قالت وزارة الاوقاف لقد قدم النبي صلى الله عليه وآله وسلم نموذجًا فريدًا في التعامل مع المرأة، يقوم على الرحمة والوفاء والاحترام وصيانة الكرامة، فكان أبرَّ الناس بالأمهات، وأوفاهم للزوجات، وأرحمهم بالبَنات، وأحسنهم تقديرًا لمشاعر النساء وأدوارهن في المجتمع، وإن استلهام هذا المنهج النبوي كفيل ببناء أسر مستقرة ومجتمعات متماسكة يسودها العدل والمودة والسكينة.
حضور المرأة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم
كانت المرأة حاضرة في حياته صلى الله عليه وسلم بكل تجلياتها، وكانت سائر الحقوق والأعمال التي تصدر منه صلى الله عليه وسلم تجاه المرأة عمومًا، أو أهل بيته خصوصًا مليئة بالرحمة والعطف والحنان، فالحقوق إذا لم تقترن بالرحمة والحب جاءت منقوصة مشوهة، مسلوبة الجمال والكمال؛ لكن تعاملاته صلى الله عليه وسلم مع المرأة جميعها كانت محفوفة بالاحترام والتقدير والإنسانية الرفيعة، فكانت نظرته للمرأة نظرة أخلاقية رفيعة.
وشاء الله لنبيه صلى الله عليه وسلم أن يفجع بموت أمه وهو ما زال طفلًا صغيرًا، فلم يشبع من حنانها ولم يعش معها زمنًا طويلًا حتى نرى بره صلى الله عليه وسلم بها، ولكن رغم ذلك علَّم الدنيا كلها أسمى معاني البر والوفاء بها، فاستأذن ربه أن يزور قبرها فأذن له فوقف صلى الله عليه وسلم عليه طويلًا، وبكى حتى انتحب وأبكى من حوله.
وكان صلى الله عليه وسلم شديد البر بمن قامت على تربيته السيدة فاطمة بنت أسد رضي الله عنها فكان يكرمها ويقول لها: «أنت أمي بعد أمي» ، ولما ماتت حزن عليها وكفنها في ثوبه، ونزل في قبرها، ودعا لها، وبأول من أرضعته حليمة السعدية كان صلى الله عليه وسلم حريصًا على صلتها وزيارتها والدعاء لها، ولما زارته قام إليها وبسط لها ردائه لتجلس عليه، وكان يحسن إلى أم أيمن ويتلطف بها ويزورها، ويقول: «هذه بقية أهل بيتي» .
تعامله صلى الله عليه وسلم مع زوجاته
كان صلى الله عليه وسلم شديد الوفاء لخير النساء سيدتنا خديجة رضي الله عنها بعد وفاتها حتى غارت منها السيدة عائشة رضي الله عنها، وحين زارته أختها هالة في المدينة ذات يوم، وسمع صوتها، قام إليها وهو يقول «اللهم هالة اللهم هالة» ، وكان يذبح الشاة ويهديها إلى صديقاتها وفاءً لها.
وكان صلى الله عليه وسلم يفسح لزوجاته المجال في مراجعته في الكلام دون أن يلومهن على ذلك ؛ تقديرًا لما جبلن عليه من تلك الخصلة، مقدرًا غيرتهن، وحالاتهن النفسية في حال الرضا والغضب؛ فيخبرهن بذلك من باب الأنس والمداعبة، فيقول صلى الله عليه وسلم للسيدة عائشة: «إني لأعلم إذا كنت عني راضية، وإن كنت علي غضبى» قالت: بم تعلم يا رسول الله ؟ قال: «إذا كنت علي غضبى قلت: كلا ورب إبراهيم، وإذا كنت عني راضية قلت: كلا ورب محمد»، قلت صدقت يا رسول الله، ما أهجر إلا اسمك".
فلم يكتف صلى الله عليه وسلم بسماع كلماتها بل كان يقرأ المشاعر بعين المحبة والرحمة دون أن ينتقص منها أو يعيب عليها. وفي عصرنا الحالي نحن أحوج ما نكون إلى الإنصات لمشاعر من نحب، وتفهم أحوالهم والتعامل بالحكمة والرحمة، مما يعمق أواصر المودة بين الزوجين.
تعامله صلى الله عليه وسلم مع بناته
كان صلى الله عليه وسلم أرحم الخلق ببناته، وضرب أروع الأمثلة في الحب والحنان والرحمة بهن، ولم يستنكف صلى الله عليه وسلم إذا رأى ابنته فاطمة أن يقوم لها ويقبلها بين عينيها، ويجلسها مكانه، وكان يقدر مشاعرها
ومن أبرز المواقف على ذلك تصريحه بالرفض للزواج الثاني للإمام علي كرم الله وجهه عليها بقوله «فاطمة قطعة مني، يريبني ما يريبها ويؤذيني ما يؤذيها» وقوله: «كلا والله لا تجتمع بنت رسول الله وعدو الله عند رجل أبدًا».
ومن أبلغ المواقف التي تجلت فيها رحمة النبي صلى الله عليه وسلم بالمرأة: كراهته من أن يراها تحتمل المشقة، أو تكابد الصعاب، فحينما رأى السيدة أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها تحمل النوى على رأسها لمسافة بعيدة أشفق عليها صلى الله عليه وسلم، ووقف لها في الطريق وأناخ جمله لتركب معه، فامتنعت حياء من زوجها واحترامًا لغيرته ومشاعره، وهذا منهج حضاري متجدد في التعامل بين الرجال والنساء خاصة في عصر التحول الرقمي، يؤكد أن المبادرة إلى الخير قائمة على الأدب، وحفظ الكرامة، واحترام الخصوصية والالتزام بالضوابط الشرعية بعيدًا عن الابتذال أو الريبة.
مراعاته صلى الله عليه وسلم للضعف العارض للنساء كالهم والحزن والمرض
وكان من هديه صلى الله عليه وسلم ورقيه في إنسانيته الفريدة الاهتمام بالصحة النفسية وعدم السخرية ممن يعانون من اضطرابات نفسية أو ذهنية، فعن أنس رضي الله عنه: "أن امرأة في عقلها شيء جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت له: إن لي إليك حاجة فقال: «اجلسي في أي طريق المدينة شئت أجلس إليك»
وافتقد صلى الله عليه وسلم ذات يوم أمة سوداء ضعيفة كانت تخدم المسجد وتنظفه، حتى إذا أخبروه بموتها عاتبهم صلى الله عليه وسلم على ذلك وقال: «دلوني على قبرها فأتى القبر فصلى عليها».
قال القاضي عياض: " وفي حديث السوداء هذا وصف ما كان عليه من تفقد أحوال ضعفاء المسلمين، وما جبل عليه من التواضع والرأفة والرحمة بأمته وخاصة النساء" [إكمال المعلم]، وكان صلى الله عليه وسلم يقدر المرأة ويحترم تميزها في كل المجالات، فكان يسمع الشعر من الخنساء ويستزيدها منه، وكان يكرم ذوي الهيئات من النساء مثل سفانة بنت حاتم الطائي لما عرفته بنفسها فأكرمها وقضى حاجتها، كما قبل صلى الله عليه وسلم إجارة أم هانئ لأحد أقارب زوجها فقال: «أجرنا من أجرت يا أم هانئ»، وهذا اعتراف بحسن تصرفها، ودعوة إلى الوفاء بالوعود والالتزامات في العلاقات الأسرية والاجتماعية.
وهكذا كانت المرأة في حياته صلى الله عليه وسلم موضع تقدير واحترام، يؤنسها، ويواسيها، ويشاركها أفراحها وأحزانها، ويجعل حسن معاملتها من كمال الإيمان وحسن الخلق، ومن ثم فإن الاقتداء بهديه صلى الله عليه وسلم في التعامل مع المرأة هو المنهج الكفيل ببناء أسر مستقرة ومجتمعات متماسكة، تحفظ فيها الحقوق، وتصان فيها الكرامة، وتتحقق فيها السكينة التي أرادها الله تعالى لعباده.