نقرأ نجيب محفوظ فنرى القاهرة، ثم نكتشف بعد قليل أننا لم نكن نقرأ القاهرة وحدها. كان يترك لنا الحكاية في المقدمة، بينما يخفي تحتها شيئًا أكثر مراوغة: قانونًا يتكرر، وإن تغيرت الوجوه والأمكنة والأزمنة.
ربما لهذا لا تكمن صعوبة محفوظ في أن نفهم ما كتبه، بل في أن نكتشف ما الذي كان يراه وهو يكتب؛ ما الذي يختبئ خلف التفاصيل، ويمنحها قدرتها على البقاء.
ربما تكون المشكلة في قراءة نجيب محفوظ أننا ظللنا طويلًا أسرى لما هو ظاهر في كتابته: القاهرة، الحارة، البيت، المقهى، الفتوة، الأسرة، الموظف، الفقير، الصعود الاجتماعي، الانكسار. انشغلنا بالوجوه والأماكن حتى كدنا ننسى ما كان محفوظ يفعله بهذه الأشياء. لم يكن يضع الواقع أمامنا لكي نراه، إنما كان ينفذ من الواقع إلى ما يحكمه؛ من الحكاية إلى قانونها، من الشخصية إلى القوة التي تحركها، من المكان إلى العلاقات التي تتشكل داخله. لذلك فإن وصف محفوظ بأنه كاتب "واقعي" لا يكفي، بل قد يصبح مضللًا إذا فهمنا الواقعية باعتبارها تسجيلًا فوتوغرافيًا للحياة. محفوظ لم يكن مصورًا بارعًا للعالم فحسب، بل كان يحاول الإمساك باليد الخفية التي تحركه. هذا ربما هو السؤال الأكثر أهمية بعد كل ما كتبناه عن محفوظ: ماذا يبقى منه إذا تغيرت القاهرة، واختفت الحارة، وتبدلت الطبقات، وتغيرت اللغة والعادات؟ يبقى القانون. يبقى ذلك الشيء الذي اكتشفه تحت سطح الأشياء، والذي يجعل رواياته قادرة على مغادرة زمانها ومكانها من دون أن تفقد جوهرها.
لعل "ليالي ألف ليلة" تقدم واحدة من أكثر المفاتيح وضوحًا لفهم هذا الجانب من تجربته. ظاهر الرواية ينتمي إلى عالم الحكاية القديمة: سحر، عفاريت، طاقية إخفاء، قدرات خارقة، حكايات تتوالد من بعضها. لكن محفوظ، وهو يستعير هذا العالم، لا يهرب من الواقع لكنه يعيد النظر فيه من زاوية أكثر تجريدًا. الطاقية تمنح البطل قوة استثنائية، قوة تجعله قادرًا على الاختفاء، أي على التحرر من عين الآخرين ومن حدود وجوده العادي. تبدو المسألة في البداية كأنها انتصار للإنسان على قوانين الواقع، لكن سرعان ما ينكشف الوجه الآخر للقوة: العفريت يطلب الطاعة، وحين يحاول البطل أن يتمرد يخطف منه الطاقية. في لحظة واحدة تنقلب الهدية إلى قيد، وتنقلب القدرة على الحرية إلى وسيلة للسيطرة. هنا لا يعود العفريت مجرد شخصية عجائبية، ولا الطاقية مجرد أداة في حكاية سحرية؛ يصبح الاثنان تجسيدًا لقانون أعمق: القوة التي تبدو مطلقة لا تمنح صاحبها بالضرورة حرية مطلقة، بل قد تخلق شكلًا جديدًا من التبعية. والأهم أن محفوظ لا يقول ذلك في خطاب مباشر، بل يجعل الحكاية نفسها تكتشفه. هذه واحدة من علامات الكاتب الكبير: أن يجعل الفكرة تعمل داخل الحدث بدل أن يشرحها من خارجه.
من هنا قد نرى أن "القوة" عند محفوظ ليست موضوعًا من موضوعات كثيرة، إنما واحدة من البنى العميقة التي يعود إليها بأشكال مختلفة. القوة عنده نادرًا ما تبقى في صورتها الأولى؛ إنها تتغير بمجرد أن تستقر في يد صاحبها. الحماية يمكن أن تصبح سيطرة، والسلطة يمكن أن تتحول إلى استبداد، والثورة على الظلم يمكن أن تنتج ظلمًا جديدًا. في "الحرافيش" مثلا لا تكمن أهمية الفتوة في شخصه، بل في الدورة التي تتحرك من خلاله: رجل يمتلك القوة فيبدأ بالحماية، ثم تستقر القوة في يده، ثم تصبح امتلاكًا للناس، ثم يتحول الامتلاك إلى قهر. يتغير الفتوات، وتتغير الأزمنة، لكن البنية تعيد إنتاج نفسها. كأن محفوظ لا يكتب تاريخ الحارة بقدر ما يكتب قانون الحارة. لذلك فإن موت شخصية أو سقوطها لا يعني بالضرورة نهاية ما تمثله؛ لأن القانون الذي أنتجها ما زال موجودًا، وقادرًا على إنتاج شخصية أخرى.
هذه النقطة تقودنا إلى "أولاد حارتنا"، حيث تصبح المسألة أكثر اتساعًا وتعقيدًا.
هنا لا تعود القوة اجتماعية فقط، إنما تتصل بالمعرفة والحق في امتلاك الحقيقة. السؤال الذي يتحرك تحت الحكاية ليس فقط من يحكم، بل ماذا يحدث حين تصبح المعرفة نفسها مصدرًا للسلطة؟ ماذا يحدث حين يعتقد شخص أو جماعة أن امتلاك الحقيقة يمنحها الحق في التحكم في الآخرين؟ مرة أخرى، لا يقدم محفوظ إجابة سياسية جاهزة، لكنه يضعنا أمام قانون: كلما تحولت المعرفة إلى امتلاك، أصبحت قابلة لأن تتحول إلى سلطة، وكل سلطة معرضة لأن تنسى الغاية التي نشأت من أجلها. لهذا فإن :أولاد حارتنا" ليست رواية عن حارة بعينها بقدر ما هي محاولة للنظر في العلاقة بين الإنسان والقوة والمعرفة والحق.
لكن الأهم أن هذا المنطق لا يقتصر على أعمال محفوظ ذات البنية الرمزية أو الأسطورية. حتى في الأعمال التي تبدو أكثر التصاقًا بالتفاصيل الاجتماعية، كان محفوظ يمسك بشيء يتجاوز التفاصيل. "زقاق المدق" ليس مهمًا فقط لأنه صورة لزقاق في القاهرة، لكن لأنه يكشف مجموعة من العلاقات الإنسانية التي يمكن أن تنتقل إلى مكان آخر: الفقر، الرغبة في الخروج من الطبقة، الوهم بالخلاص الفردي، إغراء العالم الخارجي، الأسرة التي تحاول أن تحمي أبناءها لكنها قد تتحول في الوقت نفسه إلى قوة تحد من حركتهم. و"بداية ونهاية" لا تستمد قوتها من كونها سجلًا لعائلة مصرية فقيرة، لكن من أنها تمسك بالآلية التي تجعل الفقر يتحول إلى ضغط على الأحلام، وتجعل كل فرد من أفراد الأسرة يبحث عن خلاصه الخاص بينما يدفع ثمن ذلك الجميع.
ربما هنا تحديدًا نجد الدليل العملي على أن محفوظ لم يكن فوتوغرافيًا. عندما انتقلت بعض أعماله إلى السينما المكسيكية، لم يكن الأمر مجرد نقل لحكاية مصرية إلى مكان آخر، بل كان اختبارًا لقابلية عالمه للحياة خارج بيئته الأصلية. لو كان محفوظ مجرد مصور دقيق للقاهرة، لماتت أعماله بمجرد خروجها من القاهرة. لكن ما انتقل هو البنية: العلاقات، الرغبات، الصراعات، آليات الصعود والسقوط. تغير المكان، لكن الحكاية لم تفقد قلبها؛ لأن محفوظ كان قد أمسك بالجوهر الذي يوجد خلف الشكل. وهذا هو الفارق بين الكاتب الذي يصف المكان والكاتب الذي يستخدم المكان لكي يصل إلى الإنسان. المكان عند محفوظ ليس غاية، بل مختبر.
لهذا فإن الشكل المصري الشديد الحضور في أعماله لا ينبغي أن يحجب عنا عالميتها. القاهرة عند محفوظ ليست فقط القاهرة؛ إنها طريقة للاقتراب من العالم. الحارة ليست مجرد حارة؛ إنها نموذج مصغر للمجتمع. الأسرة ليست مجرد أسرة؛ إنها نظام للعلاقات والقوة والذاكرة والرغبة. الفتوة ليست مجرد شخصية شعبية؛ إنها صورة للسلطة حين تصبح القوة حقًا في ذاتها. والعفريت ليس مجرد كائن خارق؛ إنه صورة للقوة التي تمنح وتمنع، وتسمح ثم تشترط، وتظهر كأنها مطلقة بينما هي في الحقيقة محكومة بقانون.
من هنا ربما يمكن فهم محفوظ كله من زاوية واحدة: كان مهتمًا باللحظة التي ينقلب فيها الشيء إلى نقيضه. القوة تنقلب إلى ضعف، والحماية إلى قهر، والحرية إلى تبعية، والحلم إلى مأساة، والثورة إلى سلطة، والمعرفة إلى احتكار. هذه الانقلابات ليست مصادفات في عالمه؛ إنها قوانين. محفوظ لا يطارد الأحداث لذاتها، لكنه يطارد ما يجعلها قابلة للتكرار. لذلك تبدو أعماله، رغم اختلاف أشكالها، كأنها تنظر إلى الإنسان من أكثر من نافذة لكي ترى الشيء ذاته: كيف يتصرف حين يمتلك، كيف يتصرف حين يخاف، كيف يبرر سلطته، كيف يعيد إنتاج ما ثار عليه.
هنا يصبح السؤال "ماذا يبقى من نجيب محفوظ؟" أكثر وضوحًا. لا تبقى فقط القاهرة التي وصفها، ولا الحارة التي خلّدها، ولا الشخصيات التي أصبحت جزءًا من الذاكرة العربية. تبقى طريقته في النظر. يبقى إصراره على أن وراء كل حكاية قانونًا، ووراء كل سلطة آلية، ووراء كل سقوط بدايةً ما، ووراء كل انتصار احتمالًا للهزيمة. تبقى قدرته على تحويل المحلي إلى إنساني، والواقعي إلى رمزي، والحكاية إلى معرفة. لهذا يمكن أن يقرأه قارئ في القاهرة، أو يشاهده متفرج في المكسيك، أو يعود إليه قارئ بعد عقود من كتابته، فيجد أن شيئًا من العالم الذي حوله قد تغير، بينما لا يزال محفوظ يمسك بالخيط ذاته.