قال الدكتور محمد الجوهرى، الخبير الاقتصادى ورئيس مركز أكسفورد للدراسات والأبحاث الاقتصادية، إن كلمة الرئيس عبد الفتاح السيسي حملت خلال الاحتفال بالمولد النبوي رسائل طمأنة اقتصادية وسياسية واجتماعية مهمة تتجاوز المناسبة الدينية نفسها وتكشف عن توجه واضح نحو مراجعة ما تحقق خلال السنوات الماضية والانتقال من مرحلة التركيز على حجم المشروعات والإنفاق إلى مرحلة تقييم النتائج والعائد الاقتصادي والاجتماعي، ومن أهم النقاط التي تناولها الرئيس ملف الدين العام حيث أشار إلى أنه طلب من الحكومة إعداد حصر لحجم مديونية الدولة الداخلية والخارجية ومقارنتها بما تحملته الدولة من دعم على مدار عقود طويلة وهي نقطة شديدة الأهمية لأنها تفتح الباب أمام نقاش اقتصادي واسع حول أسباب تراكم الدين وحجم الأعباء التي تحملتها الموازنة العامة للحفاظ على دعم السلع والخدمات والطاقة وغيرها.
المقارنة المباشرة بين الدعم والدين
وأضاف "الجوهرى"، من الناحية الاقتصادية يجب التعامل بحذر مع المقارنة المباشرة بين الدين والدعم لأن الدين يمثل رصيدا قائما في توقيت محدد بينما الدعم يمثل تدفقات مالية تراكمت على مدار سنوات طويلة ولذلك فإن التقييم الدقيق يحتاج إلى احتساب التضخم وتغير قيمة الجنيه والقيمة الحقيقية للأموال عبر الزمن، والرسالة الأهم في كلمة الرئيس كانت توجيه الحكومة بإعداد تقرير شامل عن الإنجازات التي تحققت في مختلف قطاعات الدولة خلال السنوات الماضية على أن يتم عرض هذا التقرير على المواطنين خلال شهر أكتوبر المقبل، وهنا نحن أمام ما يمكن اعتباره كشف حساب اقتصادي وتنموي للدولة المصرية.
العمل على تحسين الخدمات المقدمة للمواطنين
وتابع الخبير الاقتصادى، :"المطلوب في المرحلة المقبلة ألا يقتصر التقييم على عدد المشروعات التي تم تنفيذها أو حجم الأموال التي تم إنفاقها وإنما يجب أن يشمل حجم العائد الذي تحقق من هذه المشروعات ومدى مساهمتها في زيادة الإنتاج والتشغيل والصادرات والاستثمار وتحسين مستوى الخدمات المقدمة للمواطن، وهذه النقطة تمثل تحولا مهما في تقييم السياسات الاقتصادية لأن الاقتصاد لا يقيس نجاح المشروعات بحجم تكلفتها وإنما يقيسها بحجم العائد الاقتصادي والاجتماعي الذي تحقق منها".
كفاءة الإنفاق العام ستظل في مقدمة أولويات الدولة خلال المرحلة المقبلة
وأشار "الجوهرى"، إلى كلمة الرئيس السيسى حملت اعترافا واضحا بأن المواطنين يتساءلون عن مدى صحة المسار الاقتصادي وما إذا كانت الدولة تسير في الاتجاه المناسب وهي رسالة مهمة لأنها تعني أن تقييم التجربة الاقتصادية أصبح جزءا أساسيا من المرحلة المقبلة، كما أنه تحدث أيضا عن أن الإصلاح والتغيير لهما تكلفة وأن المواطنين تحملوا بالفعل أعباء كبيرة خلال السنوات الماضية في ظل ظروف اقتصادية عالمية وإقليمية شديدة التعقيدـ وهذا يعني أن عملية الإصلاح الاقتصادي لم تنته بعد وأن ملفات الدين والعجز والدعم والأسعار وكفاءة الإنفاق العام ستظل في مقدمة أولويات الدولة خلال المرحلة المقبلة.
توجيهات الرئيس للحكومة
وأضاف أن من الملفات المهمة التي تناولتها الكلمة قضية الأسعار والأسواق حيث وجه الرئيس الحكومة ووزارة التموين إلى استمرار الرقابة على الأسواق والتوسع في المنافذ والمبادرات التي تستهدف توفير السلع بأسعار مناسبة، مشيراً إلى أن السيطرة المستدامة على الأسعار تتحقق بزيادة المنافذ الحكومية و زيادة الإنتاج وتحسين المنافسة وخفض تكاليف النقل والتمويل واستقرار سعر الصرف وزيادة المعروض من السلع ومواجهة الممارسات الاحتكارية وهو ما تعمل عليه الدولة.
إعادة هيكلة أسعار الكهرباء
وأشار إلى أن الرئيس السيسى تناول ملف فواتير الكهرباء وضرورة منع التقديرات الجزافية ومراجعة الفواتير وتسهيل التعامل مع المتأخرات، وهذه القضية أصبحت أكثر أهمية مع إعادة هيكلة أسعار الكهرباء لأن ارتفاع تكلفة الخدمة يجب أن يقابله مستوى أعلى من الدقة والشفافية في المحاسبة حتى لا يتحمل المواطن تكلفة استهلاك لم يقم به بالفعل، ومن أبرز الملفات التي ظهرت في الكلمة أيضا ملف شركات التطوير العقاري حيث شدد الرئيس على ضرورة احترام العقود المبرمة مع المواطنين والالتزام بمواعيد تسليم الوحدات وتنفيذ المرافق والبنية الأساسي.
أهمية السوق العقاري تكمن في أنه مخزون ادخاري للمصريين
وأكد "الجوهري"، أن هذه رسالة شديدة الأهمية للسوق العقارية المصرية لأن العقار أصبح أحد أهم مخازن مدخرات المصريين وبالتالي فإن حماية حقوق المشترين لا تتعلق فقط بعلاقة تعاقدية بين المواطن والشركة وإنما تتعلق بحماية جزء كبير من مدخرات الأسر المصرية وتعزيز الثقة في القطاع العقاري، وتابع:"وقد تؤدي الرقابة الأكثر صرامة على المطورين إلى إعادة ترتيب السوق خلال الفترة المقبلة خصوصا بالنسبة للشركات التي توسعت في عمليات البيع بصورة أكبر من قدراتها المالية والتنفيذية".
معنى المفهوم العائد على الاستثمار العام
ولفت الخبير الاقتصادى، إلى أن الرئيس تناول ملف النقل والطرق وضرورة الانتهاء من مشروعات النقل الجماعي وتحسين الطرق، وهنا يظهر مرة أخرى مفهوم العائد على الاستثمار العام، فبعد سنوات شهدت توسعا كبيرا في مشروعات البنية الأساسية يصبح السؤال الاقتصادي الأساسي هو مدى قدرة هذه المشروعات على خفض تكلفة النقل وزيادة حركة التجارة وجذب الاستثمارات وتحسين الإنتاجية وخلق فرص العمل.
التأثير المباشر على كفاءة الجهاز الإدارى
وقال "الجوهرى"، إن تشديد الرئيس على ضرورة نزول المحافظين والمسؤولين إلى الشارع والتواصل المباشر مع المواطنين والعمل على حل المشكلات وتحسين مستوى الخدمات مع التأكيد على مواجهة الفساد والتلاعب بحقوق المواطنين، تعد قضية لها تأثير اقتصادي مباشر لأن كفاءة الجهاز الإداري للدولة تمثل أحد أهم عناصر بيئة الاستثمار، كون المستثمر لا يتعامل فقط مع مؤشرات الاقتصاد الكلي وإنما يتعامل يوميا مع التراخيص والمرافق والضرائب والجمارك والمحليات والجهات الحكومية المختلفة ولذلك فإن تحسين الإدارة الحكومية يمكن أن يكون له تأثير مباشر على تكلفة الاستثمار وسرعة تنفيذ المشروعات.
الانتقال التدريجي من مرحلة تنفيذ المشروعات إلى مرحلة تقييم نتائجها
وعن الرسائل الخارحية التي حملتها كلمة الرئيس السيسى، قال "الجوهرى"، تمثلت في التأكيد على جاهزية الدولة والقوات المسلحة لحماية مصر ومقدراتها في ظل منطقة تشهد اضطرابات سياسية وعسكرية واسعة، والاستقرار الأمني في هذه المرحلة يرتبط ارتباطا مباشرا بالاقتصاد لأن أي تصعيد إقليمي يمكن أن يؤثر على السياحة وقناة السويس والاستثمارات الأجنبية وأسعار الطاقة وتكلفة التمويل وتدفقات النقد الأجنبي، ومن هنا يمكن القول إن أهم ما حملته كلمة الرئيس هو الانتقال التدريجي من مرحلة تنفيذ المشروعات إلى مرحلة تقييم نتائج هذه المشروعات.
وتابع:" في السنوات الماضية كان السؤال الرئيسي خلالها هو ماذا تبني الدولة وكم تنفق على البنية الأساسية، أما السؤال الذي يبدو أنه سيصبح أكثر أهمية خلال المرحلة المقبلة فهو ماذا حققت هذه الأموال، هل ارتفع الإنتاج؟، هل زادت الصادرات؟،هل تحسنت الخدمات؟، هل تم خلق فرص عمل حقيقية؟، هل ارتفعت قدرة الاقتصاد على توليد النقد الأجنبي؟، هل انخفضت تكلفة ممارسة الأعمال؟، وهل تحسن مستوى معيشة المواطن؟، ولهذا سيكون تقرير الحكومة المنتظر خلال شهر أكتوبر شديد الأهمية وهذا يمثل خطوة مهمة نحو تقييم موضوعي للتجربة الاقتصادية المصرية خلال السنوات الماضية.
كلمة الرئيس بداية مرحلة مراجعة وتقييم للأداء الاقتصادي والإداري للدولة
وشدد "الجوهرى"، على أن كلمة الرئيس لم تكن مجرد مجموعة من التوجيهات للحكومة، بل يمكن قراءتها باعتبارها بداية مرحلة مراجعة وتقييم للأداء الاقتصادي والإداري للدولة، والسؤال الأهم الذي تطرحه هذه المرحلة لم يعد فقط كم أنفقت مصر خلال السنوات الماضية، ولكن ماذا حققت مصر اقتصاديا واجتماعيا مقابل كل جنيه تم إنفاقه وكل جنيه تم اقتراضه، وهذا سؤال وعد الرئيس الإجابة عليه من خلال مؤتمر حواري وجهه اليه الحكومة لشرح كل شيء، لاهتمامه بأشراك كافة أطياف المجتمع في صناعة مستقبل الوطن.