تزايدت في السنوات الأخيرة خطورة السوشيال ميديا على المجتمع في ظل انتشار الاستخدام السلبي للتكنولوجيا والمنصات الرقمية من جانب قطاع عريض من المواطنين وانجراف العديد من المستخدمين خلف الترندات المصنوعة والمزيفة، فلم تعد منصات التواصل الاجتماعي مجرد وسيلة للتواصل أو الحصول على المعلومات، بل أصبحت ساحة مفتوحة لصناعة الرأي العام وتوجيه الاهتمام، وهو ما يجعل التعامل معها مسؤولية حقيقية، وليس مجرد مساحة للتسلية وتمضية الوقت.
فمن أخطر الظواهر التي فرضت نفسها خلال السنوات الأخيرة ظاهرة «الترندات الزائفة»، وتلك الموضوعات والقضايا التي تنتشر بصورة واسعة خلال ساعات، دون أن يكون لها أساس حقيقي، أو يتم اجتزاء الوقائع وتقديمها بصورة مضللة، أو اختلاق قصة من الأساس ثم تحويلها إلى حديث الساعة، بقصد إثارة اهتمام الناس وجذبهم للحديث حول الموضوع الذي يتحول فجأة إلى تريند الجميع يتحدث عنه.
الترند المصنوع والزائف كأنه أصبح حرفة البعض يتربحون منه، فنجده يتسبب في ظلم مجني عليه، وتبرئة جاني وتجميل صورته، ويتسبب في قطع رزق شخص دون وجه حق، ويستخدمه البعض في الترويج الزائف لمنتج أو سلعة أو حدث ما أو التسويق للأشخاص وصناعة النجوم، لذلك الأمر خطير ويشكل ضرراً كبيراً على المجتمع.
وقد حذرنا منذ سنوات من خطورة الانسياق خلف ترندات السوشيال ميديا، وكنا نؤكد أن الأمر لن يتوقف عند حدود «الترفيه» أو «الفضول»، وإنما قد يتحول مع الوقت إلى مشكلة حقيقية تمس وعي المجتمع وقدرته على التمييز بين الحقيقة والزيف، وهو ما نراه اليوم حقيقة على أرض الواقع.
المشكلة ليست فقط في صاحب المعلومة الكاذبة، وإنما أيضًا في كل من يساهم في انتشارها، فإعادة نشر منشور مجهول المصدر، أو مشاركة فيديو لمجرد أنه مثير، أو التعليق على ترند دون التأكد من حقيقة الواقعة، قد يمنح الشائعة قوة أكبر من حجمها الحقيقي، ويحول قصة غير صحيحة إلى حقيقة في أذهان البعض لمجرد تكرارها آلاف المرات.
والأخطر أن البعض يتعامل مع هذه الترندات بمنطق «نشرها على سبيل التسلية»، وكأن عدم التصديق يعفي الإنسان من المسؤولية، والحقيقة أن المشاركة نفسها قد تكون جزءًا من صناعة التضليل؛ لأن خوارزميات منصات التواصل الاجتماعي تقيس الانتشار والتفاعل، وكل مشاهدة أو مشاركة أو تعليق يمكن أن يسهم في منح المحتوى الزائف مساحة أكبر للظهور والانتشار.
وهنا تظهر أهمية الوعي الرقمي كضرورة لحماية المجتمع، فلا بد أن يتم تعزيز الوعي لدى جميع شرائح المجتمع مستخدمي السوشيال ميديا والتواصل الاجتماعي بخطورة الترندات المصنوعة الزائفة وتأثيرها المضر بالأفراد والمجتمع، نحن بحاجة إلى أن يتعلم المواطن أن يسأل قبل أن يصدق أو يشارك: من نشر هذه المعلومة؟ ما مصدرها؟ هل توجد جهة رسمية أو وسيلة إعلام موثوقة أكدت الواقعة؟، هل الفيديو حديث أم قديم؟، وهل تم اقتطاعه من سياقه؟، وهل العنوان يعكس الحقيقة أم يستهدف فقط جذب المشاهدات؟!.
كما أن مواجهة الترندات الزائفة لا تقع على عاتق الدولة وحدها، وإنما هى مسؤولية مشتركة بين الأسرة والمدرسة والإعلام والمؤسسات المعنية والمواطن نفسه، ولا يعني ذلك الدعوة إلى تجاهل منصات التواصل الاجتماعي أو رفضها، بل يعني التعامل معها بوعي، وعدم السماح لها بأن تتحول من وسيلة للتواصل والمعرفة إلى أداة لإرباك المجتمع أو تشويه الحقائق أو صناعة حالة من الجدل المصطنع.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن المعلومة أصبحت قوة، وأن من يمتلك القدرة على نشرها وتوجيهها يستطيع التأثير في ملايين الأشخاص خلال دقائق، ولذلك فإن معركة الوعي أصبحت لا تقل أهمية عن أي معركة أخرى، لأن حماية عقول الناس من التضليل هي في النهاية حماية لاستقرار المجتمع وقدرته على اتخاذ مواقف مبنية على الحقيقة.
الترند ليس دليلًا على الحقيقة، وكثرة المشاركات ليست شهادة صحة، وعدد المشاهدات لا يمنح الخبر مصداقية، فقبل أن تضغط «مشاركة» توقف لحظة واسأل: هل ما أنشره حقيقة؟، فقد تكون ضغطة واحدة منك سببًا في انتشار معلومة كاذبة، وقد تكون في المقابل سببًا في وقفها.
وفي ظل انتشار الشائعات والفبركة أصبحت الشائعة قادرة على الوصول إلى الملايين خلال دقائق، وأصبح الوعي مسؤولية، والتأكد قبل النشر واجبًا، وعدم الانسياق خلف الترندات الزائفة ضرورة لحماية المجتمع، فلقد حذرنا منذ سنوات من خطورة ترندات السوشيال ميديا، واليوم نرى بوضوح أن التحذير لم يكن مبالغًا فيه بل كان استشرافًا لخطر أصبح واقعًا نعيشه كل يوم.
لذلك على الجميع من المؤسسات الإعلامية والتعليمية والدينية والشبابية والجهات المعنية بمنصات التواصل الاجتماعي والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات التوسع في حملات التوعية للمواطنين لتجنب الترندات الزائفة الكاذبة وعدم الانسياق وراءها دون التحقق من صحتها، هذه خطوة ضرورية جداً ومهمة ومطلوبة أيضاً للتصدي للشائعات والأكاذيب ومنع تضليل وخداع المواطنين.