لا نحتاج أن نُعيد اختراع العَجَلة؛ طالما سُبِقنا لذلك. وإذا لم تَعُد تُلبّى احتياجاتنا؛ فبإمكاننا أن نُضاعف المُدّخرات، ونشترى سيارةً مثلاً.
أمّا الاشتراك فى بطولات الرالى بدرّاجة عتيقة؛ فليس من الحصافة؛ فضلاً على أنه يُهدر الوقت والجهد، ويجعل صاحبه غريبًا عن محيطه الواسع، وأضحوكة فى دوائره الضيقة!
مدخل غريب نوعًا ما؛ وتزداد غرابته بتبيان أننى أتحدث عن الصحافة ونقابتها وقانونها، وعن قواعد القِيد، وجدلها القديم المُتجدّد؛ لا سيما المواقع الإلكترونية.
وكى تكون الأمور مُنظّمة منذ البداية؛ فأنا من جيل الرقمنة نوعًا ما، وأراها الغالبة حاليًا، وأُقرّ بحق كل مُمتهن لصنعةٍ فى أن يندرج تحت مظلّتها، ويستدفئ بأهلها/ زملائه وإخوته؛ وإن كان فيها مَغرم فعليه كالباقين، وإن غَنموا فليَغنم مثلهم أيضًا!
وعليه؛ فلا فرق من منظور مُجرّد بين المُنتمين لمؤسساتٍ لديها إصدارات ورقية، وسواهم مِمّن قادهم الحظ والعُمر وظروف السوق لعناوين افتراضية. كلاهما صحفى، وينبغى على بيت العائلة أن ينشغل بهمومهما معًا، وعلى قدر المُساواة.
وبعد الاستهلال المُراد به الضبط والإيضاح، وفرملة المُزايدة المُتوقّعة.. لنذهب إلى صُلب المسألة: تختلف الجمعية العمومية وتتنازع، يُرحب البعض ويستهجن آخرون؛ إنما العُقدة فى الضوابط لا الآراء، النصوص لا الأعضاء.
لا أحد يتحلّى ببعض الموضوعية؛ ولو بالاصطناع والتجمُّل، سيُنكر أنّ النسبة الأكبر من العاملين بالمواقع زملاء حقيقيون، يجتهدون فعلاً، يحوزون الصفة بقوّة الواقع، ويستحقون تثبيتها فى وثائقهم.
أقول لا أحد، وأقصد الإطلاق. وكل خشية البعض؛ وإنْ أنكروا، من أن يتسبّب ضغط العضوية فى مُراجعة وضع بدل التدريب، وحال اطمئنانهم للأمر، أو تحييد تلك الورقة لسبب أو آخر، فسيضاءل الاعتراض، وربما يتحول إلى ترحيبٍ وتهليل.
ولا يخلو المشهد من استثناءات قطعًا؛ لدىّ ومن آخرين كُثر. وخوفى الشخصى يقف فى مكان أبعد من المنفعة الذاتية القريبة، وهواجس انقطاعها، سواء حقيقية أم مُبالِغَة.
وأُرتّبها تصاعديًّا من السيئ للأسوأ: الشعبوية بلا عقل، ثم انتهاك القانون، وتوسيع الثغرات ومضاعفة آثارها، وأخيرًا والأخطر أن يتحول الملف إلى «قميص عُثمان»، يرفعه المُتاجرون بمواجع الآخرين، ليسبحوا فى دمهم إلى مزيدٍ من الكسب المشبوه.
يعرف الصحفيون، ومجلس نقابتهم قبلهم؛ أن بعض الصحف مُجرّد دكاكين تتربّح بالترخيص، تستنزف الأعمار، وتبيع العضويات. كانت التسعيرة عِدّة آلاف فى التسعينيات وبعدها، وبلغت اليوم ربع المليون جنيه تقريبا.
وإذ يتسع الخرق، وتستعصى مُداواة العِلّة؛ فليس من الحكمة أو صدق النيّة والطويّة، أن تُستَنسَخ القناة الخلفية؛ ليتضاعف عدد السماسرة وباعة الأحلام، بدعوى الدفاع عن الشباب واستيفاء حقوقهم الضائعة.. كلام حق؛ قد يُراد به باطل للأسف.
أنتمى لمهنة الصحافة قدرًا واختيارًا. أحبّ النقابة، ومجلسها حتى مع بعض الاختلاف، وأحب كل الزملاء على تنوّع أفكارهم وأجيالهم؛ لكن القانون أحَبّ إلىّ من الجميع!
وقد استغربت أن يُصدر النقيب خالد البلشى بيانًا يُدغدغ المشاعر بلا رؤية أو خطة أو آلية عمل، وهالَنى أن تنطوى بعض الفقرات على تبسيطٍ مُخلّ، واعتساف فى القراءة، أو «تأويل مُفرط» بلغة أهل الهرمنيوطيا وتحليل الخطاب.
الرجل لطيف للغاية، ومُهذّب حقيقةً، وله كل التقدير، والمودّة على البُعد. غير أن دماثة الخُلق لا تعصم وحدها من الزَّلَل، والطريق للجحيم تحفّه النوايا الحسنة أحيانًا، مع الإقرار بأننا لا نُفتّش الصدور.
إنما لنَكُن صرحاء؛ فالنقيب يقترب من ختام ولايته الثانية. لا فرصة انتخابية، ولم يُحرّك الملف عن مواضعه لنحو أربع سنوات. ما أثاره قبل الاستحقاق الماضى، ولو كان بصدد الترشُّح فى مارس؛ لَمَا اقترب منه أيضا.
فكأنه يُبرئ ذِمّته فى الختام، أو يحرث الأرض للعودة بعد فاصلٍ من سنتين. كما يُدشّن حملة الانتخابات لتيّاره والمُتحالفين معه، وبعضهم فى مأزقٍ مع احتدام المنافسة المُقبلة «فوق السنّ».
وأربأ به عن أن يكون مُراد كلامه، أن يصنع ستارةَ دخان تحجب قصة شريف عامر، وتحرف الأنظار عن الاشتباك معها، والدفع نحو لوم أو مُساءلة اثنين من المجلس أفرطا فى الانحياز، ومنحاه مزايا لا يتحصّل عليها أى مُتقدّم للجنة تحت التمرين.
وبعيدًا من البواعث والتفسيرات؛ فما آخذه على بيان البلشى أنه تصدّى للمهمة من غير مسارها
السليم، وسعى للقفز على الجدار بما لا يليق بالصحفيين عمومًا، وبالنقباء خاصّة.
فالأصل أننا نتلزم القانون، ننظر فيه بحسب المستجدات ومُقتضى الحال، ولنا مسار وحيد لا فِكاك منه؛ أن نُكيِّف رؤانا واحتياجاتنا فى بدائل، تأخذ طريقها إلى الإقرار بالأطُر التشريعية المعروفة؛ لنلتزمها كسابقتها تمامًا.
ولا مانع من التأويل، كما جرى فى لائحة القيد بتتابُع نُسخها. إنما لا اجتهاد مع نص، ولا تفسير للجلىّ الواضح، ولا خروج على فلسفة المُشرّع؛ المؤطّرة حَتمًا بسياقها الزمنى والمعرفى.
وعندما حاول البلشى أن يستحدِث تخريجة تُتيح قيد الإلكترونيين؛ فقد تعسّف فى التفسير، زاعمًا أن «الصحافة المطبوعة» لا يُقصَد بها الصحف الورقية حصرًا، وأن النص توسّع بضمّ الوكالات التى لا تطبع ورقًا، وتُشبه المواقع فى عملها.
والمفارقة؛ أنه استشهد بما يدلّ على العكس تمامًا. إذ لو أنّ رأىَ المُشرّع انصرف إلى أن «المطبوع» يتقصّد عملية التداول بغضّ النظر عن الوسيط؛ لَمَا احتاج لتفصيل المُجمَل. وذِكْرُ الوكالات إنما يدلُّ على القصد والحصر والتوقيف!
وإلى ذلك؛ فالمُشرّع لم يكن يعرف من الصحافة وقتها غير الصحيفة والوكالة. ما استخدم جهاز كمبيوتر، ولا تصفّح موقعًا إخباريًّا؛ لأن الإنترنت نفسها لم تكن موجودة.
وادّعاء أن المادة تحتمل تفسير النقيب، يتزيّد ويلوى عُنق النص واللغة. نحن بصدد قانون بشرى محدود بوعى صُنّاعه، وليس القرآن المُطلق، الصالح لكل زمان ومكان. وعندما يصطدم التشريع بالواقع صدامًا صريحًا يستعصى على التوفيق؛ فالتلفيق لن يكون حلّاً، ولا بديل عن التعديل.
وأخطر ما أورده البلشى، دعوة الجمعية العمومية للتصويت على تفسيره، واستمالة الأعضاء عاطفيًّا بالتحبيب على أن تكون «سيدة قرارها». وكانت جُملة من النوادر فى زمن فتحى سرور، يحاول صحفى يسارى مُعارض أن يستنسخها فى مجال آخر، مُتجاهلاً أنه لا سُلطة فوق القانون إلا للدستور.
وكل ما فات ليس رفضًا للمطلب ذاته؛ إنما القصد إنجازه بصيغة سليمة، وتحصينه من الجدل والعوار. على أن يُعَدّل القانون بما يمنح الحقوق، ويحميها أيضًا، ويسد الثغرات قبل كل شىء.
بعض المواقع لا هياكل لها، ولا تمنح رواتب، أو تكون زهيدة للغاية إن منحتها. ويُريد مالكوها قيد صحفييهم ليحسبوا عليهم بدل التدريب راتبًا، ويُقايضوهم به، وربما يبيع بعضهم العضوية؛ لا سيما أن عددا منهم يُمارسون الابتزاز صراحة فى أدائهم اليومى.
البداية بوضع قواعد واضحة، ومُراجعة وضع الشركات المالكة للمواقع، وهياكلها المؤسسية، وصيغة الملكية مع توسيعها، والقوائم المالية، والتزام الحد الأدنى للأجور، مع تأمين ودائع لصالح حالات الطوارئ والفصل التعسفى وغيرها.
وعندما تصبح الأماكن مُلتزمة وآمنة وكاملة الأهلية، يُمكن وقتها أن تكون بوّابة شرعية لدخول النقابة، لا معبرًا خلفيًّا أو وسيلة للسمسرة والتربح ومصّ دماء الشباب.
النقيب حَسن النية، وغيره كثيرون، وكلنا مع الزملاء. غير أن الحق واضح للعيان، والحقوق مُتبادَلة بين الأعضاء والكيان، وحال مهنة بنقابتها وكامل المُشتغلين بها يُنظَر فيه بوعىٍ، ويُدَار بتعقُّل، ولا يصح أن يؤخَذ باستخفاف، ولا أن يكون وسيلة عاطفية للاستعراض أو إبراء الذمة.