الدكتورة سلوى كامل تكتب: المعابد المنقذة والهوية المصرية (3)

الإثنين، 03 أغسطس 2026 06:00 م
الدكتورة سلوى كامل تكتب: المعابد المنقذة والهوية المصرية (3) الدكتورة سلوى كامل رئيس قسم الآثار المصرية بجامعة القاهرة

معبد أبو سمبل وعلم الفلك

يعود الحدث الذي أشعل فتيل هذا المشروع المعماري الضخم إلى العام الخامس من حكم رمسيس الثاني، نحو عام 1274 ق.م. ففي سهول قادش اشتبكت القوات المصرية مع الجيش الحيثي في معركة غيرت مجرى التاريخ الدبلوماسي.

ولا تزال النتيجة الحقيقية لهذه المواجهة موضع جدل بين المؤرخين، إلا أن هذه المعركة أصبحت أساسا لأول معاهدة سلام موثقة في التاريخ، وقعت بعد ستة عشر عاما بين الإمبراطوريتين المتنافستين.

وتتجلى أهمية هذه الاتفاقية الدبلوماسية في قرار رمسيس الثاني نقش بنودها على جدران معبد الأقصر، ثم اتخاذ هذا النصر ذريعة لإطلاق برنامج معماري غير مسبوق في أنحاء المملكة، تُوِّج بإنشاء معابد أبو سمبل.

ولعل السؤال الذي يطرح نفسه هو: لماذا بُنيت هذه المعابد في النوبة؟

يكشف قرار بناء هذه المعابد الضخمة في أراضي النوبة، بعيدا عن مراكز القوة المصرية التقليدية، عن استراتيجية سياسية بالغة الدقة، إذ احتلت هذه المنطقة، الممتدة من جنوب مصر إلى شمال السودان، موقعًا جغرافيًا بالغ الأهمية، تمثل في:
السيطرة على طرق التجارة المؤدية إلى أفريقيا.
الوصول المباشر إلى ثروات النوبة.
توطيد النفوذ المصري على أراضيها.

كما حظيت النوبة بأهمية رمزية خاصة في المخيلة المصرية، فمنذ عصر الدولة الوسطى نُظر إليها باعتبارها امتدادًا طبيعيًا لمصر القديمة، إلا أن فترات الهكسوس المضطربة وبدايات عصر الدولة الحديثة أضعفت السيطرة المصرية عليها.

لذلك شرع رمسيس الثاني وأسلافه من الأسرة التاسعة عشرة في استعادة السلطة المصرية بصورة نهائية على هذه الأراضي الغنية والاستراتيجية. وقد جسّد أبو سمبل هذا الاسترداد، محددًا بوضوح الحدود الجنوبية للإمبراطورية، ورادعًا أي نزعة إلى الثورة المحلية.

وشكّلت معابد أبو سمبل آلة جبارة للدعاية السياسية، إذ أسهم كل عنصر معماري في تضخيم صورة الملك وفق برنامج أيقوني محكم، كما وسّعت النقوش الداخلية نطاق هذه الرسالة من خلال مناظر مفصلة خلدت البراعة العسكرية لرمسيس الثاني في معركة قادش، مصورةً ملكًا لا يُقهر، محبوبًا من الآلهة، وضامنًا للنظام الكوني.

بل إن تصميم المعبد وضع رمسيس الثاني إلى جانب آمون رع، وبتاح، ورع حور آختي، مؤكدًا مكانته شبه الإلهية، وهو ارتباط مباشر بآلهة مصر الكبرى منح سلطته الأرضية شرعية مستمدة من السلطة السماوية.

وعلى مدار عشرين عامًا من العمل المتواصل، تحوّل جرف نوبي إلى واحدة من أعظم التحف المعمارية التي شُيّدت في التاريخ، في مشروع جسّد عبقرية المصريين التقنية وعزيمة حاكم أراد أن يخلد اسمه عبر العصور.

وتطلب تنفيذ هذا المشروع تنظيمًا إداريًا بالغ الدقة، إذ أشرف نواب النوبة، الذراع اليمنى للملك في تلك الأراضي البعيدة، على تنفيذ الأعمال. وكان سيتاو، أحد أكثر أتباع رمسيس الثاني إخلاصًا، مسؤولًا شخصيًا عن جانب كبير من المشروع، فيما تولى هؤلاء المسؤولون تنسيق فرق الحرفيين والعمال، ونقل مواد البناء، وضمان التنفيذ الدقيق للتصميمات المعمارية.

كما كان لوجودهم الدائم في هذه المنطقة هدف سياسي يتمثل في ترسيخ السيطرة المصرية على الأراضي الغنية بالذهب وسائر الموارد الطبيعية، وهي الموارد التي أسهمت في تمويل هذا المشروع العملاق.

وعلى خلاف المباني التقليدية التي كانت تُشيّد حجرًا فوق حجر، نُحت معبد أبو سمبل مباشرة في واجهة الجبل، في أسلوب معماري فريد يكشف عن براعة استثنائية لدى البنائين المصريين. وباستخدام أزاميل نحاسية وأدوات حجرية فقط، نجح الحرفيون في ترويض جرف الحجر الرملي النوبي، متبعين منهجًا دقيقًا يبدأ بتسوية الواجهة، ثم الحفر التدريجي للمساحات الداخلية من المدخل حتى قدس الأقداس.

وتبرز الأبعاد المذهلة للمعبد الكبير، بعمق 56 مترًا، وواجهة يبلغ عرضها 38 مترًا وارتفاعها 30 مترًا، مدى الدقة التي بلغها مهندسو ذلك العصر. وبلغت هذه البراعة ذروتها في المحاذاة الفلكية للمعبد، المصممة بحيث تنير أشعة الشمس التماثيل الداخلية مرتين في العام بدقة مذهلة.

وحملت كل تفصيلة معمارية في أبو سمبل دلالات رمزية مدروسة؛ فالمعبد الكبير، المكرس لآمون رع، ورع حور آختي، وبتاح، والملك المؤله، يجسد التحالف بين الروحانية والسلطة.

وأعلنت أعمدة أوزيريس في القاعة الكبرى، التي تصوّر رمسيس الثاني في هيئة أوزيريس، خلود ملكه، بينما رمز عمود "الجد" إلى الاستقرار والخلود.
أما القرود الاثنان والعشرون المنحوتة على الإفريز العلوي للواجهة، فقد استحضرت صلتها بالإله جحوتي ودورها في استقبال شروق الشمس، واستمر هذا الطابع الشمسي داخل قدس الأقداس، حيث جسدت زخارف اللهب والنار دورة التجدد الشمسي الأبدية.

وبلغت العمارة المصرية ذروتها في عهد رمسيس الثاني مع تشييد معبد أبو سمبل، وهو صرح مهيب يجمع بين الضخامة وروعة التصميم الفلكي. فهذا المعبد، المنحوت بالكامل في صخور النوبة، يجسد براعة المهندسين المصريين وفهمهم العميق لحركة الأجرام السماوية.

وتلفت الأنظار التماثيل الأربعة العملاقة، التي يبلغ ارتفاع كل منها نحو 20 مترًا، والحارسة لمدخل المعبد الكبير. وقد أعلنت هذه الواجهة، التي تُرى من مسافات بعيدة عبر النيل، عن قوة الملك وهيبته لكل من يقترب من الجنوب.

وبين أرجل هذه التماثيل الضخمة تظهر تماثيل أصغر لأفراد الأسرة الملكية، وفي مقدمتهم الملكة نفرتاري، بينما تنتصب عند قواعدها تماثيل لأسرى نوبيين وآسيويين، في تجسيد واضح للهيمنة المصرية على الشعوب الأجنبية.

ويكشف باطن المعبد عن إحدى أعظم معجزات علم الفلك القديم. ففي قلب الجبل، وعلى عمق 56 مترًا، يقف أربعة تماثيل تمثل بتاح، وآمون رع، ورمسيس الثاني المؤله، ورع حور آختي.

وتخفي هذه الحجرة المقدسة سرًا معماريًا استثنائيًا؛ إذ تخترق أشعة الشمس، مرتين سنويًا في 22 فبراير و22 أكتوبر، المعبد بأكمله لتضيء ثلاثة من التماثيل الأربعة، بينما يبقى تمثال بتاح، إله العالم السفلي، غارقًا في الظلام. ويُقال إن هذين اليومين يتزامنان مع عيد ميلاد رمسيس الثاني ويوم تتويجه.

ويكشف هذا الإنجاز عن المعرفة الفلكية المذهلة للمصريين القدماء، وقدرتهم الفائقة على توظيف الظواهر السماوية في إبداعاتهم المعمارية.
كما تبهر النقوش البارزة بجمالها وإتقانها؛ إذ استغل الفنانون مستويات متعددة من النحت لإضفاء العمق والحركة، فتحولت الجدران إلى مشاهد حية لا تزال تأسر زوار المعبد حتى اليوم.

المعبد الصغير

لا يفصل بين المعبدين سوى أمتار قليلة، لكن المعبد الصغير يروي قصة حب خُلّدت في حجر النوبة. فقد كُرّس للإلهة حتحور والملكة نفرتاري، ويعد أحد أروع تعبيرات الوفاء الملكي في مصر القديمة.

ولم يعرف التاريخ المصري سوى معبدين أقيما تكريمًا لملكة؛ الأول شيده إخناتون لزوجته نفرتيتي، والثاني أقامه رمسيس الثاني لزوجته نفرتاري، ويعلن نقش التأسيس المنحوت فوق المدخل بوضوح المكانة الاستثنائية التي حظيت بها الملكة.
وتؤكد النقوش الداخلية هذا التكريم، إذ تصور نفرتاري وهي تقدم القرابين، وتشارك رمسيس الثاني مراسم التتويج إلى جانب الإلهة حتحور، بما يعكس مكانة تتجاوز الدور التقليدي للزوجة الملكية.

وتزين واجهة المعبد ستة تماثيل يبلغ ارتفاع كل منها نحو عشرة أمتار، ويكمن تميزها في أن تماثيل الملك والملكة جاءت متساوية في الارتفاع، في خروج واضح على تقليد فني استمر آلاف السنين.
وتحيط بقواعد هذه التماثيل منحوتات أصغر لأبنائهما، لتشكل مشهدًا عائليًا حميمًا يختلف عن الطابع السياسي المهيب للمعبد الكبير.

وتتبع العمارة الداخلية للمعبد الصغير مبادئ تصميم المعبد الكبير، ولكن بصورة أكثر بساطة؛ إذ تحمل القاعة ستة أعمدة تزينها مشاهد لنفرتاري وهي تحمل الصلاصل، بينما تتخذ تيجان الأعمدة هيئة الإلهة حتحور.

وكما هو الحال في المعبد الكبير، تشهد أروقة المعبد الصغير ظاهرة فلكية مرتين كل عام، في 22 فبراير و22 أكتوبر، حيث تتسلل أشعة الشمس إلى قدس الأقداس، فتغمر تماثيل رمسيس الثاني ورع حور آختي بالنور، بينما يبقى آمون وبتاح في الظل، في مشهد سماوي يوحي بأن "رمسيس ونفرتاري... أبناء الشمس".

وفي ستينيات القرن الماضي، واجهت هذه المعابد خطرًا من نوع جديد، لم يكن مصدره عوامل الطبيعة أو مرور الزمن، بل مشروع السد العالي الذي كان سيغير مجرى النيل إلى الأبد.

ففي عام 1954 أعلنت الحكومة المصرية عزمها بناء السد العالي في أسوان للسيطرة على فيضان النيل وتوفير الكهرباء، وكان من المتوقع أن يؤدي المشروع إلى تكوين بحيرة ناصر، التي ستمتد مئات الكيلومترات جنوبًا، مهددة بإغراق معابد أبو سمبل وغيرها من المواقع الأثرية بصورة دائمة.

وسرعان ما أدرك الخبراء حجم الكارثة الثقافية الوشيكة، فاختفاء هذه الروائع تحت مياه البحيرة كان سيشكل خسارة لا تُقدّر بثمن.
لذلك أطلقت اليونسكو عام 1959 نداءً عالميًا لإنقاذ آثار النوبة، فاستجابت 22 دولة، وقدمت الدعم المالي والفني لتنفيذ أكبر عملية إنقاذ أثري شهدها العصر الحديث.

ودرست عدة مقترحات، من بينها إقامة سد واقٍ أو تفكيك المعابد بالكامل، قبل أن يستقر الرأي على الحل الأكثر جرأة: تقطيع المعابد إلى كتل حجرية ضخمة، ثم إعادة تركيبها في موقع جديد يرتفع 65 مترًا عن موقعها الأصلي، بعيدًا عن مياه بحيرة ناصر.

وبدأت العملية عام 1964، وشكلت إنجازًا هندسيًا استثنائيًا، إذ قُطعت الأحجار بدقة بالغة حفاظًا على النقوش والكتابات الهيروغليفية، ثم رُقمت ونُقلت وأعيد تركيبها في موضعها الجديد.

ولم يتوقف الإنجاز عند هذا الحد، بل أعاد المهندسون إنشاء تلة اصطناعية تؤوي المعابد، مع الحفاظ على اتجاهها الفلكي الأصلي، بما ضمن استمرار ظاهرة تعامد الشمس في مواعيدها السنوية.

وقد مثلت عملية إنقاذ أبو سمبل نقطة تحول في تاريخ حماية التراث العالمي، مؤكدة أن التعاون الدولي قادر على إنقاذ أعظم كنوز الحضارة الإنسانية، مهما بلغت التحديات التقنية.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة