لم تعد أوروبا تواجه في صيف 2026 أزمة مناخية واحدة، بل سلسلة متلاحقة من الظواهر الجوية المتطرفة التي تتبدل حدتها وسرعتها بصورة لافتة.
فبعد أسابيع من موجات الحر القياسية التي حصدت عشرات الآلاف من الأرواح، وأشعلت الغابات وأرهقت شبكات الطاقة والمياه، انتقلت أجزاء واسعة من القارة إلى الوجه الآخر للأزمة، عواصف عنيفة، أمطار غزيرة، برد كثيف ورياح عاتية خلفت مشاهد مدمرة في فرنسا وإسبانيا وإيطاليا ودول أوروبية أخرى.
وأظهرت أحدث التقديرات المنشورة هذا الأسبوع أن أكثر من 35 ألف وفاة زائدة ارتبطت بموجات الحر المتتالية في أوروبا خلال صيف 2026، وفق بيانات أولية لم تستكمل بعد في جميع الدول.
وكانت ألمانيا وفرنسا وإسبانيا من بين أكثر البلدان تضررًا، في وقت لا تزال فيه درجات الحرارة المرتفعة والجفاف يشكلان تهديدًا للصحة العامة والاقتصاد.
لكن المشهد تغير بصورة حادة خلال الأيام الأخيرة، إذ تحولت الحرارة الشديدة إلى اضطرابات جوية عنيفة في مناطق مختلفة من القارة، لتظهر صور صادمة لحجم القوة التي باتت تحملها الظواهر الجوية المتطرفة.
إعصار يضرب فرنسا.. عشرات المصابين و300 منزل متضرر
كانت جنوب فرنسا إحدى أكثر المناطق تعرضًا للطقس العنيف، بعدما اجتاح إعصار قوي بلدة بوماس في إقليم أود، تاركًا وراءه دمارًا واسعًا.
وأدى الإعصار إلى إصابة 41 شخصًا على الأقل، بينهم حالات استدعت العلاج في المستشفيات، بينما تضرر نحو 300 منزل، واقتلعت الرياح أسقف مبانٍ وأسقطت أشجارًا وألحقت أضرارًا بعدد من السيارات والمنشآت.
ووصفت السلطات الفرنسية الظاهرة بأنها استثنائية ونادرة، بينما واصلت فرق الطوارئ عمليات تفقد المباني وتأمين المناطق المتضررة. ولا يزال عدد كبير من المنازل دون كهرباء، فيما اضطرت السلطات إلى إجلاء سكان من بعض العقارات التي أصبحت غير آمنة.
وجاء الإعصار في أعقاب موجة حرارة قوية ضربت جنوب فرنسا، قبل أن تنقلب الأجواء بصورة مفاجئة إلى عواصف رعدية شديدة، في تحول يجسد التقلبات الحادة التي أصبحت سمة متكررة للطقس الأوروبي.
إسبانيا.. البرد يتحول إلى كارثة
وفي إسبانيا، كانت كاتالونيا وتاراجونا من أبرز المناطق التي دفعت ثمن العاصفة. فقد شهدت المنطقة أمطارًا غزيرة ورياحًا قوية وتساقطًا كثيفًا لحبات البَرَد، بعضها تجاوز قطره 5 سنتيمترات.
وسجلت بلدة فينيولس إي إلز آركس في تاراغونا 88.6 لترًا من المياه لكل متر مربع خلال ثلاث ساعات، بينما وصلت الكمية في مدينة تاراغونا إلى 77.3 لترًا للمتر المربع خلال الفترة نفسها، مع تسجيل 34 لترًا خلال نصف ساعة فقط. كما بلغت سرعة الرياح 117 كيلومترًا في الساعة في إحدى مناطق لاردة.
وكانت إحدى أكثر الصور إثارة للصدمة نفوق أعداد كبيرة من الحمام بعد تعرضها لحبات برد ضخمة خلال العاصفة. وأظهرت مقاطع وصور متداولة آثار العاصفة العنيفة التي ضربت المنطقة، بينما تلقت خدمات الطوارئ مئات البلاغات، وأرسلت فرق الإنقاذ للتعامل مع الفيضانات وسقوط الأشجار والأضرار المختلفة.
كما تسببت الظروف الجوية في اضطرابات واسعة، وأدت إلى إلغاء إحدى مراحل سباق طواف إسبانيا بسبب المخاطر التي فرضتها العواصف والبرد على المتسابقين.
إيطاليا.. طائرات خفيفة تنقلب على المدرج
أما في إيطاليا، فتحولت العواصف إلى مشاهد غير مألوفة في مطار فورلي بإقليم إميليا رومانيا، بعدما تسببت رياح قوية بلغت سرعتها نحو 120 كيلومترًا في الساعة في انقلاب طائرات خفيفة على أرض المطار.
وانقلبت أربع طائرات صغيرة، ثلاث منها كانت متوقفة على المدرج، بينما تعرضت طائرة أخرى للحادث أثناء محاولة الهبوط. كما لحقت أضرار بجزء من جدار حظيرة الطائرات وسقف مبنى الوصول، ما أدى إلى إغلاق المطار مؤقتًا وإجراء عمليات تفتيش وتأمين للطائرات والمنشآت.
ولم تقتصر الاضطرابات على إميليا رومانيا؛ فقد ضربت العواصف مناطق أخرى في شمال ووسط إيطاليا، بينها ليغوريا ولومبارديا وتوسكانا وإميليا رومانيا والمناطق الألبية، مصحوبة بأمطار غزيرة وصواعق ورياح قوية وتساقط للبرد.
وفي ألتو أديجي، تسببت الأمطار في غمر منازل وأقبية ومرائب بالمياه، بينما حدثت انهيارات طينية ومشكلات في شبكة الكهرباء. وفي وادي باسيريا، سُجل هطول 53 لترًا من الأمطار لكل متر مربع خلال 30 دقيقة في سان مارتينو.
وأعلنت السلطات الإيطالية تحذيرات صفراء من العواصف والمخاطر الهيدرولوجية في أجزاء من ثماني مناطق، من بينها بييمونتي ولومبارديا وليغوريا وإميليا رومانيا وتوسكانا وأومبريا وماركى ولازيو.
أوروبا من الحر القاتل إلى العاصفة المدمرة
وتأتي هذه العواصف بعد صيف استثنائي شهد موجات حر متتالية في أنحاء القارة، تسببت في ارتفاع كبير في الوفيات المرتبطة بالحرارة، إلى جانب الجفاف وانخفاض مستويات الأنهار واندلاع حرائق واسعة النطاق.
وتكمن خطورة الوضع في أن أوروبا لا تواجه فقط ارتفاع درجات الحرارة، وإنما تزايدًا في تقلبات الطقس وشدة الظواهر المتطرفة.
ففي فترة قصيرة، يمكن لمنطقة ما أن تنتقل من الجفاف والحرائق إلى الأمطار الغزيرة والسيول، بينما تواجه منطقة أخرى في الوقت نفسه حرارة شديدة.
وقد أظهرت بيانات أوروبية حديثة تراجع مستويات عدد من الأنهار الرئيسية نتيجة الجفاف، في حين أدت الحرارة والجفاف إلى زيادة قابلية الغابات للاشتعال.
ثم جاءت العواصف المفاجئة لتضيف مخاطر جديدة مرتبطة بالفيضانات والانهيارات الأرضية والأضرار التي تلحق بالبنية التحتية.
خسائر تتجاوز الطقس
ولا تتوقف تداعيات هذه الظواهر عند الخسائر البشرية أو الأضرار المادية المباشرة. فالطقس المتطرف يضغط على الزراعة والطاقة والنقل والسياحة والتأمين، ويهدد سلاسل الإمداد والبنية التحتية.
فالحرارة الشديدة تقلل إنتاجية العمال وتزيد الطلب على الكهرباء من أجل التبريد، بينما يؤدي الجفاف إلى الإضرار بالمحاصيل وتقليص موارد المياه.
وفي المقابل، تتسبب العواصف في تعطيل الطرق والسكك الحديدية والمطارات، وإغلاق المنشآت وإجبار السلطات على نشر فرق الطوارئ.
وفي فرنسا، لم يكن الإعصار مجرد حادث محلي؛ فقد أدت الأحوال الجوية القاسية إلى اضطرابات في حركة المرور والنقل، بينما تسببت العواصف في إسبانيا في تعطيل فعاليات رياضية، وفي إيطاليا وصل تأثير الرياح إلى منشآت الطيران.
وهكذا يبدو صيف 2026 مختلفًا عن مجرد موسم حار بشكل استثنائي، أوروبا تعيش سلسلة من الأزمات الجوية المتلاحقة؛ حرارة تقتل، وجفاف يستنزف المياه، وحرائق تلتهم الغابات، ثم عواصف مفاجئة تضرب المدن والقرى وتخلف أضرارًا واسعة.
وبينما تجاوزت الوفيات المرتبطة بالحرارة 35 ألفًا وفق التقديرات الأولية، تكشف صور الإعصار في فرنسا، والبرد الذي أودى بالطيور في إسبانيا، والطائرات التي قلبتها الرياح في إيطاليا، عن وجه آخر للأزمة: قارة تواجه طقسًا أكثر تطرفًا وتقلبًا، فيما تتسع فاتورة الكوارث البشرية والاقتصادية والبيئية مع كل موجة جديدة.