هويدا عزت

الذاكرة المؤسسية.. حين تتحول الخبرة إلى إرث للأجيال

الإثنين، 03 أغسطس 2026 01:37 ص


"لا يحدث التطور إلا بتراكم الخبرات، وليس من الضروري أن يعيش الإنسان حتى سن التقاعد ليكتسب الخبرة بنفسه؛ فالتقدم الحقيقي يتحقق عندما تتوارث الأجيال الخبرات والمعارف".

بهذه الكلمات البسيطة والعميقة، وخلال لقائه في أحد البرامج التلفزيونية، عبر الفنان الراحل نور الشريف عن حقيقة جوهرية في حياة الأفراد والمؤسسات على حد سواء؛ فالعمر الإنساني محدود، ولا يكفي لأن يختبر الإنسان بنفسه كل المواقف والتجارب التي مر بها الآخرون، ولو اضطر كل جيل إلى البدء من نقطة الصفر؛ لتباطأت مسيرة التقدم، أما توارث الخبرات فإنه يختصر الزمن ويمنح الأفراد القدرة على البناء على ما أنجزه السابقون.

فإذا كانت الخبرة في معناها الإنساني البسيط هي خلاصة تجارب الفرد وعمره، فإنها في عالم المؤسسات والشركات تتحول إلى ما يُعرف في الأدبيات الإدارية بـ "الذاكرة المؤسسية"، وتُعد الذاكرة المؤسسية الرصيد المعرفي الذي تحتفظ فيه المؤسسة بخبراتها المتراكمة، وتستند إليه في إدارة أعمالها واتخاذ قراراتها.

وحين تُوثَّق الخبرات وتُنقل بين العاملين، تنتقل المؤسسة من الاعتماد على خبرات الأفراد إلى بناء منظومات عمل قادرة على الاستمرار مهما تغير الأشخاص أو تعاقبت الأجيال الوظيفية. ولذلك لا يقاس تقدم المؤسسات بامتلاك أفراد أكثر خبرة، بل بقدرتها على تحويل خبراتهم إلى ذاكرة مؤسسية تحفظ المعرفة، وتضمن استمراريتها، وتبقى فاعلة حتى بعد رحيل أصحابها.

لكن إذا كانت الخبرة بهذه القيمة، فلماذا تسمح بعض المؤسسات بأن تغادر مع أصحابها؟

ولعل إحدى آفات المجتمعات والمؤسسات هي غياب ثقافة نقل المعرفة والخبرة، حيث تضيع تجارب ثمينة برحيل أصحابها أو تقاعدهم، فتتكرر الأخطاء، وتُهدر الجهود، ويُستهلك الوقت في إعادة اكتشاف ما كان معروفًا من قبل. ومن هنا تصبح مشاركة الخبرات وتوثيقها ونقلها بين الأجيال الوظيفية ضرورة لضمان استمرارية التعلم، والحفاظ على الذاكرة المؤسسية، وتمكين المؤسسة من مواصلة التطور دون أن تبدأ من جديد مع كل جيل.

وفي عالم الإدارة، تُعد الخبرة أحد أهم الأصول غير الملموسة التي تمتلكها المؤسسات؛ فالموظف لا ينقل فقط ما تعلمه من إجراءات وتعليمات، بل ينقل أيضًا ما اكتسبه من فهم للمواقف، وقدرة على حل المشكلات، ودروس مستفادة من النجاحات والإخفاقات، وعندما تغيب آليات نقل هذه الخبرات، تجد المؤسسة نفسها تعيد اكتشاف ما تم اكتشافه سابقًا، وتكرر أخطاء سبق أن دفعت ثمنها.

إن أحد أبرز التحديات التي تواجه كثيرًا من المؤسسات هو أن نقل الخبرة لا يحدث تلقائيًا؛ فقد يحتفظ بعض أصحاب الخبرة بمعارفهم خوفًا من فقدان مكانتهم، أو اعتقادًا بأنها مصدر لتميزهم، فيتعاملون معها بوصفها رصيدًا شخصيًا لا أصلًا مؤسسيًا. وفي المقابل، قد تغيب الأنظمة التي تشجع على توثيق الخبرات، والتوجيه المهني، وتبادل المعرفة، أو تحول ضغوط العمل دون إتاحة الوقت الكافي لذلك. وهنا تكمن المشكلة؛ فكلما غادر صاحب خبرة دون أن ينقل ما تعلمه، فقدت المؤسسة جزءًا من ذاكرتها، بينما يضمن توثيق المعرفة وتبادلها استمرار التعلم وتراكم الخبرات جيلاً بعد جيل.

ولعل ما يحدث في بعض المؤسسات يوضح خطورة احتكار المعرفة بصورة عملية، ففي إحدى الشركات تولى أحد العاملين على مدار سنوات تصميم نظام معلومات يربط الشركة بالجهات التي تتعامل معها، حتى أصبح الوحيد القادر على تشغيله وفهم تفاصيله، وعندما بلغ سن التقاعد، لم تكن المعرفة قد نُقلت إلى غيره، ولم تُوثق آليات تشغيل النظام، فأصبحت المؤسسة تواجه صعوبة في استخدامه واستمراره، واضطرت إلى الاستعانة بصاحبه بعد التقاعد لضمان استمرار العمل، ولا تكمن المشكلة هنا في أهمية خبرة هذا الموظف، بل في غياب منظومة مؤسسية تضمن توثيق المعرفة ونقلها قبل مغادرة أصحابها، حتى لا تصبح استمرارية العمل مرهونة بشخص واحد، مهما بلغت كفاءته أو إخلاصه.

وتكشف مثل هذه المواقف عن فارق جوهري بين المؤسسة التي تعتمد على الأفراد، والمؤسسة التي تعتمد على الأنظمة، فالأولى قد تتعطل بخروج أحد موظفيها، أما الثانية فتضمن استمرار العمل لأن المعرفة فيها ملك للمؤسسة، وليست حكرًا على شخص بعينه.  لذا، أصبح توثيق الخبرات، وإعداد البدلاء، ونقل المعرفة جزءًا من إدارة المخاطر المؤسسية، وليس مجرد ممارسة إدارية اختيارية.

ولأن المؤسسات أدركت أن الخبرات قد تضيع برحيل أصحابها، اتجهت إلى تبني ما يُعرف في الفكر الإداري بمفهوم "إدارة المعرفة" بوصفه وسيلة تضمن ألا تتوقف الخبرة عند أصحابها، بل تتحول إلى رصيد تستفيد منه المؤسسة كلها؛ فنجاح أي مؤسسة لا يقاس فقط بكفاءة العاملين فيها، وإنما بقدرتها على الحفاظ على ما تعلموه، وجعل خبراتهم متاحة لكل من يأتي بعدهم.

وليس هذا مجرد تصور نظري؛ فقد أظهرت دراسات إدارة المعرفة أن المؤسسات التي تفقد خبراتها غير الموثقة تدفع ثمن ذلك في صورة بطء في تأهيل العاملين الجدد، وارتفاع تكلفة الأخطاء، وتراجع سرعة اتخاذ القرار، ولهذا أصبح نقل المعرفة اليوم أحد الركائز الأساسية لاستدامة المؤسسات.

ولا تقتصر المعرفة داخل المؤسسات على الإجراءات واللوائح التي يمكن تدوينها وحفظها، بل إن جانبًا مهمًا منها يتكون من خبرات تتراكم عبر الممارسة والتعامل مع المواقف اليومية، فهناك معرفة يمكن توثيقها ونقلها بسهولة، وأخرى تُكتسب بالملاحظة والتجربة والعمل إلى جانب أصحاب الخبرة. ومن هنا لا يكفي توثيق الإجراءات وحده، بل ينبغي أيضًا توفير بيئة تشجع على التوجيه العملي، والتعلم من الخبرة، والتفاعل بين الأجيال الوظيفية، حتى تنتقل المعرفة بكل أبعادها، لا في الوثائق فحسب، بل في الممارسة أيضًا.

ومن الأمثلة الناجحة في نقل المعرفة التجربة اليابانية بعد الحرب العالمية الثانية، والتي تقدم مثالًا واضحًا على قوة توارث الخبرات، فعندما بدأت الشركات اليابانية إعادة بناء صناعاتها، لم تعتمد على استيراد التكنولوجيا فقط، بل أنشأت نظمًا لنقل المعرفة داخل المصانع، حيث يعمل الموظفون الجدد جنبًا إلى جنب مع أصحاب الخبرة، وتُوثق الدروس المستفادة باستمرار، وتتحول الأخطاء إلى فرص للتعلم الجماعي، ولم يكن سر نجاح شركات مثل "تويوتا" في جودة منتجاتها قائمًا على امتلاك أفراد استثنائيين، بل على بناء نظام مؤسسي يحفظ المعرفة ويجعلها تنتقل من جيل إلى آخر، حتى أصبحت الخبرة جزءًا من ثقافة المؤسسة لا من ذاكرة أشخاص بعينهم.

ومع التحول الرقمي، أصبحت المؤسسات تمتلك وسائل أكثر فاعلية لحفظ الخبرات وتبادلها، من خلال قواعد المعرفة، والمنصات الداخلية، والمكتبات الرقمية، إلا أن هذه الأدوات على أهميتها، لا تغني عن التواصل المباشر بين أصحاب الخبرة والأجيال الجديدة؛ فالتكنولوجيا تحفظ المعرفة، لكنها لا تستطيع وحدها أن تنقل الحكمة التي تصنعها سنوات الممارسة.

لذلك يبقى نجاح أي نظام لنقل الخبرة مرهونًا بدور القيادة؛ فالقادة هم من يصنعون بيئة تشجع على التعلم، ويمنحون أصحاب الخبرة الوقت والدعم لنقل معارفهم، ويغرسون لديهم قناعة بأن مشاركة المعرفة ليست خسارة لمكانة الفرد، بل استثمار في قوة المؤسسة؛ وعندما تؤمن القيادة بهذه الثقافة، تتحول الخبرة من جهود فردية متفرقة إلى ممارسة مؤسسية راسخة.

فالمؤسسات لا تُقاس بما تمتلكه من خبرات فحسب، بل بقدرتها على الحفاظ عليها ونقلها من جيل إلى آخر؛ فالخبرة التي تبقى حبيسة عقول أصحابها ترحل برحيلهم، أما حين تصبح معرفة مشتركة، فإنها تغدو ذاكرة حية تحفظ للمؤسسة خبراتها، وتجدد قدرتها على التعلم والتطور؛ وحينئذ لا يبدأ كل جيل من نقطة الصفر، بل ينطلق من حيث انتهى من سبقه، لتغدو الخبرة إرثًا متجددًا، وجسرًا تعبر عليه الأجيال نحو مستقبل أكثر استدامة ونجاحًا.


فالخبرة ليست مجرد حصيلة سنوات من العمل، بل أمانة ومسؤولية تجاه من يواصلون المسيرة من بعدنا، وقيمة المعرفة لا تُقاس بما نحتفظ به لأنفسنا، بل بما ننقله إلى الآخرين، ليبنوا عليه، ويواصلوا مسيرة التطور؛ فهكذا تتقدم المؤسسات، وهكذا تتقدم المجتمعات.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة