حازم حسين

ذكاء بلا أوراق ثبوتية

الإثنين، 24 أغسطس 2026 02:00 م


كما لو أن سيارة مسرعة صدمتنا فى طريق مفتوح، أو رعشة كهربائية عالية الجهد سرت فى أجسادنا؛ فانتقلنا بين غمضة عين وانتباهتها من حال إلى حال.
هكذا نحن بعد نماذج اللغة الكبيرة، وما خبرناه حتى الآن من طفرة التقنية المُتعارَف على وسمها بـ«الذكاء الاصطناعى».
وبعيدا من بلاغة الوصف، أو حذر الاقتراب؛ فقد فرض الانفجار الرقمى المستحدث نفسه على الواقع، وصار حاضرا بقوة، وماضيا فى توسيع حيّزه، شئنا أم أبينا.
وليس لنا إلا أن ننظر فى صيغة العلاقة، ونتطلع إلى ضبطها على أحسن ما يكون، وأقله سوءا قدر الإمكان.
ولا خلاف على التقدم عموما، والرقمنة وتأهيل الآلة على وجه الخصوص؛ غير أن الجدل قد يتسع، بل يجب أن يتسع فعلا، بشأن التعريف والتأصيل وتكييف المعنى والمبنى ضمن الثنائية المشتركة: المادى والافتراضى.


وذلك؛ لأجل الفهم أوّلا، والتنظيم ثانيا؛ ثم الأهم أنه يُفلسف المسألة على وجه عميق نحتاجه للغاية، ويؤثر فى وجودنا وعلاقتنا بذواتنا، وفى تصوراتنا الشخصية والموضوعية فى الحال والاستقبال.
وإذا كان الجميع، أو الأغلبية، يتصالحون، غصبًا وارتضاء، على حقيقة أن الأدوات شبه الذكية أصبحت شريكًا كامل الأهلية اليوم، ويقتسم معنا المجال بالأصالة فى جوانب، وبالوكالة عبر بشر يستندون إليه تماما فى كل حياتهم وإن أنكروا.
فإن المخاوف ذهبت بعيدا باتجاه المأمونية والوظائف وسلامة المستقبل، ومرحلة الذكاء العام، وعندما تتفوق الآلات على البشر، مع مخاوف نابعة من أفلام الخيال العلمى عندما تتمرد الروبوتات، وتسيطر على العالم وتستعبد الناس.
وما زلت شخصيا أرى المشكلة عند نقطة أسبق كثيرا، تغطى سلسلة طويلة من العناوين المقلقة فعلا، بدءا من الخصوصية حتى الإقطاع الرقمى.
وبينهما الاقتصاد وعلاقات الإنتاج والاستهلاك، وفقه الاجتماع وما بُنِى حول نواته الأولى من حلقات متصاعدة، أولها الأسرة وآخرها الدولة، بغض النظر عن الحلم الكونى الذى باعته العولمة للحالمين.

ورغم كل التفاصيل المركبة والمتداخلة؛ فإننى أُفضّل البداية من الصفر.
خلافى على الاسم قبل كلّ شىء؛ لأننى لا أعتبر ما يتسرب فى شرايين يومياتنا الآن ذكاءً مكتمل الكينونة والفاعلية، بل ليس من الذكاء أصلا.
ونحتاج إلى تعريفه على وجه دقيق، وتسميته بما يميزه، ولا يتقاطع مع سواه، وقبلهما لا يضللنا فى فهمه حاليا، ولا تطويره واستيعاب قفزاته المتوقعة مستقبلا.
الذكاء لُغةً يعود للجِذر «ذكا»، تُوصَف به النار والجُمر، وتمتدّ معانيه للإدراك وعُمق الفطنة، وفى الجذر اللاتينى يدلّ على التصميم والاختيار؛ وكلاهما يتحدّد بالقدرة الفهم والاستيعاب واتخاذ القرار، والتعامل مع المفاجآت.
إنه فاعلية عقليّة بالأساس، يُمكِّن العاقل من النظر فى الكُليّات، ومن التفكير المُجرّد المحض، والحدس والاستدلال والربط المُتسلسل بين التفاصيل والوقائع والأشياء. فلسفيًّا يُمثّل ميزة الإنسان وحدّه الفاصل عن بقية الكائنات، كما أنه الطاقة المُتفجّرة عن الوعى؛ بما يقود للإدراك والتعليل، والنفاذ إلى الجوهر، والتناغم مع الوجود.
وليس الكلام عن طبقةٍ واحدة؛ إنما طبقات عِدّة كما يرى علم النفس المعرفى، تتوزّع على المُدركات والمُخرجات، وتتكوّن من ذكاءات مُتداخلة: العاطفة واللغة والاجتماع والمنطق وغيرها الكثير.
كلها تتطابق وتتجاور فى آنٍ، وتُشكّل معًا سبيكةً واحدة: عضوية فلا تتبيّن الحدود بينها، ومُتمايزة حتى لكأنها جديلة من ألوان مُتنافرة.
والقصد إنما ينصرف إلى ما على السطح، أى النماذج اللغوية وبعض الأدوات المُتولّدة عنها؛ لأنها تعمل بآلية رياضية، وتُرتّب المُخرجات فى مصفوفة مبنيّة على الاحتمالات لا العقلنة والإحاطة.


وقد يبدو بعض ما تأتيه من قبيل الذكاء، أو يتشابه لدرجة التطابق مع أداء البشر المُعتاد؛ غير أن الفارق عريض بين مُنتَج يدوى يحمل بصمة صانعه وروحه، وقطعة مُقولَبة ما دار حوار بينها والآلة، ولا وَعَت إحداهما وجود الأخرى من الأساس.
كأنه الفارق بين المُخ فى الصفة التشريحية، والعقل فى الفاعلية والمعنى العميق؛ وكلاهما يُحيلان إلى الموضِع نفسه، مع سياقين مُختلِفَين تماما. فارق النَظْم عن الشِّعر؛ وإن بدا ظاهرًا أنهما مُتكافئان على ميزان الإبداع.


فالذكاء على معناه الراسخ فى الفهم البشرى، يصطبغ بالصفة البيولوجية كشرطٍ لازمٍ، وله مُكوّن اجتماعى وعاطفى؛ ما يجعله انعكاسًا للحياة فى وجهها المادى الملموس؛ وليس مُحاكاة عابرة لها بصيغة افتراضية أو ميتافيزيقية.
أى أن الذكاء كما نعرفه أصيل لا مُصطَنَع. يتّصل بكل كائن حى، وهُويّته، ومساره العضوىّ والعملى، ولا تُغيّر عملية التعليم والتثقيف والتنشئة الاجتماعية من الأصالة، بقدر ما تُعزز خطوط البصمة الشخصية وتمنحها وهجها الخاص.
ما يجرى عمليًّا؛ أن الآلة تأخذ بضاعتنا لتردّها إلينا. أى تتدرّب على نصوص البشر؛ ثم تُعيد إفرازها بمُعادلات رياضية. ولُغة البرمجة لا تعرف العاطفة، مُحايدة وبلا خبرة؛ فتسقُط قطعًا فى فخ الترادفات، فيما اللغة الحيّة لا تعرف الترادُفَ أصلا؛ لمَن يعرفونها على وجه الحقيقة.
العارفون ما زالوا حَيرى، والذين لا يعرفون يشترون بلا فِصال. المُنتَج النهائى ليس مثاليًّا حتى الآن، وقد يتطوّر؛ غير أن السؤال يظل فى نطاق آخر: هل تغنى الرقائق عن الخلايا؟ وهل التراكُم وتعلُّم الآلة كافيان لتعويض الخبرة المَعيشة، والعاطفة، والنسبيّة التى تُميّز كل موضوعٍ ولو مرّ العنوان الواحد على كل البشر؟!
قد تنجح الشركات فى القفز على الثغور، وفى أنسنة الوصلات والبرمجيات؛ إنما حتى الآن ما نزال أبعد كثيرًا، والمسألة مُجرّد جهد إحصائى يستند إلى سُرعة المُعالجة، لا إلى الوعى وكفاءة المعرفة بالفعل.


وإسباغ صفة الذكاء اليوم، يمنح الآلة ما لا تستحق، ويبتدئ رحلتها الجديدة معنا من نقطة مُتفوّقة علينا. فبماذا نُسمّيها لاحقا عندما تُدانى البشر أو تتفوق عليهم؟ وكيف نحتفظ لذكائنا بقيمته ونُعزّزه ونُحسن استغلاله، إن مسخناه لدرجة التشبيه بكُودٍ برمجىّ يرصف الكلمات بجوار بعضها دون أن يعرف معناها؟! كأنه الحمار يحمل أسفارًا!
لا فرق بين أن يُولَد الشخص مجهولاً، أو يُمنَح اسمًا لا يُعبّر عنه بدقة؛ فتتشوّه معرفة الآخرين به. سيّان أن تغيب الأوراق الثبوتية أو تُزَوَّر؛ وما يُبنَى على خطأ، قد يقود أحيانا إلى خطايا أكبر.
لنقُل إنه مُخٌّ اصطناعى، أو آلة نابضة، أو محاكاة للبشر، وقوس الاقتراحات مفتوح. لكنه بعيد عن أن يكون ذكاء، وأبعد منه الذين سلّموه عقولهم مُبكّرًا جدا.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة