كانت ليلة تألق وأبدع وأبهر فيها الفنان علي الحجار تحت أسوار قلعة صلاح الدين الأيوبي التاريخية في الليلة قبل الأخيرة لمهرجان القلعة الدولي للموسيقى والغناء.
تجاوز الحضور العدد المسموح به للجمهور في ساحة المحكى لأكثر من 7 ألاف متفرج جاءوا للاستمتاع بليلة استثنائية لفنان استثنائي وصوت ذهبي مازال محتفظا برونقه وقوته وبريقه رغم مشواره الفني الطويل الممتد لحوالي 50 عاما
تعالت وتفاعلت أصوات الجمهور، من أطفال ونساء ورجال وشباب وكبار السن، مع أكثر من 25 أغنية صدح بها الحجار لجمهور يعشقه ويحبه وينتظره كل عام في المكان نفسه ليمنحه المتعة والبهجة بسعر تذكرة رمزي لا يتجاوز المائة جنيه.
غنى الحجار كما لم يغن من قبل ولم ورسم البسمة والفرحة على وجوه الحاضرين لم يخذل لهم طلبا في كل ما أرادوا الاستماع اليه.
بدأ كالمعتاد في حفلاته بأيقونته الرائعة " المال والبنون"من كلمات الشاعر الكبير سيد حجاب وألحان الموسيقار ياسر عبد الرحمن. وعلت أصوات الجمهور معه بالغناء.." قال زمان دنيا دنيّة غرورة.. وقلنا واللي تغره يخسر مصيره..قالوا الشيطان قادر وله ألف صورة.. قلنا ما يقدر عاللي خيره لغيرهإيه معنى دنيتنا وغاية حياتنا.. إذا بعنا فطرتنا البريئة الرقيقة"
توالت أغاني المسلسلات الشهيرة التي غناها الحجار، فهو أكثر المطربين بلا منافس الذين غنوا مقدمات المسلسلات الدرامية وفي رأيي أن تترات المسلسلات كانت ومازالت لها تأثيرها وبريقها وجاذبيتها الى جانب ألبومات الأغاني. فالتترات تحولت الى ذاكرة شعبية للمصريين، ارتبطت بوجدانهم وحنينهم الى ماضي الدراما المصرية العملاقة منذ مسلسل " الأيام" عام 79 إلى "بوابة الحلواني"، ومن "أبو العلا البشري" إلى "ذئاب الجبل" و"المال والبنون"، و"الضوء الشارد " و" الليل وآخره" و" غوايش" وغيرها.
في كل هذه الأوقات الدرامية المحفورة في الذاكرة، كان علي الحجار حاضرا بحنجرته الذهبية وصوته المسكون بعشق الوطن ليحكي عبره حكاية حب لا تنتهي.
في سهرة الأحد الماضي عاد بصوته العبقري الى البداية مع كلمات عبد الرحيم منصور وألحان المبدع الفذ بليغ حمدي " على قد ما حبينا" التي غناها في حفل رأس السنة عام 1977. ومنذ تلك اللحظة (حوالي نصف قرن) بدأ اسم علي الحجار يلمع صوت متميز ومختلف يحمل طابعا خاصا يجمع بين القوة والصدق في التعبير عن المشاعر والأحاسيس العاطفية والوطنية.
على مدى ساعتين تقريبا وفي الهواء الطلق وبين أحضان القلعة التاريخية تحققت المتعة والبهجة مع الفن الرفيع والجميل مع نجم مازال يحتل قمة الغناء المصري مع باقي الفنانين الكبار أمثال مدحت صالح وهشام عباس ومحمد الحلو (الذي نتمنى حضوره ومشاركته في الدورة القادمة مع محمد ثروت وايهاب توفيق لتتحقق المتعة الكاملة). علي ورفاقه يقاومون بشراسة بالفن الأصيل تيار غريب عن الذوق المصري استشرى كالسرطان في المجتمع المصري وشوه الذائقة الفنية للأجيال الجديدة.
مهرجان القلعة الدولي للموسيقى والغناء في دورته الـ34 هو المتنفس الحقيقي للأسر المصرية للحصول على بعض حقها في " العدالة الثقافية" حضورا وليس مجرد متابعة من بعيد في أجواء تجمع بين الفن والتاريخ وبمنتج فني راق المستوى. فالمهرجان ليس حدثا فنيا فقط وانما حدثا ثقافيا يمزج بين عراقة التاريخ ورقي ورفعة الفن من خلال شعار " الفن للجميع" باتاحة الفنون الرفيعة والموسيقى الجادة لجميع فئات المجتمع بأسعار رمزية. بتنوع موسيقي مختلف بدءاً من الطرب الأصيل والأوركسترا الكلاسيكية وصولاً إلى فرق الأندرجراوند والتجارب الشبابية والموسيقية الدولية.
المهرجان له دور حيوي في الحفاظ على الهوية الثقافية، ودعم التراث الموسيقي المصري والعربي وتشجيع المواهب والفرق الواعدة
نتمنى من الدكتور رضا الوكيل مدير دار الأوبرا الجديد أن تمتد أيام المهرجان لأكثر من عشرة أيام ..فلماذا لا يستمر طوال شهر أغسطس باضافة أفكار جديدة. فالمهرجان حقق شهرة عالمية وحاز على ثقة آلاف المصريين الذين لا تتح أحوالهم وظروفهم الذهاب الى الأماكن البعيدة.