لا تزال سرقة تحفة فنية من عصر النهضة في مدينة ميسينا الإيطالية تثير حيرة المحققين، بعد أن تمكن لصوص من اقتحام المتحف وسرقة أجزاء من عمل للفنان أنطونيلو دا ميسينا خلال دقائق، بينما تركوا جزءًا من التحفة خلفهم.
السرقة حدثت في الساعة 8:47 مساء 15 أغسطس، وبينما كانت شوارع وسط ميسينا تعج بعشرات الآلاف من المشاركين في احتفال ديني، تمكن رجلان على الأقل من قطع السياج المحيط بالمتحف الإقليمي، الواقع في أطراف المدينة الساحلية بجزيرة صقلية.
واستغل اللصوص خلو المنطقة المحيطة بالمتحف، واقتحموا بابًا جانبيًا باستخدام عتلة، ليصلوا مباشرة إلى خزانة عرض تضم الألواح الخمسة المتبقية من تحفة أنطونيلو دا ميسينا “بوليتكو دي سان جريجوريو”، إلى جانب لوحة صغيرة مزدوجة الوجه.
وبحسب مصادر التحقيق التى ذكرتها صحيفة الجارديان، لم تستغرق العملية سوى دقيقتين أو ثلاث، قبل أن يخرج اللصوص من المبنى ويفروا من المكان.
تحفة أنطونيلو دا ميسينا
لماذا اختاروا 15 أغسطس؟
يرى المحققون أن اختيار هذا اليوم لم يكن مصادفة، إذ يتزامن 15 أغسطس مع احتفال “موكب فارا” الديني، الذي يقام في ميسينا منذ عام 1535، بالتزامن مع عطلة “فيراجوستو” الوطنية في إيطاليا.
ويجذب الاحتفال أكثر من 150 ألف شخص إلى وسط المدينة، بينما تنتشر مئات من عناصر الشرطة وتُغلق الطرق والميادين الرئيسية، ما يجعل أطراف ميسينا شبه خالية.
وقال ليليو بوناكورسو، خبير الفنون من ميسينا، إن أغلب من يبقون في منازلهم خلال الاحتفال هم من كبار السن، بسبب الحرارة المرتفعة والحشود الكبيرة، وهو ما جعل المنطقة المحيطة بالمتحف هادئة.
لغز الباب غير المؤمّن
بحسب مصادر محلية، دخل رجلان ملثمان يرتديان خوذات دراجات نارية إلى المتحف، بينما يُعتقد أن شخصين آخرين ربما بقيا في الخارج لمراقبة المكان.
ولا يزال المحققون يبحثون عن نقطة دخولهم إلى أرض المتحف، لكن إحدى الفرضيات تشير إلى أنهم ربما دخلوا عبر مبنى سكني مجاور.
وبعد قطع السياج، توجه اللصوص مباشرة إلى باب جانبي يُعتقد أنه كان واحدًا من المداخل القليلة غير المزودة بنظام إنذار، وهو ما اثار التساؤل عن كيف عرف اللصوص أن هذا الباب تحديدًا غير مؤمّن، وكيف تمكنوا من إخراج خمسة ألواح فنية في غضون دقائق؟
الإنذار انطلق بالفعل
ورغم أن الباب الجانبي لم يكن مزودًا بالإنذار، فإن تحفة أنطونيلو نفسها كانت محمية بنظام أمني مصمم لإطلاق إنذار عند أدنى حركة.
وبحسب مصادر التحقيق، أطلق النظام الإنذار بالفعل، لكن أحد الحراس قال للمحققين إنه سمعه وأوقفه، معتقدًا أنه إنذار كاذب، وهو ما يثير الشكوك حول وجود شخص من داخل المتحف على علم بنظام التأمين، إلا أن الشرطة لم تؤكد وجود أي تورط داخلي.
لماذا تركوا لوحين من التحفة؟
بعد نحو عشر دقائق من السرقة، لاحظت امرأة وجود لوحات فنية على جدار منخفض خارج المتحف، فأبلغت الشرطة، وكانت المفاجأة أن اللصوص تركوا لوحين من الألواح الخمسة الخاصة بتحفة “بوليتكو دي سان جريجوريو” خارج المتحف، ولم تكن اللوحتان ملقاتين على الأرض، وإنما وُضعتا بعناية فوق الجدار.
تحفة لا يمكن بيعها بسهولة
تعود التحفة إلى القرن الخامس عشر، وصنعها أنطونيلو دا ميسينا لصالح دير سان جريجوريو، وكانت تتكون في الأصل من ستة ألواح، ولم تغادر ميسينا طوال تاريخها، كما نجت من زلزال عام 1908 الذي دمر المدينة وأودى بحياة نحو نصف سكانها.
ويُنظر إلى العمل لدى بعض سكان ميسينا باعتباره رمزًا لصمود المدينة وقدرتها على النهوض بعد الكوارث التي تعرضت لها عبر تاريخها.
ويضم المتحف الإقليمي متعدد التخصصات في ميسينا، المعروف باسم “MuMe”، عددًا من أبرز الكنوز الأثرية والفنية في صقلية، من بينها لوحتان للفنان الإيطالي كارافاجيو.
وتعرضت إحدى لوحات كارافاجيو في صقلية، وهي “ميلاد المسيح مع القديس فرنسيس والقديس لورانس”، للسرقة عام 1969 من مصلى سان لورينزو في باليرمو، ولم يُعثر عليها حتى الآن، فيما اشتبه المحققون منذ سنوات في تورط المافيا في سرقتها.
وبعد سرقة تحفة أنطونيلو، قال المدعي العام في ميسينا إن احتمال تورط المافيا لا يمكن استبعاده، لكن هذه الفرضية لم تثبت حتى الآن.
كما يبحث المحققون احتمالات أخرى، بينها تنفيذ السرقة بناءً على طلب شخص بعينه، أو محاولة الحصول على فدية، أو حتى الهروب باستخدام زورق سريع عبر مضيق ميسينا الذي يفصل صقلية عن البر الإيطالي.
لكن بيع التحفة في سوق الفن سيكون شديد الصعوبة، فهي عمل شهير يسهل التعرف عليه، كما أن فقدان جزء منها يجعل عرضها أو بيعها أكثر تعقيدًا.
ويرى مارينيلو أن اللصوص قد يكتشفون سريعًا أن الأعمال المسروقة أصبحت شديدة الخطورة بالنسبة إليهم، لأنها لن تكون سهلة البيع أو العرض، وقد يضطرون إلى إخفائها بدلًا من جني الملايين التي ربما كانوا يتوقعونها.