محمد عبد الفتاح

من البحر الأحمر إلى قلب أفريقيا.. مصر ترسم طريق القوة والنفوذ

الجمعة، 28 أغسطس 2026 10:22 ص


في الوقت الذي تنشغل فيه المنطقة بالحروب واضطراب البحر الأحمر وتعطل سلاسل الإمداد، تتحرك مصر بمنطق مختلف، لا تنتظر وصول التجارة إليها، بل تذهب هي إلى أسواقها.

هكذا يجب أن نقرأ الممر اللوجستي الذي يبدأ من ميناء برنيس على البحر الأحمر، ويمر بأسوان وتوشكى وشرق العوينات، ثم الكفرة في ليبيا، وصولا إلى إنجامينا عاصمة تشاد، مع امتداد مقترح حتى ميناء دوالا في الكاميرون.

نحن لا نتحدث عن طريق فقط، بل عن محاولة مصرية لربط البحر الأحمر بقلب أفريقيا، وتحويل الموقع الجغرافي المصري من ميزة على الخريطة إلى تجارة وفرص عمل ونفوذ حقيقي.

خلال اجتماعات اللجنة المصرية التشادية في أغسطس 2026، أكد البلدان الأهمية الاستراتيجية للممر باعتباره أداة لفك عزلة المناطق الداخلية، وتنمية التجارة، وربط شمال أفريقيا بمنطقة الساحل ووسط القارة.

أما الأرقام، فتحتاج إلى توضيح.

الرقم المتداول، نحو 4300 كيلومتر، يخص شبكة الممر في تصورها الإقليمي الأشمل، وليس طريقا جديدا يجري شقه بالكامل.

الجزء الجديد العابر للحدود يقدر بنحو 1720 كيلومترا، منها نحو 400 كيلومتر داخل مصر، و390 كيلومترا في ليبيا، و930 كيلومترا في تشاد حتى مدينة أبشي، ثم يمتد طريق قائم من أبشي إلى إنجامينا لنحو 880 كيلومترا.

وداخل مصر، تعمل الدولة على تطوير محور أسوان، برنيس بطول 327 كيلومترا، ورفع كفاءة طريق أسوان، توشكى، وانتهت من تطوير طريق توشكى، شرق العوينات، بينما تتواصل الأعمال باتجاه الكفرة.

إذن المشروع بدأ بالفعل، لكنه لم يصبح بعد ممرا دوليا مكتمل التشغيل، لأن أجزاء في ليبيا وتشاد ما زالت في مراحل الدراسات والتنفيذ.

اقتصاديا، تستهدف مصر خفض زمن نقل البضائع إلى تشاد من نحو ثلاثة أشهر إلى أسبوع واحد. وهذا هدف معلن لم يتحقق بعد، لكنه يكشف حجم المشكلة التي يحاول المشروع حلها.

فالسلعة التي تقضي أسابيع في الطريق تدفع تكلفة أكبر في الوقود والتأمين والتخزين، بينما يعني اختصار الرحلة سعرا أكثر تنافسية وقدرة أكبر على دخول الأسواق.

وتظهر بيانات 2025 أن صادرات مصر إلى تشاد بلغت نحو 40.3 مليون دولار، مقابل واردات لم تتجاوز 813 ألف دولار، أي أن تجارة السلع بين البلدين دارت حول 41.1 مليون دولار فقط.

هذا الرقم المحدود يوضح أن الطريق لا يأتي لخدمة تجارة ضخمة قائمة فحسب، بل لخلق تجارة أكبر لم تكن قادرة على النمو بسبب صعوبة النقل وارتفاع تكلفته.

الممر يمكنه فتح أسواق جديدة أمام الدواء المصري والمنتجات الغذائية ومواد البناء والملابس والكيماويات. وفي الاتجاه العكسي، تستطيع مصر تطوير سلاسل إمداد للثروة الحيوانية واللحوم والجلود والمنتجات الزراعية التشادية، ثم تصنيعها محليا أو إعادة تصديرها عبر البحر الأحمر.

أما المواطن المصري، فلن يستفيد من الأسفلت في حد ذاته، بل من النشاط الذي يتحرك فوقه.

زيادة الصادرات تعني طلبا أكبر على المصانع والعمالة. حركة الشاحنات تعني وظائف في النقل والصيانة. والمناطق اللوجستية تعني فرصا في التخزين والتعبئة والتبريد والتأمين والجمارك.

وإذا نجح الممر في جذب تجارة الترانزيت، ستستفيد الموانئ المصرية من الرسوم والخدمات، وستدخل عملة أجنبية، ويتسع النشاط الاقتصادي في الصعيد والمناطق الحدودية.

ولهذا تأتي أهمية توقيع مصر اتفاق نظام النقل البري الدولي TIR في يوليو 2026، الذي يسمح بعبور البضائع عدة حدود تحت ضمان جمركي دولي واحد. ووفقا للاتحاد الدولي للنقل الطرقي، يمكن للنظام أن يقلل زمن الانتظار على الحدود وتكاليف النقل بصورة كبيرة.

استراتيجيا، اختيار برنيس ليس مصادفة. الميناء يقع على البحر الأحمر بالقرب من طرق التجارة مع الخليج وآسيا، ويتصل بمحور يصل وادي النيل بالحدود الجنوبية الغربية.

وبذلك يصبح الممر جسرا يربط الموانئ المصرية بدولة حبيسة في منطقة الساحل، ويضع مصر داخل معادلة التجارة الأفريقية، لا على هامشها.

وعلى مستوى الأمن القومي، الطريق المدني ليس مشروعا عسكريا، لكن وجود طرق ومنافذ رسمية وموانئ برية ونقاط جمركية يعني حضورا أقوى للدولة، وقدرة أفضل على مراقبة الحدود، ومحاصرة التهريب والاقتصاد غير الرسمي، وتعزيز التنسيق مع ليبيا وتشاد.

وتكتسب تشاد أهمية خاصة، لأنها دولة محورية في منطقة الساحل وحوض بحيرة تشاد، حيث تتشابك تحديات الإرهاب والجريمة العابرة للحدود والهجرة غير النظامية.

المعنى أن مصر لا تنتظر الخطر عند حدودها، بل تبني شراكات وتنمية ونفوذا داخل المناطق التي يمكن أن يأتي منها الخطر.

المشروع ما زال يحتاج إلى استكمال الطرق، وضمان الأمن، وتوحيد الإجراءات الجمركية، وتوفير التمويل والصيانة وحماية حركة الشاحنات. لكن اتجاه الدولة واضح.

وسط إقليم تحيط به الأزمات من أكثر من جانب، لا تبدو مصر غافلة عما يجري، بل تتحرك بهدوء لتأمين مصالحها، وفتح أسواقها، وتثبيت حضورها في أفريقيا بالفعل لا بالشعارات.

مصر لا تنتظر أن يفتح لها أحد الطريق إلى قلب القارة، مصر ترسم الطريق بيدها.

وحين تمتد الطرق المصرية إلى أفريقيا، لا تعبر فوقها البضائع وحدها، بل تعبر معها فرص العمل، وقوة الدولة، ورسالة واضحة بأن مصر تعرف أين تقف، وإلى أين تريد أن تصل.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة