محمود عبد الراضى

أبناء أم استثمارات؟.. عندما يقتل طموح الآباء أحلام الأبناء

الجمعة، 28 أغسطس 2026 11:23 ص


في أروقة البيوت الداجية، وتحت سقف الرغبة المحمومة في الصعود، تتردد صداها قصة مكتومة، قصتها لا تنتهي؛ قصة الأبناء الذين لم يعد وجودهم في الحياة مجرد غرس للحب ورعاية للروح، بل تحولوا إلى صكوك مالية ومشروعات استثمارية يُنتظر منها جني الأرباح والتفاخر أمام الأقران.

يتسلل هذا الشغف الأبوي تحت ستار الحماية، ويتخفى خلف عبارات الحنان، لكنه سرعان ما يتحول إلى قيد يكبل الخطوات ويخنق الإرادة.

يبدأ الأمر برغبة الأب في أن يرى امتداده ينعم بما حرم منه، أو أن تحقق الأم على أيدي أطفالها ما عجزت هي عن إنجازه في صباها.

ومن هنا، يتحول البيت من مأمن وملاذ، إلى ميدان سباق لا ينتهي، ومضمار منافسة لا تهدأ؛ حيث تُقاس المحبة بمجموع الدرجات، ويُقوّم الفضل بمقدار ما تحققه الأيدي الصغيرة من نياشين.

بين فكي هذا الطموح الضاغط، يضيع صوت الطفل الحقيقي، وتندثر موهبته الفطرية، فالطفل الذي ولد ليحلم بالشعر، يُلزم بصرامة أن يرتدي معطف الطب، والروح التي خُلقت لترسم بالفرشاة والألوان، تُقسر على الغوص في جفاف الأرقام والمعادلات.

إننا، ومن حيث لا ندري، نزرع في نفوس صغارنا نبتاً من الخوف والهشاشة، ونبدل البسمة بالوجوم، والبهجة بالهموم؛ فلا هم حققوا ذواتهم، ولا هم أرضوا طموح الآباء الذي لا يرتوي.

إن حدود الطموح الأبوي يجب أن تقف عند عتبة احترام الفردية واكتشاف المكامن، لا عند ردم الهوية وفرض الوصاية.

التربية الحقيقية ليست هندسة لبناء مكرر، بل هي فن اكتشاف البذور وسقايتها لتنمو كما أراد لها الخالق، لا كما يشتهي الخيال الأبوي.

إن الأبناء ليسوا دفاتر شيكات يُنتظر صرفها، ولا لوحات إعلانية نُعرض عليها نجاحاتنا المؤجلة؛ الأبناء أمانة أصلها الحب، وفرعها الحرية.

وحين ندرك هذا الفارق، نستعيد الدفء المفقود في بيوتنا، ونمنح صغارنا الحق الأغلى: أن يعيشوا حياتهم هم، لا حياتنا نحن.

 

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة