الحر القاتل يغزو أوروبا (2).. القارة العجوز تبحث عن النجاة.. 70 مليار يورو سنويا لمواجهة التغير المناخى.. وخبراء يحذرون: القارة تخوض سباقًا مع الزمن والاحترار العالمى يتقدم بوتيرة أسرع من خطط التكيف

الإثنين، 03 أغسطس 2026 01:00 ص
الحر القاتل يغزو أوروبا (2).. القارة العجوز تبحث عن النجاة.. 70 مليار يورو سنويا لمواجهة التغير المناخى.. وخبراء يحذرون: القارة تخوض سباقًا مع الزمن والاحترار العالمى يتقدم بوتيرة أسرع من خطط التكيف موجات الحر في أوروبا

تحقيق رامى محيى الدين – أحمد عرفة

عضو مجلس الطاقة العالمى: أوروبا انتقلت من خفض الانبعاثات إلى التكيف مع المناخ.. و70 مليار يورو سنويًا حتى 2050 لمواجهة المخاطر المناخية

عضو مجلس الطاقة العالمى: التكيف لم يعد رفاهية.. بل ضرورة لحماية الأرواح والاقتصاد والبنية التحتية
استشارى التغيرات المناخية بالأمم المتحدة: العالم يدخل «سباقًا نحو الهاوية» إذا استمر التراجع عن الالتزامات المناخية

عضو الهيئة الحكومية الدولية لتغير المناخ (IPCC): تكلفة التقاعس عن مواجهة الأزمة اليوم أكبر بكثير من تكلفة الاستثمار فى المناخ

خبراء: نجاح أوروبا لن يقاس بحجم التمويل.. وإنما بقدرتها على تقليل الخسائر البشرية والاقتصادية عامًا بعد آخر

 

بعد أن كشفت الحلقة الأولى كيف تحولت موجات الحر إلى أحد أخطر التهديدات التي تواجه أوروبا، بعدما حصدت آلاف الأرواح وألحقت خسائر اقتصادية بمليارات اليوروهات، تبرز معركة أخرى لا تقل صعوبة، عنوانها "كيف تستعد القارة العجوز للتعايش مع واقع مناخي جديد؟"، فمع كل صيف أكثر سخونة من سابقه، لم يعد خفض الانبعاثات الكربونية وحده كافيا، لتتحول الأولوية الأوروبية إلى بناء مدن أكثر قدرة على الصمود، وتطوير البنية التحتية، وحماية الأنظمة الصحية وشبكات الطاقة والمياه من آثار ظواهر مناخية باتت أكثر شراسة.

ورغم أن الاتحاد الأوروبي رصد استثمارات ضخمة تقدر بنحو 70 مليار يورو سنويا حتى عام 2050 لتعزيز التكيف مع التغير المناخي، فإن الخبراء يؤكدون أن حجم التمويل وحده لا يضمن النجاح، في ظل تسارع وتيرة الاحترار العالمي، واتساع رقعة الظواهر الجوية المتطرفة، وتزايد الضغوط على الحكومات لتحويل الخطط والاستراتيجيات إلى إجراءات ملموسة تحمي الإنسان قبل أي شيء آخر.

وفي هذه الحلقة، يواصل «اليوم السابع» تتبع خريطة المواجهة الأوروبية مع «الحر القاتل»، ويرصد أبرز استراتيجيات التكيف، وحجم الاستثمارات الموجهة لمواجهة الأزمة، ورؤية الخبراء لمدى قدرة القارة العجوز على كسب سباقها مع الزمن، قبل أن تصبح موجات الحر واقعًا دائمًا يصعب احتواء تداعياته.

خسائر أوروبا الاقتصادية بسبب الصيف
خسائر أوروبا الاقتصادية بسبب الصيف

 

سباق مع الزمن.. كيف تستعد أوروبا لمواجهة التغير المناخي؟

أمام تصاعد موجات الحر واتساع آثارها على الصحة والاقتصاد والبنية التحتية، لم يعد التعامل مع التغير المناخي في أوروبا يقتصر على خفض الانبعاثات، بل تحول إلى استراتيجية متكاملة تهدف إلى التكيف مع واقع مناخي جديد أصبحت فيه الظواهر الجوية المتطرفة أكثر شدة.

وخلال السنوات الأخيرة، أطلقت مؤسسات الاتحاد الأوروبي وحكومات الدول الأعضاء عشرات المبادرات الهادفة إلى تعزيز قدرة المدن والمجتمعات على الصمود أمام موجات الحر، من خلال تطوير أنظمة الإنذار المبكر، وزيادة المساحات الخضراء داخل المدن، وتحديث معايير البناء، وإنشاء مراكز تبريد عامة، إلى جانب تعزيز جاهزية المستشفيات وشبكات الكهرباء والمياه لمواجهة الضغوط المتزايدة خلال فصل الصيف.

كما استثمر الاتحاد الأوروبي مليارات اليوروهات في مشروعات التكيف مع التغير المناخي، ضمن برامج تستهدف حماية البنية التحتية، ودعم الأبحاث العلمية، وتمويل المدن الأكثر عرضة للمخاطر المناخية، مع التركيز على الفئات الأكثر هشاشة، مثل كبار السن والأطفال والعمال الذين يقضون ساعات طويلة في الهواء الطلق.

ورغم هذه الجهود، يرى عدد من الخبراء أن تسارع التغيرات المناخية يفرض تحديات تتجاوز سرعة تنفيذ السياسات، وهو ما يثير تساؤلات حول مدى كفاية الإجراءات الحالية، وما إذا كانت الخطط الأوروبية قادرة على مواكبة وتيرة الاحترار المتزايدة، أم أن القارة تحتاج إلى إعادة صياغة أولوياتها لمواجهة مستقبل أكثر سخونة.

 

من خفض الانبعاثات إلى التكيف مع المناخ

وأكد الدكتور ماهر عزيز، عضو مجلس الطاقة العالمي، أن أوروبا تواجه في الوقت الراهن تحديات مناخية غير مسبوقة، في ظل تزايد موجات الحر والظواهر الجوية المتطرفة، مشيرا إلى أن القارة الأوروبية أصبحت الأسرع ارتفاعا في درجات الحرارة على مستوى العالم، الأمر الذي فرض تحولا في السياسات المناخية من التركيز على خفض الانبعاثات الكربونية إلى إعطاء أولوية كبرى لبرامج التكيف مع التغيرات المناخية، بهدف حماية الأرواح والاقتصادات والبنية الأساسية.

وقال عزيز، في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، إن أوروبا لم تعد تنظر إلى التكيف مع تغير المناخ باعتباره خيارًا، وإنما أصبح ضرورة يومية تفرضها المتغيرات المناخية المتسارعة، موضحا أن الاتحاد الأوروبي يعمل وفق "استراتيجية الاتحاد الأوروبي للتكيف مع المناخ"، التي تستهدف تعزيز قدرة الدول الأعضاء على مواجهة المخاطر المناخية بصورة أكثر سرعة وفاعلية.

وأشار إلى أن الاستراتيجية تعتمد على عدة محاور رئيسية، يأتي في مقدمتها التنبؤ الذكي بالمخاطر من خلال استخدام نظم الإنذار المبكر المتطورة وتقنيات نمذجة البيانات لتقييم المخاطر الجغرافية بدقة، مستشهدا بتقرير التقييم الأوروبي للمخاطر المناخية (EUCRA)، الذي يساعد في توجيه خطط الاستجابة للمخاطر المرتبطة بموجات الحر والفيضانات والجفاف.

وأضاف أن الاتحاد الأوروبي يولي اهتماما كبيرا بالحلول القائمة على الطبيعة، مثل التوسع في إعادة تشجير المدن، وزيادة المساحات الخضراء للحد من ظاهرة "الجزر الحرارية"، إلى جانب استعادة مجاري الأنهار الطبيعية بما يسهم في امتصاص مياه الفيضانات وتقليل آثارها على المدن والمجتمعات.

وأوضح عضو مجلس الطاقة العالمي، أن تحديث البنية الأساسية يمثل أحد أهم محاور استراتيجية التكيف، حيث يجري تطوير أكواد البناء، وإعادة تصميم شبكات الكهرباء والنقل لتصبح قادرة على تحمل درجات حرارة تتجاوز 40 درجة مئوية، بجانب مواجهة الفيضانات المفاجئة وغيرها من الظواهر المناخية القاسية.

وحول التمويل، أوضح عزيز أن الاتحاد الأوروبي خصص جزءا كبيرا من ميزانيته طويلة الأجل للفترة من 2021 إلى 2027، بالإضافة إلى صندوق التعافي الأوروبي، لدعم مشروعات المناخ، مع الالتزام بتوجيه ما لا يقل عن 30% من إجمالي الإنفاق الأوروبي إلى المشروعات المرتبطة بالمناخ.

مشروعات أوروبية للتكيف مع التغيرات المناخية
مشروعات أوروبية للتكيف مع التغيرات المناخية

 

وأضاف أن أحدث دراسات المفوضية الأوروبية تشير إلى أن القارة تحتاج إلى استثمارات تقدر بنحو 70 مليار يورو سنويا حتى عام 2050 لتحقيق التكيف الكامل مع التغيرات المناخية، موضحا أن هذه الاستثمارات تتوزع بواقع 30 مليار يورو لتأمين البنية الأساسية والمباني، و21 مليار يورو لحماية النظم البيئية والتنوع البيولوجي، و12 مليار يورو لتعزيز الأمن الغذائي والزراعة المستدامة، إضافة إلى نحو 7 مليارات يورو للمشروعات الطارئة التي تفرضها المستجدات المناخية.

حجم التمويل الأوروبي لمشروعات التكيف مع التغير المناخي
حجم التمويل الأوروبي لمشروعات التكيف مع التغير المناخي

 

وأشار إلى أن الاتحاد الأوروبي يدير هذه التمويلات عبر مجموعة من البرامج والصناديق المتخصصة، من بينها "بعثة الاتحاد الأوروبي للتكيف مع التغير المناخي"  (EU Mission on Adaptation)، التي تضم أكثر من 400 منطقة وسلطة محلية تعمل على تنفيذ حلول محلية لتعزيز المرونة المناخية بحلول عام 2030، إلى جانب برنامج "لايف"  (LIFE Programme)، المخصص لتمويل المشروعات البيئية والمناخية المبتكرة.

وقال إن التمويل يشمل أيضا صندوق التلاحم الأوروبي، والصندوق الأوروبي للتنمية الإقليمية، اللذين يركزان على تطوير مشروعات البنية الأساسية وإدارة الموارد المائية والوقاية من الكوارث الطبيعية، بالإضافة إلى صندوق مرونة التعافي الذي أُطلق عقب جائحة كورونا لتمويل الإصلاحات الهيكلية الداعمة للتحول الأخضر.

وأكد عزيز أن توزيع التمويل بين الدول الأوروبية لا يتم بالتساوي، وإنما يعتمد على حجم المخاطر المناخية والقدرات الاقتصادية لكل دولة، موضحا أن دول جنوب وجنوب شرق أوروبا، مثل إسبانيا وإيطاليا واليونان، تحصل على مخصصات أكبر لمواجهة الجفاف وموجات الحر وحرائق الغابات، بينما تركز دول الشمال والوسط، مثل ألمانيا وفرنسا، على مشروعات الحد من فيضانات الأنهار وتعزيز كفاءة النظم البيئية.

وأشار إلى أن الاتحاد الأوروبي يتجه خلال عام 2026 إلى تعزيز الحوكمة متعددة المستويات، عبر توجيه جزء أكبر من التمويل مباشرة إلى البلديات والمجالس المحلية من خلال "مراكز التكيف الوطنية"، انطلاقا من كون الإدارات المحلية تمثل خط الدفاع الأول في مواجهة آثار التغيرات المناخية داخل المدن.

وأوضح أن أوروبا نجحت خلال السنوات الأخيرة في تنفيذ آلاف المشروعات الميدانية للتكيف مع المناخ، من بينها إنشاء ممرات خضراء وحدائق حضرية في العاصمة البرتغالية لشبونة لخفض درجات الحرارة وامتصاص مياه الأمطار، وتنفيذ مشروع "مسارات الصمود" في مدينة البندقية الإيطالية لحمايتها من ارتفاع منسوب سطح البحر، إلى جانب تطوير نظم تبريد طبيعية في المستشفيات ودور رعاية المسنين في إسبانيا للحد من آثار الإجهاد الحراري، فضلا عن مشروعات إعادة تأهيل الأراضي الرطبة في هولندا وألمانيا، بما يساهم في الحد من الجفاف وتقليل مخاطر الفيضانات، مؤكدا أن هذه التجارب تمثل نماذج عملية يمكن الاستفادة منها عالميا في تعزيز القدرة على التكيف مع التغيرات المناخية.

 

التخفيف والتكيف

وأكد الدكتور علاء سرحان أستاذ الاقتصاد البيئي بجامعة عين شمس، أن مواجهة هذه التحديات تتطلب العمل على مسارين متوازيين، أولهما التخفيف، من خلال خفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، والتوسع في الغابات والمساحات الخضراء، واستخدام تقنيات احتجاز وتخزين الكربون للحد من تركيزه في الغلاف الجوي.

وأضاف أن المسار الثاني، يتمثل في التكيف مع الواقع المناخي الجديد، عبر إعادة تصميم المدن والبنية التحتية بما يتناسب مع ارتفاع درجات الحرارة، موضحا أن المباني الأوروبية صممت تاريخيا للاحتفاظ بالحرارة لأنها تقع في مناطق باردة، وهو ما يجعلها أقل قدرة على التعامل مع موجات الحر الحالية.

وأشار إلى ضرورة تحديث الأكواد الهندسية للمباني الجديدة، وتوسيع استخدام أنظمة التهوية والتبريد، وتطوير شبكات الكهرباء لتلبية الطلب المتزايد على الطاقة خلال فترات الحر الشديد، إلى جانب تعزيز جاهزية المرافق الصحية للتعامل مع الفئات الأكثر عرضة للمخاطر، مثل كبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة.

وقال إن أوروبا مطالبة بالانتقال من مرحلة الاستجابة الطارئة لموجات الحر إلى مرحلة التخطيط الاستباقي طويل المدى، لافتا إلى أن التعامل مع الظواهر المناخية باعتبارها أحداثا استثنائية لم يعد كافيا، لأن ما يشهده العالم اليوم أصبح يمثل "الوضع الطبيعي الجديد"، وهو ما يفرض تبني سياسات أكثر مرونة واستدامة لحماية المجتمعات والاقتصادات من التداعيات المتزايدة للتغير المناخي.

 

بين الخطط والواقع.. هل نجحت أوروبا في مواجهة موجات الحر؟

ورغم الاستثمارات الضخمة التي رصدها الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء لتعزيز التكيف مع التغير المناخي، فإن موجات الحر المتتالية تثير تساؤلات متزايدة حول مدى فاعلية هذه الإجراءات على أرض الواقع. فمع كل صيف، تعود مشاهد الحرائق، والوفيات المرتبطة بالإجهاد الحراري، والضغوط على شبكات الكهرباء والنقل، لتضع الخطط الأوروبية أمام اختبار عملي لا تحسمه الوثائق، بل تكشفه النتائج.

وتشير التجارب إلى تفاوت واضح بين الدول الأوروبية في مستوى الجاهزية والاستجابة. ففي حين نجحت بعض المدن في تقليل المخاطر عبر توسيع المساحات الخضراء، وتطوير أنظمة الإنذار المبكر، وإنشاء مراكز تبريد عامة، لا تزال مدن أخرى تواجه صعوبات في حماية الفئات الأكثر عرضة للخطر، أو في الحفاظ على كفاءة البنية التحتية خلال موجات الحر الشديدة.

كما تكشف البيانات أن التكيف مع التغير المناخي لا يرتبط فقط بحجم الإنفاق، بل بسرعة تنفيذ المشروعات، ودمج اعتبارات المناخ في التخطيط العمراني، وتحديث القوانين المنظمة للبناء، وتوفير أنظمة صحية قادرة على الاستجابة للظروف المناخية المتطرفة.

وفي المقابل، يحذر خبراء من أن نجاح بعض الإجراءات لا يعني انتهاء الأزمة، حيث تشير التوقعات المناخية إلى أن موجات الحر ستصبح أكثر تكرارا وأطول مدة وأكثر شدة خلال العقود المقبلة، ما يفرض على الحكومات الانتقال من إدارة الأزمات الموسمية إلى بناء مدن واقتصادات أكثر قدرة على التكيف مع واقع مناخي جديد.

وبينما تؤكد الحكومات الأوروبية أنها قطعت خطوات مهمة في مسار التكيف، يرى متخصصون أن الاختبار الحقيقي لا يقاس بعدد الخطط المعلنة أو حجم التمويل، وإنما بقدرة هذه السياسات على تقليل الخسائر البشرية والاقتصادية عاما بعد آخر، وهو ما سيحدد مدى نجاح أوروبا في مواجهة أحد أكبر تحديات القرن الحادي والعشرين.

وإذا كانت أوروبا من أكثر مناطق العالم استثمارا في سياسات المناخ، فلماذا لا تزال موجات الحر تخلف هذه الخسائر؟ وهل المشكلة في التمويل أم في التنفيذ أم أن وتيرة التغير المناخي أصبحت أسرع من قدرة الحكومات على التكيف؟

وحذر الدكتور سمير طنطاوي، استشاري التغيرات المناخية بالأمم المتحدة وعضو الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ، من تراجع الزخم العالمي في التعامل مع قضية التغير المناخي خلال الفترة الأخيرة، مؤكدا أن هذا الملف فقد جزءًا كبيرًا من الاهتمام السياسي الذي كان يحظى به خلال السنوات الماضية، وهو ما قد يؤدي إلى تفاقم الآثار البيئية والاقتصادية والإنسانية المرتبطة بتغير المناخ.

وقال طنطاوي، في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، إن التحولات التي شهدتها السياسة الأمريكية تجاه قضايا المناخ كان لها تأثير مباشر على مسار العمل المناخي العالمي، مشيرا إلى أن انسحاب الولايات المتحدة من اتفاق باريس للمناخ، إلى جانب القرارات المتعلقة بإلغاء أو تجميد عمل بعض الجهات الحكومية الوطنية المعنية بالبيئة والمناخ، أرسلت رسائل سلبية بشأن الالتزام الدولي بمواجهة الأزمة المناخية.

وأضاف أن المشهد أصبح أكثر تعقيدا مع تعرض عدد من علماء المناخ لضغوط غير مسبوقة، وهو أمر وصفه بأنه تطور يثير القلق، نظرا للدور المحوري الذي يقوم به العلماء في تقديم الأدلة العلمية التي تستند إليها السياسات البيئية والمناخية.

وأوضح استشاري التغيرات المناخية بالأمم المتحدة، أن بعض الدول الغربية بدأت تتبنى نهجا مشابها للولايات المتحدة، مستفيدة من تراجع الضغوط الدولية المتعلقة بالوفاء بالالتزامات المناخية، سواء فيما يتعلق بتمويل العمل المناخي، أو خفض الانبعاثات الكربونية، أو التوسع في استخدام مصادر الطاقة النظيفة، أو تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري ومصادر الطاقة مرتفعة الانبعاثات.

وأكد طنطاوي أن هذا التراجع في الالتزام الدولي يأتي في وقت يشهد فيه العالم تصاعدا غير مسبوق في آثار التغيرات المناخية، موضحا أن الظواهر المناخية الطبيعية، وفي مقدمتها ظاهرة "النينيو"، أسهمت في مضاعفة تأثيرات الاحتباس الحراري، وهو ما انعكس في صورة موجات حر قياسية، وحرائق غابات، وجفاف ممتد، وفيضانات وسيول شديدة في العديد من مناطق العالم.

 

وقال إن العالم في ظل هذه التطورات، يدخل سباقا نحو الهاوية إذا استمر التراجع عن الالتزامات المناخية الدولية، محذرا من أن تكلفة التقاعس عن اتخاذ إجراءات حاسمة اليوم ستكون أكبر بكثير من تكلفة الاستثمار في مواجهة الأزمة.

وشدد على ضرورة أن تظهر قوى دولية أخرى لقيادة الجهد العالمي في مواجهة تغير المناخ، وتعويض حالة التراجع التي يشهدها النظام الدولي، والعمل على إعادة الالتزام بأهداف اتفاق باريس، مؤكدا أن استعادة المسار الصحيح للعمل المناخي ستتطلب سنوات من العمل الجاد لتعويض ما حدث من خسائر وتدهور في السنوات الأخيرة.

وأضاف أن المرحلة المقبلة تستوجب زيادة الاستثمارات في مشروعات الطاقة النظيفة، ليس فقط داخل الدول المتقدمة، وإنما أيضا في الدول النامية والصناعية على حد سواء، بما يساهم في تسريع التحول نحو اقتصاد منخفض الانبعاثات، وتحقيق أمن الطاقة بصورة مستدامة.

كما دعا إلى توسيع نطاق دعم العمل المناخي ليشمل مختلف القطاعات، من بينها الطاقة، والزراعة، والنقل، والصناعة، وإدارة الموارد المائية، والتخطيط العمراني، لافتا إلى أن مواجهة التغيرات المناخية لم تعد مسؤولية قطاع بعينه، بل أصبحت قضية تنموية شاملة تتطلب تكامل الجهود الحكومية والدولية والقطاع الخاص والمؤسسات البحثية.

وأوضح أن الحفاظ على الزخم الدولي في ملف المناخ يمثل ضرورة لحماية مستقبل الأجيال القادمة، مشيرا إلى أن التأخر في تنفيذ الالتزامات المناخية يؤدي إلى تعميق الخسائر الاقتصادية والبيئية، ويزيد من صعوبة تحقيق أهداف التنمية المستدامة، الأمر الذي يفرض على المجتمع الدولي إعادة ترتيب أولوياته، وتعزيز التعاون الدولي لمواجهة واحدة من أخطر التحديات التي تواجه البشرية في العصر الحديث.

أوروبا أمام مستقبل أكثر سخونة.. هل تستطيع القارة التكيف مع الواقع الجديد؟
لم تعد التوقعات المناخية تتحدث عن احتمال وقوع موجات حر أكثر شدة، بل تشير إلى أن هذه الظواهر ستصبح متكررة وأقوى خلال العقود المقبلة إذا استمرت انبعاثات الغازات الدفيئة بالمعدلات الحالية، وهذا يعني أن أوروبا لن تواجه أزمة موسمية عابرة، وإنما ستتعامل مع واقع مناخي جديد يفرض إعادة النظر في أساليب التخطيط العمراني، وإدارة الموارد المائية، وحماية الصحة العامة، وتأمين البنية التحتية.

ويرى خبراء أن قدرة أوروبا على الحد من الخسائر مستقبلا لن تعتمد فقط على خفض الانبعاثات، بل أيضا على تسريع تنفيذ مشروعات التكيف، وزيادة الاستثمارات في المدن الذكية، وتوسيع المساحات الخضراء، وتطوير أنظمة الإنذار المبكر، ورفع جاهزية المستشفيات وشبكات الطاقة والنقل لمواجهة الظواهر المناخية المتطرفة.

وفي المقابل، تؤكد تقارير علمية أن تكلفة التكيف، رغم ضخامتها، تظل أقل بكثير من الخسائر الاقتصادية والبشرية التي قد تتكبدها الدول إذا تأخر تنفيذ الإجراءات اللازمة. لذلك، ينظر كثير من الخبراء إلى السنوات المقبلة باعتبارها مرحلة حاسمة ستحدد ما إذا كانت أوروبا قادرة على التحول إلى نموذج عالمي في التكيف مع التغير المناخي، أم أنها ستظل تواجه موجات الحر بردود فعل متأخرة لا تمنع تكرار الخسائر.

وبين التحذيرات العلمية، والخطط الحكومية، والواقع الذي تفرضه موجات الحر عاما بعد آخر، تقف أوروبا أمام اختبار حقيقي، لا يتعلق فقط بمواجهة صيف أكثر سخونة، بل بقدرتها على بناء مجتمعات واقتصادات أكثر مرونة في مواجهة أحد أخطر تحديات القرن الحادي والعشرين.

وتكشف موجات الحر التي تضرب أوروبا عاما بعد آخر أن التغير المناخي لم يعد تحديا بيئيا يمكن تأجيل التعامل معه، بل أصبح قضية تمس حياة الملايين وتفرض أعباء متزايدة على الاقتصادات والبنية التحتية والأنظمة الصحية، وبينما تواصل الحكومات الأوروبية تنفيذ خطط التكيف والاستثمار في مشروعات تهدف إلى الحد من آثار الأزمة، يبقى نجاح هذه الجهود مرهونا بقدرتها على مواكبة تسارع التغيرات المناخية وتحويل السياسات إلى إجراءات ملموسة على أرض الواقع.

ويظهر هذا التحقيق، من خلال البيانات والتقارير العلمية وآراء الخبراء، أن أوروبا قطعت خطوات مهمة في مواجهة التغير المناخي، لكنها لا تزال أمام اختبار مستمر تفرضه موجات حر، فكل صيف جديد لا يقيس فقط ارتفاع درجات الحرارة، بل يقيس كذلك مدى جاهزية المدن، وكفاءة البنية التحتية، وقدرة الحكومات على حماية الإنسان قبل أي شيء آخر، وفي عالم تتزايد فيه الظواهر المناخية المتطرفة، قد لا يكون السؤال هو ما إذا كانت موجات الحر ستعود، بل إلى أي مدى ستكون المجتمعات مستعدة للتعامل معها عندما تصبح جزءا من الواقع المناخي الجديد.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة