شحاتة زكريا

لماذا أصبح المستقبل خبرا عاجلا؟

الأحد، 23 أغسطس 2026 02:10 م



كان المستقبل في زمن قريب كلمة تحمل شيئا من الطمأنينة. نقول: في المستقبل ستتحسن الأمور في المستقبل سيجد أبناؤنا فرصا أفضل في المستقبل ستصبح التكنولوجيا أكثر تقدما كان الغد مساحة واسعة نضع فيها أحلامنا ومخاوفنا ثم نعود إلى حاضرنا كأن أمامنا متسعا من الوقت.. لكن شيئا تغير...المستقبل لم يعد ينتظرنا عند نهاية الطريق. لقد اقترب إلى درجة أصبح معها يدخل حياتنا في صورة خبر عاجل.

قرار يصدر في عاصمة بعيدة فيتغير سعر سلعة هنا. أزمة في ممر مائي فتتحرك تكاليف الشحن في أسواق لا تعرف شيئا عن تفاصيل الأزمة. تطور تكنولوجي يظهر صباحا فتبدأ شركات ومؤسسات في إعادة حساباتها مساء حرب تنتهي أو تهدأ لكن آثارها الاقتصادية والسياسية تستمر طويلا بعد أن تختفي صور المدافع من الشاشات...هذه هي المفارقة الجديدة: لم يعد المستقبل زمنا قادما وإنما أصبح تأثيرا حاضرا.. ولذلك ربما لم يعد السؤال الأكثر أهمية: ماذا سيحدث بعد عشر سنوات؟ السؤال أصبح: ماذا يحدث الآن لأن شيئًا ما سيحدث غدا؟ هذه النقلة تبدو بسيطة في صياغتها لكنها عميقة في آثارها.

فأسواق المال تتحرك أحيانا قبل أن تصل الأحداث إلى نهايتها والدول تعيد بناء حساباتها قبل أن تتضح الصورة كاملة والشركات تستثمر في تقنيات قد تعيد تشكيل صناعات بأكملها قبل أن تستقر قواعد استخدامها.. حتى المواطن العادي أصبح طرفا في هذه المعادلة وإن لم يختر ذلك...فما يحدث في الطاقة لا يبقى داخل قطاع الطاقة وما يحدث في التجارة لا يتوقف عند الموانئ وما يحدث في التكنولوجيا لا يظل حبيس المختبرات. كل شيء تقريبًا يجد طريقه إلى الحياة اليومية إلى تكلفة المعيشة، وفرص العمل، وأسعار المنتجات، وطريقة التعلم، وحتى شكل الوظائف التي سيبحث عنها أبناء الجيل الجديد...العالم لم يعد مجموعة غرف منفصلة...أصبح أقرب إلى غرفة واحدة وإذا تحرك شيء في أحد أركانها شعر به الآخرون...لكن الأخطر من سرعة الأحداث هو أننا ما زلنا نحاول فهم عالم سريع بأدوات بطيئة...نحن نميل إلى تفسير الجديد بما عرفناه قديما.

عندما تظهر تقنية مختلفة نسأل: ما الوظيفة التي ستلغيها؟ وعندما تقع أزمة اقتصادية نسأل: متى تنتهي؟ وعندما يتغير ميزان سياسي نسأل: متى يعود الوضع إلى ما كان عليه؟ لكن ربما لا يعود...هذه هي الفكرة التي ينبغي أن نتوقف أمامها طويلا ليس كل تغير مرحلة مؤقتة قبل العودة إلى الوضع القديم. بعض التغيرات تصنع وضعا جديدا ثم يصبح هذا الوضع هو نقطة البداية.

وهنا تأتي أهمية الذكاء الاصطناعي ليس باعتباره عنوانا تقنيا مثيرا وإنما باعتباره نموذجا لما يحدث في العالم كله. التقنية لم تعد تنتظر سنوات طويلة حتى تنتقل من المختبر إلى حياة الناس. الفاصل بين الاكتشاف والتطبيق أصبح أقصر والفاصل بين التطبيق وتأثيره في سوق العمل أقصر أيضا...وهذا يفرض سؤالا أكبر من سؤال: هل نخاف من التكنولوجيا أم نرحب بها؟ السؤال الحقيقي هو: هل نحن مستعدون لعالم تتغير فيه قيمة المهارة أسرع مما تتغير المناهج؟ الأمر نفسه ينطبق على الاقتصاد.. في الماضي كان المواطن يسمع عن أسعار الفائدة أو حركة التجارة العالمية أو اضطرابات سلاسل الإمداد باعتبارها موضوعات تخص الخبراء. اليوم أصبحت هذه المصطلحات تمس تفاصيل الحياة مباشرة. الاقتصاد العالمي لم يعد خلفية بعيدة للأحداث بل أصبح حاضرا في قرارات الأسرة والشركة والحكومة...ولهذا فإن الاستعداد للمستقبل لم يعد ترفا للنخب.. إنه ضرورة عامة.. والاستعداد لا يعني أن ندعي معرفة ما سيحدث فالمستقبل لا يمنح أحدا ضمانات. لكنه يعني أن نبني قدرة على التعامل مع المفاجأة.. الدولة القوية ليست التي تتنبأ بكل أزمة وإنما التي تستطيع امتصاص الصدمة عندما تقع والمؤسسة الناجحة ليست التي تتمسك بخطتها مهما تغيرت الظروف وإنما التي تعرف متى تعدلها.

والإنسان الأكثر قدرة على الاستمرار ليس من يعرف كل الإجابات بل من يملك الشجاعة والمرونة ليتعلم إجابات جديدة وهنا يصبح التعليم قضية تتجاوز المدرسة والجامعة.

نحن لا نحتاج فقط إلى جيل يحفظ أكثر بل إلى جيل يفكر أفضل. جيل يستطيع أن يميز بين المعلومة والشائعة وبين المعرفة والضجيج وبين التغيير الحقيقي والموضة العابرة.

وفي زمن أصبحت فيه المعلومة تصل إلينا في ثوان لم تعد المشكلة أن نعرف وإنما أن نفهم وربما يكون الإعلام أمام الاختبار نفسه فالسرعة أصبحت جزءا من صناعة الخبر لكنها لا يجب أن تصبح بديلا عن الحقيقة. في عالم الأخبار العاجلة قد يكون الخبر الأول هو الأكثر انتشارا لكنه ليس بالضرورة الأكثر أهمية. وما يبقى في ذاكرة الناس ليس دائما ما وصل أولا وإنما ما ثبتت صحته.. نحتاج إلى إعلام سريع نعم لكننا نحتاج أكثر إلى إعلام يعرف متى يتوقف ليسأل: ماذا يعني هذا الخبر؟ فالمعنى أحيانا أهم من الخبر نفسه.

نحن أمام عالم تتغير فيه موازين القوة وتتداخل فيه السياسة بالاقتصاد والتكنولوجيا بالأمن والطاقة بالتجارة والمعلومة بالتأثير. ولذلك فإن التعامل مع المستقبل بعقلية سنرى ماذا سيحدث لم يعد كافيا.. هناك فرق كبير بين من ينتظر المستقبل ومن يستعد له الأول يراقب والثاني يشارك في صناعته وربما تكون هذه هي مسؤوليتنا الأكبر الآن: ألا نسمح لسرعة العالم بأن تجعلنا مجرد متلقين للأحداث.

لأن المستقبل ليس قدرا يصل إلينا مكتملا جزء كبير منه يبنى اليوم في قرارات الحكومات وفي فصول المدارس وفي المصانع وفي الجامعات وفي طريقة إدارة الموارد وفي قدرتنا على حماية الحقيقة من الضجيج ولهذا أصبح المستقبل خبرا عاجلا...ليس لأن الغد جاء قبل موعده فقط بل لأن نتائج ما نفعله اليوم أصبحت تصل إلينا أسرع مما نتخيل.. لم يعد السؤال: ماذا ينتظرنا؟ فالمستقبل لا ينتظر
إنه يحدث الآن.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة