رحيل هارالد الخامس أكبر ملوك أوروبا سنا بعد 35 عاما من حكم النرويج.. وفاته عن عمر 89 عاما تنهى عهده الأطول حكما.. انتقال العرش فورا إلى هاكون الثامن.. وأزمات صحية تلاحق «ميته ماريت» الملكة الجديدة

الجمعة، 28 أغسطس 2026 02:00 م
رحيل هارالد الخامس أكبر ملوك أوروبا سنا بعد 35 عاما من حكم النرويج.. وفاته عن عمر 89 عاما تنهى عهده الأطول حكما.. انتقال العرش فورا إلى هاكون الثامن.. وأزمات صحية تلاحق «ميته ماريت» الملكة الجديدة رحيل ملك النرويج هارالد الخامس

فاطمة شوقي

لم يكن صباح الجمعة 28 أغسطس 2026 يومًا عاديًا في النرويج؛ فقد استيقظت البلاد على خبر وفاة الملك هارالد الخامس، أحد أطول ملوك أوروبا بقاءً في الحكم وأكثرهم ارتباطًا بصورة النرويج الحديثة، عن عمر ناهز 89 عامًا، ليُسدل الستار على مسيرة ملكية امتدت لأكثر من 35 عامًا، ويبدأ في الوقت نفسه فصل جديد شديد الحساسية للعائلة المالكة مع انتقال العرش إلى نجله ولي العهد هاكون.

وأعلنت العائلة المالكة النرويجية أن الملك هارالد توفى بسلام في مستشفى جامعة أوسلو، في تمام الساعة 6:35 صباحًا بالتوقيت المحلي، بعد تدهور حالته الصحية. وكان الملك قد دخل المستشفى في 17 أغسطس الجاري، في ظل معاناته من فقر الدم الانحلالي، قبل أن تتعقد حالته الصحية إثر إصابته بعدوى بكتيرية في الدم. وفي اليوم السابق لوفاته، أعلنت السلطات أن حالته أصبحت «بالغة الخطورة»، ما دفع أفراد أسرته إلى التوجه إلى المستشفى والبقاء إلى جواره.

 

وبوفاته، تفقد أوروبا أقدم ملوكها سنًا، بينما تفقد النرويج ملكًا ارتبط اسمه طوال عقود بالاستقرار والهدوء والانفتاح. ووصفت الحكومة النرويجية رحيله بأنه لحظة حزن وطنية، مؤكدة أن هارالد أمضى أكثر من ثلاثة عقود في خدمة بلاده، وأنه كان قادرًا على توحيد النرويجيين في لحظات الأزمات، خصوصًا بعد هجمات 22 يوليو 2011 الإرهابية، عندما ظهر إلى جانب الشعب في واحدة من أكثر الفترات ألمًا في تاريخ البلاد الحديث.

 

ملك لا يعرف التراجع

من أكثر ما ميز هارالد الخامس خلال سنواته الأخيرة رفضه فكرة التنازل عن العرش، رغم مشكلاته الصحية المتكررة ودخوله المستشفى في مناسبات عدة. ففي عام 2024، أعلن تقليص مشاركاته الرسمية بسبب تدهور صحته، لكنه استبعد بشكل واضح فكرة التنازل عن العرش، مؤكدًا أن القسم الذي أداه عندما أصبح ملكًا هو التزام مدى الحياة.

ملك النرويج الجديد والملكة
ملك النرويج الجديد والملكة

 

ومن هنا جاءت صورة «الملك الحديد» التي التصقت به في السنوات الأخيرة؛ ليس بمعنى الحاكم الصارم أو المتسلط، وإنما باعتباره ملكًا تمسك بواجبه حتى النهاية، ورفض أن ينهي عهده بقرار شخصي رغم تقدمه في السن وتراجع قدرته على أداء جميع مهامه.

 

كان هارالد قد اعتلى العرش في يناير 1991 بعد وفاة والده الملك أولاف الخامس، ورافق خلال حكمه تحولات عميقة في المجتمع النرويجي، بينما بقيت الملكية في البلاد مؤسسة رمزية إلى حد كبير داخل نظام ديمقراطي تتركز فيه السلطة السياسية بيد البرلمان والحكومة. ومع ذلك، نجح هارالد في تحويل دوره الدستوري المحدود إلى حضور شعبي واسع، قائم على القرب من المواطنين والتواضع والقدرة على التعبير عن مشاعر المجتمع في اللحظات الصعبة.

 

ولم يكن الملك تقليديًا تمامًا في نظرته إلى العائلة المالكة أو المجتمع. فقد ساعد في تحديث صورة المؤسسة الملكية، كما عُرف بدعمه للتسامح والتنوع والانفتاح، وهو ما جعله أحد أكثر أفراد الأسرة الملكية شعبية في استطلاعات الرأي النرويجية على مدار سنوات.

 

من طفل هارب من الحرب إلى ملك محبوب

حمل هارالد معه منذ طفولته ذاكرة الحرب العالمية الثانية؛ فقد غادرت أسرته النرويج خلال الغزو النازي عندما كان طفلًا، وعاش فترة في الولايات المتحدة قبل عودته إلى بلاده. وبعد سنوات، أصبح أول ملك يولد على الأراضي النرويجية منذ قرون، قبل أن يقود البلاد خلال مرحلة طويلة من الازدهار والاستقرار.

 

كما ارتبط اسمه بالرياضة والطبيعة، وكان شغوفًا بالإبحار وشارك في مسابقات أولمبية، إلى جانب اهتمامه بالبيئة والحياة في الهواء الطلق. هذه الصورة البعيدة عن البروتوكول الجامد ساعدت في جعله ملكًا «شعبيًا» بالمعنى الحقيقي للكلمة، إذ كان يظهر في المناسبات العامة بطريقة أكثر بساطة من الصورة التقليدية التي تحيط بالملوك. لكن رحيله لا يأتي في لحظة هادئة بالنسبة للعائلة المالكة.

 

هاكون الثامن.. ملك جديد في وقت صعب

بوفاة هارالد، ينتقل العرش تلقائيًا إلى نجله ولي العهد هاكون، البالغ من العمر 53 عامًا، الذي أصبح ملك النرويج الجديد، ويحمل اسم هاكون الثامن. ووفق النظام الدستوري النرويجي، لا تحتاج البلاد إلى مراسم تتويج تقليدية، بينما يؤدي الملك الجديد قسمًا أمام البرلمان. ومن المنتظر أن يجتمع مجلس الدولة بصورة استثنائية مع الملك الجديد في القصر الملكي.

هاكون الثامن وزوجته
هاكون الثامن وزوجته


هاكون ليس غريبًا عن المسؤولية؛ فقد تولى مهام الوصي على العرش في فترات غياب والده، ولا سيما خلال تدهور حالته الصحية في الأسابيع الأخيرة. لذلك فإن انتقال السلطة لن يكون مفاجئًا من الناحية العملية، لكنه يحمل تحديًا كبيرًا من الناحية الرمزية، لأن هاكون يرث مؤسسة ترك والده فيها بصمة شخصية يصعب تكرارها. والأكثر حساسية أن هاكون يدخل العرش برفقة زوجته ميتّه ماريت في واحدة من أصعب مراحل حياتها الشخصية والعائلية.

 

ميتّه ماريت.. الملكة القرينة أمام أصعب اختبار

مع انتقال هاكون إلى العرش، تصبح ميتّه ماريت ملكة قرينة للنرويج، بعد سنوات طويلة من الجدل الذي رافق دخولها إلى العائلة المالكة. فقد كانت قصتها مختلفة عن النموذج الملكي التقليدي، وهو ما جعل زواجها من هاكون في 2001 حدثًا أثار جدلًا واسعًا قبل أن يتحول تدريجيًا إلى قصة قبول شعبي.

ميتّه ماريت
ميتّه ماريت

 

وفي السنوات الأخيرة، واجهت ميتّه ماريت تحديات صحية كبيرة، وخضعت لعملية زراعة رئة في يونيو الماضي، فيما تواجه الأسرة المالكة أيضًا ضغوطًا إعلامية وسياسية متزايدة بسبب قضايا أثرت في صورتها العامة. ومن ثم فإن وصولها إلى موقع الملكة القرينة يأتي في توقيت بالغ الحساسية، بينما تتطلع النرويج إلى معرفة ما إذا كان الجيل الجديد قادرًا على الحفاظ على الشعبية والثقة التي بناها هارالد طوال عقود.

 

ويأتى ذلك بالتزامن مع تدقيق إعلامي في علاقات سابقة لميتّه ماريت مع رجل الأعمال الأمريكي الراحل جيفري إبستين، فضلًا عن أزمة ابنها ماريوس بورغ هويبي، الأمر الذي زاد الضغوط على العائلة المالكة وألقى بظلاله على انتقال العرش.

 

نهاية عهد وبداية اختبار

رحيل هاالد الخامس لا يعني فقط وفاة ملك بلغ 89 عامًا، بل يمثل نهاية حقبة كاملة في تاريخ الملكية النرويجية. فقد كان ملكًا شهد تغيرات هائلة في بلاده والعالم، من نهاية الحرب الباردة إلى صعود النرويج كقوة اقتصادية أوروبية، ومن التحولات الاجتماعية الكبرى إلى الأزمات الوطنية التي كان يظهر خلالها باعتباره رمزًا للوحدة.

 

والآن يبدأ عهد هاكون، لكن المهمة لن تكون سهلة. فالملك الجديد مطالب بالحفاظ على إرث والده، وفي الوقت نفسه قيادة مؤسسة ملكية تواجه تحديات تتعلق بصورة العائلة، وصحة زوجته، والجدل المحيط ببعض أفرادها.

 

وبينما نُكست الأعلام أمام القصر الملكي في أوسلو، وبدأ المواطنون في وضع الزهور وتوديع ملكهم، كانت النرويج تودع رجلًا لم يكن حضوره قائمًا على السلطة السياسية، بل على الثقة والرمزية والقدرة على الوقوف إلى جانب شعبه.

 

رحل هارالد الخامس كما عاش سنوات حكمه الأخيرة: متمسكًا بالعرش حتى النهاية، تاركًا خلفه إرثًا طويلًا، وملكًا جديدًا أمام امتحان صعب، وأسرة ملكية تدخل مرحلة جديدة لا تشبه بالضرورة السنوات الهادئة التي صنعها «الملك الحديد» طوال أكثر من ثلاثة عقود.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة