ووصلت بعض الخلافات إلى ساحات القضاء.
والأهم أن هذا الصراع لم يعد قابلًا للإخفاء عن قواعد الجماعة؛ فكل جبهة باتت تمتلك منابرها ورسائلها وروايتها الخاصة، بينما يتحول جمهور التنظيم نفسه إلى متلقٍ لصراع القيادات بدلًا من تلقي خطاب سياسي موحد.
السقوط من «منبر سياسي» إلى «ساحة تصفية حسابات»
في النهاية، لا تكمن أزمة منصات الإخوان في الخارج في حدة خطابها السياسي وحدها، وإنما في تحول جزء من هذا الخطاب إلى مساحة مفتوحة للتشهير وتصفية الحسابات، بما يضرب الصورة التي حاول التنظيم ترسيخها عن نفسه لعقود.
فالتنظيم الذي يتحدث عن وحدة الصف باتت جبهاته تتصارع علنًا، والذي يرفع شعارات الأخوة أصبحت قياداته تتبادل الاتهامات، والذي يقدم منصاته باعتبارها أدوات للعمل السياسي أصبح يستخدمها بصورة متزايدة في معارك النفوذ الداخلية.
والنتيجة أن الشاشات التي كان يُراد لها أن تكون «جسرًا» لاستعادة التأثير تحولت إلى مرآة تكشف حجم التصدع الداخلي، ومع استمرار الصراع على المال والشرعية والمنصات، يبدو أن أخطر ما تواجهه الجماعة في الخارج لم يعد خصومها وحدهم، وإنما ماكينة إعلامية بدأت تستهلك رصيدها من الداخل، وتحول الخلاف التنظيمي إلى مادة علنية، وتكشف يومًا بعد آخر أن الأزمة الحقيقية لم تعد أزمة خطاب فقط، بل أزمة تنظيم فقد القدرة على تقديم رواية واحدة حتى لأتباعه.