المسافة الآمنة.. عندما تتحول المودة إلى اقتحام!

الإثنين، 24 أغسطس 2026 10:24 ص
المسافة الآمنة.. عندما تتحول المودة إلى اقتحام! محمود عبد الراضى

محمود عبد الراضي

في زمانٍ تدعّت فيه الحدود واختلطت فيه المسافات، أبحرت سفن العلاقات الإنسانية في محيطات متلاطمة من القرب المفرط، حتى أوشك القرب أن يخنق الحب، واستحالت المودة، دون أن ندري، إلى ضرب من الاقتحام.

لقد تعلمنا صغاراً أن القرب يولد الدفء، لكننا نسين أن الدفء إذا زاد عن حده أدى إلى احتراق الأرواح، أضحينا نخلط بين "الاهتمام" و"الامتلاك"، وبين "السؤال" و"الاستجابة للاستجواب".

بات البعض يظن أن محبة الآخر تمنحه رخصة مفتوحة لاقتحام عزلتها الشريفة، واستباحة مساحته الخاصة، ونبش مستودع أسراره بحجة العتاب، حتى غدونا نعيش في بيوت زجاجية تحاصرها نظرات المحبين قبل فضول الغرباء.

إن المسافة الآمنة في جغرافية البشريات ليست جداراً للقطيعة، بل هي مساحة التنفس الطبيعية التي تسمح للقلوب بأن تحافظ على نبضها الخاص.

هي تلك "المنطقة الرمادية" الفاصلة بين الاحتواء والامتلاك، والتي تبقي على سحر الاكتشاف ولهفة الشوق، فعندما نقترب أكثر مما ينبغي، تتلاشى التفاصيل الجميلة في لوحة العلاقات، ونبدأ في رؤية الندوب والعيوب بعين مكبرة قاسية، ليتحول الشغف الأولي إلى ارهاق نفسي مستمر، والاهتمام إلى قيد مكبل للأرواح.

لقد صنعت المنصات الرقمية والتواصل الدائم وهم الحضور المستمر، فسُلبت منا لذة الغياب التي تُربّي الاشتياق، وأصبح الاختفاء المؤقت لبضعة ساعات أو أيام جريمة تعاطفية تُحاكم في مجالس العتاب!

إننا بحاجة ماسة إلى إعادة صياغة دستور التواصل الإنساني، فندرك أن الاقتحام ليس دليلاً على المحبة، وأن احترام العزلة ليس نكراناً للجميل، بل هو قمة النضج العاطفي.

ارحموا مساحات من تحبون، ودعوا بينكم وبينهم مسافة أمان، تضمن لكم البقاء معاً دون أن يدهس أحدكم روح الآخر.

لا تصنعوا من حبكم سجناً ناعماً، بل اجعلوه أفقاً واسعاً يتنفس فيه الطرفان بحرية وأمان، فالشجر لا ينمو متزاحماً، والجبال لا ترتفع إلا إذا تركت بينها ودياناً من الهواء.

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة