لم تكن القصة مجرد أزمة مصاريف دراسية أو خلاف بين إدارة مدرسية وأولياء أمور يبحثون عن تعليم متميز لأبنائهم، بل تحولت في لحظات إلى صدمة مدوية هزت أركان منطقة التجمع الأول بالقاهرة الجديدة.
القصة بدأت بمقاطع فيديو تداولتها الحسابات والصفحات الإخبارية كالنار في الهشيم، وتضمنتها البرامج الحوارية لتكشف عن مأساة حقيقية عاشها العشرات من الأسر، بعدما اكتشفوا فجأة أن أسماءهم مدرجة في قوائم المتعثرين والمخاطر الائتمانية، بسبب قروض وتسهيلات مالية ضخمة لم يطلبوا منها جنيهاً واحداً.
في أروقة إحدى المدارس الدولية الكبرى، وفي الوقت الذي كان أولياء الأمور يودعون فيه وثائقهم الشخصية وصور بطاقات الرقم القومي بقسم شؤون الطلبة كإجراء روتيني، كانت الإدارة تخطط لسيناريو آخر تماماً.
استغلت إدارة المدرسة تلك الثقة المطلقة والبيانات المودعة لديها، لتصنع منها بوابة لتحقيق مكاسب مالية غير مشروعة، بالتعاون مع إحدى شركات التمويل الاستهلاكي الكائنة بدائرة القسم.
البداية الرسمية تحركت من داخل قسم شرطة التجمع الأول، حين تقدم خمسة من أولياء الأمور ببلاغات رسمية يوثقون فيها تضررهم البالغ من استغلال بياناتهم الشخصية وأسماء أولياء أمور آخرين دون علمهم أو موافقتهم.
البلاغات كشفت عن نمط منظم تم بموجبه تحويل ملفات الطلاب إلى أوراق ثبوتية لاستخراج قروض تعليمية صريحة بأسمائهم.
وبناءً على التحريات والفحص، نجحت الأجهزة الأمنية بوزارة الداخلية في تحديد هوية المتهم وإلقاء القبض عليه، وتبين أنه مالك المدرسة ورئيس مجلس إدارتها، وله معلومات جنائية سابقة، حيث واجهته القوات بالدلائل والقرائن ليقر بصحة الواقعة.
مع انتقال القضية إلى ساحة النيابة العامة، تكشفت تفاصيل أكبر وأخطر مما كان متوقعاً. كشفت التحقيقات عن حجم الكارثة المالية التي تحكم فيها المتهم، حيث تبين من واقع استجواب ممثل شركة التمويل الاستهلاكي المانحة للتسهيلات أن رئيس مجلس إدارة المدرسة أبرم باسم صفته نحو 839 عقداً للحصول على تسهيلات ائتمانية تعليمية، بقيمة إجمالية بلغت 321 مليون جنيه مصري.
التحقيقات أوضحت أن المتهم اعتمد في تحرير هذه العقود على صور البطاقات الشخصية والمستندات المودعة بالقبول المدرسي، بالإضافة إلى تقديم أوراق تضمنت توقيعات منسوبة زوراً لأولياء الأمور للالتفاف على الشروط الإدارية والائتمانية.
هذا المخطط المالي ألقى بظلاله الثقيلة على الأسر التي وجد أفرادها أنفسهم أمام آثار ائتمانية كبرى، وارتفاع مفاجئ في مؤشرات المخاطر الخاصة بهم لدى الجهات المصرفية، مما أضر بسمعتهم المباشرة وعرقل معاملاتهم المالية اليومية.
واستمراراً لمجريات العدالة، أمرت النيابة العامة بحبس المتهم احتياطياً على ذمة التحقيقات، وجارٍ استكمال الفحص التحليلي والتدقيق في كافة العقود المبرمة للوقوف على أبعاد الجريمة كاملة ومحاسبة كل من يثبت تورطه في استغلال أموال وثقة المواطنين.