في مشهد يعكس تحولات عميقة في علاقات الولايات المتحدة بأمريكا اللاتينية، يتصاعد التوتر بين واشنطن وحكومات المنطقة على عدة جبهات، تتراوح بين النزاعات التجارية والتدخل الأمني وتبني نماذج "القبضة الحديدية" لمكافحة الجريمة المنظمة. فبينما يلوح الرئيس دونالد ترامب بالرسوم الجمركية كأداة ضغط اقتصادي، يجد قادة أمريكا اللاتينية أنفسهم أمام اختبارات صعبة بين الدفاع عن السيادة الوطنية والاستفادة من الدعم الأمريكي في حربهم ضد عصابات المخدرات والعنف.
النزاع التجاري.. البرازيل ترفض "المبررات الواهية"
في أحدث تطورات الخلاف التجاري، أجرى الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا اتصالاً هاتفياً مطولاً مع ترامب، استمر ساعة وعشرين دقيقة، اتفقا خلاله على استئناف الحوار بشأن الرسوم الجمركية البالغة 37.5% التي فرضتها واشنطن على المنتجات البرازيلية . وشدد لولا على رفضه لهذه الرسوم، واصفاً المبررات الأمريكية بأنها "لا أساس لها"، ومشيراً إلى أن ترامب اعترف بوجود معلومات خاطئة استندت إليها واشنطن في قراراتها.
وتأتي هذه التطورات في وقت حساس، إذ تستعد البرازيل لانتخابات رئاسية بعد أقل من شهرين، يسعى فيها لولا للفوز بولاية جديدة أمام منافسه فلافيو بولسونارو، نجل الرئيس اليميني السابق وحليف ترامب. ورغم اتهامات لولا لواشنطن بالسعي للتدخل في الانتخابات، أكدت مصادر برازيلية أن المكالمة لم تتطرق للشأن الانتخابي باستثناء سؤال عام عن سير السباق، حيث شدد لولا على أن النظام الانتخابي البرازيلي "موثوق".
كما ناقش الزعيمان ملف مكافحة الجريمة المنظمة، حيث جدد لولا رفضه تصنيف عصابات "الكوماندو الأحمر" و"القيادة الأولى للعاصمة" كمنظمات إرهابية كما فعلت واشنطن في مايو الماضي، مؤكداً أن بلاده تملك أدواتها لمواجهتها، مع استعداده للتعاون الدولي بشرط عدم التدخل في شؤون بلاده.
كوبا
وفي تطور لافت، كرر ترامب خلال مايو 2026 حديثه عن إمكانية "السيطرة" على كوبا، قائلاً إن الولايات المتحدة قد "تستحوذ عليها بشكل شبه فوري"، ملمحًا إلى أن حاملة الطائرات الأمريكية "أبراهام لينكولن" قد تقترب من السواحل الكوبية لإجبار السلطات هناك على "الاستسلام" . ولم يكتفِ بالتهديدات اللفظية، بل فرضت إدارته عقوبات إضافية على شركات مرتبطة بالمؤسسة العسكرية الكوبية، إضافة إلى كيانات مالية وطاقية ودفاعية في البلاد.
واتهم وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، وهو أمريكي من أصل كوبي، كوبا بأنها "دولة فاشلة أسيئت إدارتها لسنوات"، مؤكداً أن الضغوط الأمريكية ستستمر حتى سقوط النظام الكوبي. كما وجهت الولايات المتحدة اتهاماً غير مسبوق بالقتل ضد الزعيم الكوبي السابق راؤول كاسترو، على خلفية حادثة إسقاط طائرتين مدنيتين عام 1996، مما قد يعرضه لعقوبة السجن المؤبد أو الإعدام.
من جانبه، وصف الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل هذه الإجراءات بأنها "عدوان يزيد من معاناة السكان"، محذرًا واشنطن من أن أي عملية عسكرية ستؤدي إلى "خسائر فادحة" لكلا البلدين. وأكد أن بلاده سترد بحملة على غرار حرب العصابات إذا شنت الولايات المتحدة هجوماً.
نموذج بوكيلي.. "القبضة الحديدية" تغزو المنطقة
في موازاة ذلك، يكتسب نموذج الرئيس السلفادوري نجيب بوكيلي في مكافحة الجريمة شعبية متزايدة في أمريكا اللاتينية، حيث حقق تراجعاً غير مسبوق في معدلات القتل بفضل سياسات "القبضة الحديدية"، التي شملت حالة الطوارئ المستمرة منذ مارس 2022 والاعتقالات الجماعية لأكثر من 90 ألف شخص . فقد انخفضت نسبة القتل في السلفادور من 1.3 لكل 100 ألف نسمة في 2025 إلى 0.90 في 2026، مع تسجيل 191 يوماً دون أي جريمة قتل حتى الآن.
غير أن هذه النتائج تُواجه بانتقادات حقوقية وقانونية؛ إذ يحذر خبراء مثل أنيبال أرجيو، المحلل الجنائي السابق في اللجنة الدولية لمناهضة الإفلات من العقاب في جواتيمالا، من أن هذه الاستراتيجيات تؤدي إلى اعتقال أبرياء وتقويض الضمانات القضائية، فضلاً عن تجاهل استمرار الجريمة المنظمة في العمق، خاصة تلك المرتبطة بفساد الدولة.
ورغم هذه التحذيرات، يسعى قادة جدد في المنطقة لتقليد هذا النموذج، مثل الرئيس الكولومبي أبيلاردو دي لا إسبريا، والرئيسة البيروفية كيكو فوجيموري، والرئيس التشيلي خوسيه أنطونيو كاست، الذين يتبنون خطاباً أمنياً صارماً يركز على بناء سجون كبرى على غرار مركز احتجاز الإرهاب في السلفادور.
التدخل العسكري الأمريكي.. "درع الأمريكتين" يثير الجدل
في تطور مثير للجدل، أعلن البنتاجون عن تشكيل "مجموعة العمل المشتركة لنصف الكرة الغربي"، وهي بنية عسكرية دائمة تضم 18 دولة أمريكية لاتينية، بينها الأرجنتين والإكوادور والسلفادور وتشيلي، بهدف تنسيق الجهود لمكافحة الجريمة المنظمة . وجاء هذا الإعلان بعد تصنيف واشنطن لأكثر من 20 مجموعة إجرامية في المنطقة كـ"منظمات إرهابية"، مما يسمح بنشر قوات عسكرية أمريكية لملاحقتها.
واستجابت كولومبيا بسرعة لهذه المبادرة، حيث وافق الرئيس دي لا إسبريا على انضمام بلاده إلى "درع الأمريكتين"، في خطوة تعكس تحولاً جذرياً في سياسته الأمنية، والتي تتضمن أيضاً استئناف صادرات الفحم إلى إسرائيل وتكثيف التعاون العسكري مع تل أبيب . كما سمحت كولومبيا وغواتيمالا وهندوراس بالفعل للقوات الأمريكية بتنفيذ عمليات برية ضد عصابات المخدرات، مما أثار مخاوف واسعة حول انتهاك السيادة الوطنية.
ويحذر المحللون مثل خورخي أرايا، المدير السابق للأمن العام في وزارة الداخلية التشيلية، من أن هذه التدخلات تشكل "إهانة" لسيادة الدول، وأن الولايات المتحدة تفتقر إلى "السلطة الأخلاقية" لمكافحة الجريمة نظراً لمعدلاتها المرتفعة من العنف والجرائم المنظمة داخلياً. ويصف أرايا مبادرة "درع الأمريكتين" بأنها إعادة إحياء لمنطق الحرب الباردة، حيث تفرض واشنطن شروطها على المنطقة لخدمة مصالحها الخاصة، دون معالجة الأسباب الجذرية للجريمة كالفقر والإقصاء الاجتماعي وغسل الأموال.
مستقبل العلاقة.. بين الردع والتبعية
في هذا السياق المتشابك، تتجه أمريكا اللاتينية نحو مزيد من التحديات بين إغراء الدعم الأمني الأمريكي وخطر فقدان السيادة، وبين الضغوط التجارية وحتمية البحث عن شراكات جديدة . فبينما تحاول البرازيل الحفاظ على استقلالية قرارها السياسي والاقتصادي، تنزلق دول أخرى نحو تبني نماذج أمنية صارمة قد تكلفها غالياً في مجال حقوق الإنسان والحريات العامة. وتبقى المنطقة بأسرها في انتظار تطورات إضافية، خاصة مع اقتراب الانتخابات البرازيلية واستمرار حالة عدم الاستقرار في عدة دول، وسط تساؤلات حول ما إذا كانت هذه السياسات ستنجح في احتواء العنف أم ستزيد من تعقيد الأزمات الهيكلية المزمنة.