لم أكن أعرف أن للهدوء طريقاً، وأن للسكينة مجالس، حتى عشت للمرة الأولى أجواء «مجالس الأنوار في ذكر الصلاة على النبي المختار ﷺ» بمدينة مداغ المغربية، التي تنظمها الطريقة القادرية البودشيشية بإشراف شيخها الحاج معاذ القادري بودشيش، احتفاءً بذكرى المولد النبوي الشريف.
جئت إلى مداغ صحفياً أبحث عن تفاصيل الحدث، لكنني وجدت نفسي أمام تجربة إنسانية وروحية مختلفة. بين القرآن والذكر والصلاة على النبي ﷺ والأوراد والمديح والسماع، شعرت أنني أمام مساحة هادئة بعيداً عن صخب الحياة وضغوطها ومشاحناتها.
في هذه المجالس، لا يكون الذكر مجرد كلمات تردد، وإنما حالة من الهدوء والتأمل ومراجعة النفس، ودعوة إلى الأخلاق والعمل الصالح والتسامح وحسن التعامل مع الآخرين.
وكان المديح النبوي من أكثر اللحظات تأثيراً في تجربتي. أصوات تنشد في محبة الرسول ﷺ، وحضور يتفاعل معها في هدوء وخشوع، لتتحول الكلمات إلى حالة من المحبة والسكينة. وأدركت أن المديح في هذه البيئة ليس مجرد إنشاد، بل جزء من تراث تربوي وروحي امتد من المغرب إلى مصر ومناطق واسعة من إفريقيا.
واللافت في «مجالس الأنوار» أنها تجمع بين الذكر والعلم؛ فإلى جانب المجالس الروحية، يشارك علماء وباحثون من المغرب وعدد من الدول الإفريقية في مناقشة تاريخ التصوف المغربي وامتداده المعرفي والروحي إلى إفريقيا، وحضور كتب مثل «الشفا» للقاضي عياض و«دلائل الخيرات» للإمام الجزولي، إلى جانب البردة والهمزية والمدائح النبوية.
كما كانت لقاءاتي مع المشاركين من المغرب والسنغال والنيجر وموريتانيا ونيجيريا وبوركينا فاسو وغيرها من الدول تجربة إنسانية مميزة. اختلاف البلدان والثقافات لم يمنع التقارب، لأن المحبة والاحترام والأخوة كانت لغة مشتركة بين الجميع.
وهنا أدركت أن القيمة الأهم لهذه المجالس لا تتوقف عند الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، وإنما في الرسالة التي تحملها إلى الإنسان والمجتمع: الاعتدال، والتسامح، ونبذ الفتن والمشاحنات، ونشر السلام والتقارب بين الشعوب.
في عالم يمتلئ بالصخب والاستقطاب، نحتاج إلى مساحات تذكر الإنسان بأن الاختلاف لا يعني الكراهية، وأن الحوار لا يحتاج إلى خصومة، وأن الدين يمكن أن يكون جسراً للمحبة والسلام.
ومن خلال تجربتي الأولى في مداغ، شعرت أن التصوف المعتدل الذي رأيته هناك يقدم جانباً مهماً من هذه الرسالة؛ ذكرٌ يطمئن القلب، وعلمٌ يهذب العقل، وأخوة تقرب الناس من بعضهم، وأعمال صالحة تجعل أثر الروحانية حاضراً في الحياة اليومية.
غادرت «مجالس الأنوار» وأنا أشعر أنني لم أكن مجرد صحفي يغطي حدثاً، بل كنت إنساناً خاض تجربة جديدة حملتني إلى قدر من الهدوء النفسي والروحي، وجعلتني أكتشف أن أجمل ما يمكن أن يأخذه الإنسان من مجالس الذكر ليس فقط ما يسمعه بأذنيه، وإنما ما يبقى في قلبه وينعكس على سلوكه.
ومن مداغ، في رحاب المولد النبوي الشريف، تبقى الرسالة الأجمل بسيطة وواضحة: المحبة تجمعنا، والذكر يهدئ قلوبنا، والعمل الصالح يقربنا من بعضنا، والسلام هو الطريق الذي تحتاجه الشعوب.
وفي ختام هذه التجربة، يبقى أجمل ما تحمله الذاكرة من مداغ ذلك المشهد الإنساني والروحي الذي جمع بين القرآن والذكر والمحبة وخدمة الناس، في أجواء تعكس معنى حقيقياً للعطاء والتكافل، ومن بين التفاصيل التي تمنح المكان خصوصيته، يبرز حضور الشيخ الحاج معاذ القادري بودشيش، بما يميزه من سماحة وبشاشة وحسن استقبال، وهي صفات تترك أثرها في نفوس من يلتقونه، وتعكس روحاً تقوم على القرب من الناس والإنصات إليهم والحرص على أن تبقى أبواب الخير مفتوحة أمام الجميع.
كما يستحق مقدم الزاوية القادرية البودشيشية في مداغ الحاج محمد البغدادي
والمشرفون والقائمون على هذه الزاوية كل التقدير لما يبذلونه في خدمة القرآن الكريم وتحفيظه، ورعاية المجالس الروحية، ومساعدة المحتاجين، ومد يد العون لمن يحتاجها.
وهنا تبدو «مجالس الأنوار» أكبر من مجرد مناسبة للاحتفال أو إقامة مجالس الذكر، فهي مساحة للتربية والعطاء والتكافل، ورسالة تتكامل فيها محبة الرسول ﷺ مع خدمة الإنسان ونشر قيم المحبة والسلام.
تحية تقدير لكل من يعمل في صمت من أجل استمرار هذه الرسالة، ولأهل مداغ الذين أحاطوا ضيوفهم بالكرم والأخوة والمحبة، وللشيخ معاذ القادري ولكل القائمين على هذه المجالس، على تجربة تركت في النفس أثراً جميلاً، وستظل واحدة من الذكريات الروحية والإنسانية التي يصعب نسيانها.